|
||||||
| Updated: Wednesday, June 30, 2004 01:01 AM | ||||||
| فهرس العدد |
|
أحمد البوني وكتابه: "التعريف ببونة إفريقية بلد سيدي أبي مروان الشريف" ـــ د.سعد بو فلاقة* ملخص. تتناول هذه الدراسة في شقها الأول حياة وآثار أحمد البوني. أما في شقها الثاني فتتناول كتابه "التعريف ببونة إفريقية بلد سيدي أبي مروان الشريف" بالتعريف والتحليل، وقد استعرضنا التعريف بالكتاب، ودوافع تأليفه، ثم مصادره ومحتواه، وقيمته العلمية والتاريخية، وختمنا الدّراسة بخلاصة سجّلنا فيها أهم الأفكار التي وردت في الكتاب. توطئة: تهدف هذه الدراسة إلى إلقاء الضوء على مصنَّف مُهمٍّ من مُصَنّفات عَلَم من أعلام الفكر في حضارتنا العربية الإسلامية، وهذا المصنَّفُ يتمثل في كتاب "التعريف ببونة ([1]) إفريقية بلد سيدي أبي مروان الشريف ([2])" ([3]) لأحمد بن قاسم البوني أحد مشاهير الكُتّاب وأكثرهم خصباً وإنتاجاً في أواخر القرن الحادي عشر وأوائل القرن الثاني عشر للهجرة. وتتناول هذه الدراسة في شقها الأول: حياة وآثار أحمد بن قاسم البوني. أمَّا في شقها الثاني، فتتناول كتابه المذكور بالتعريف والتحليل، هذا الكتاب الذي يعدُّ من أهم الكتب التي عرّفت ببونة وعلمائها، لأنَّ مصنفاته في التاريخ لم يصلنا منها إلا هذا الكتاب ومنظومته المسماة: "الدّرة المصونة في علماء وصلحاء بونة" ([4])، وهي المنظومة التي اختصرها من منظومته الكبرى المحتوية على ثلاثة آلاف بيت، وتحتوي المنظومة المختصرة على ألف بيت، وقد شرحها، وإنَّ شرحها كان متداولاً إلى عهد قريبٍ، ومصيرهُ مصير كثير من كتب التراث، فقد ضاعت بين "جامد وجاهد" ([5]). سنستعرض التعريف بالكتاب، ودوافع تأليفه ثم مصادره ومحتواه، وقيمته العلمية والتاريخية. ونختم الدّراسة بفذلكة نلخص فيها أهمّ الأفكار التي وردت في الكتاب. أوّلاً: حياته وآثاره 1-حياته (موجز ترجمته): هو أبو العباس أحمد بن قاسم بن محمد ساسي التميمي البوني، وُلد ببونة المعروفة الآن بعنابة في شرقي الجزائر سنة (1063ه /1653م)، وتوفى فيها سنة (1139ه /1726م). نشأ في أسرة ميسورة الحال، فقد كانت عائلتُه تنتمي إلى "مجموعة بشرية واسعة مُمتدّة غرباً إلى نواحي قسنطينة، وشرقاً إلى نواحي الكاف وباجة، حيث أخذ أحمد بن قاسم العلم من هذه النواحي" ([6]). وفي بونة بدأ تعليمه على يد والده قاسم، وجدّه محمد ساسي، والإمام الشيخ إبراهيم بن التومي (سيدي إبراهيم)، وغيرهم، ثم واصل دراسته متنقلاً بين المغرب الأقصى وتونس، كما رحل إلى المشرق العربي، وأخذ بمصر عن الشيخ عبد الباقي الزرقاني المتوفى سنة (1099ه /1688م)، والشيخ يحي الشاوي الملياني بعد عودته من الحج، وتصدّره للإقراء بالأزهر الشريف، وغيرهما، ثم عاد إلى بونة مسقط رأسه وتفرغ للتدريس والتأليف، وقد أخذ عنه مجموعة من العلماء، منهم: عبد الرحمن الجامعي، وعبد القادر الراشدي القسنطيني، وسواهما، وكان فقيهاً مالكياً، من كبار فقهاء المالكية، وعالماً بالحديث ([7])، وله مؤلفات كثيرة، سنذكر بعضاً منها بعد حين. 2-آثاره: أ-شعره: يعد أحمد بن قاسم البوني من الشخصيات المتعددة الثقافية، فهو مع رسوخ قدمه في الفقه المالكي، والحديث النبوي الشريف، لـه ديوان شعر ([8])، ومنظومات شعرية كثيرة في موضوعات متعدّدة، ولكن الشّعر التعليمي قد حظي عنده بنصيب وافرٍ من العناية، وقد كان انتشارُ التعليم في هذا العصر سبباً في تفكير أحمد البوني في تبسيط هذه العلوم، وقد نظم كتاب غريب القرآن الكريم لِلْعَزِيزي في نحو أربعة آلاف بيت، ونظم الخصائص الكبرى للسيوطي في نحو ثمان مائة بيت، ونظم الأجرومية في تسعين بيتاً ونظم في التاريخ المنظومة المسماة "الدرة المصونة في علماء وصلحاء بونة" وهي ألف بيت وقد اختصرها من منظومته الكبرى المحتوية على ثلاثة آلاف بيت كما أسلفت، وغيرها كثير. وحسبك من شعره درته هذه، فقد ذكر فيها تراجم علماء بونة، فبدأ بأساتَذته وأقاربه من سكان المدينة، ثم علماء القرى المجاورة، والعلماء الواردين على بونة، سواء أكانوا عابري سبيل أم مقيمين من مختلف جهات القطر، وقد استفاد من تأليف علي فضلون البوني الذي صنّف كتاباً في تاريخ بونة بعنوان "الكلل والحلل" ([9])، وهو من علماء القرن التاسع الهجري، وقد ضاع تأليف علي فضلون الذي استوعبه تأليف أحمد بن قاسم البوني المذكور "الدرة المصونة.." وقد انتهى أحمد البوني من تأليفه أواخر القرن الحادي عشر، وفي ذلك يقول: "في عام تسعين وألف نظمتُ وآن أنْ أدعو لمّا تمَمْتُ" ([10]) وقد اشترط في مترجميه العلم مع الاستقامة والصلاح، يقول:
ويبدو أنَ أحد طُلاَّبه هو الذي طلب منه تأليف درته، كما ذكر وكان على أهبة السَّفر، فاستعجله، فقال:
وفيها يقول:
وبعد ذلك يُشير إلى أنّ مترجَميه، الذين عاشوا قبل القرن التاسع، مذكورون في تأليف علي فضلون، يقول:
وبعد نهاية الشاعر من ذكر مترجَميه من علماء بونة، يختمُ القصيدة بالموازنة بينهم وبين معاصريه، فيقول:
من خلال هذه الموازنة نستشفُ أنَّ بونة في القرن الحادي عشر الهجري عَرَفَت انحطاطاً لا نظير له. ولكنّها في الوقت نفسه كانت مقراً لمحمد "بكداش" ([12])، وهو أحد الأتراك الذين أقاموا بها وتزوجوا فيها وأخذوا عن أساتذتها، منهم أحمد بن قاسم، ووالدُه، فارتقى ذلك التركي، وعُيِّنَ باشا الجزائر، فكان وفيّاً لبونة ولأساتذته بها. وهو الذي فتح وهران سنة 1120ه، بعد احتلالها من قبل الأسبان مدة ستّ ومائتي سنة ([13]) وقد ذكر ذلك أحمد البوني في درته حين قال:
ثم كاتبه بهذه الأرجوزة مهنِّئاً إياه بفتح وهران، ولافِتَاً نظره إلى حال مدينة بونة، فقال:
"فكافأه -محمد بكداش -على هذه الدُّرر، بمنقوش في صفحة القمر، وأعطاه فوق ما طلب، وكمُلَ له المقصود والأدب" ([16]). كانت هذه نماذج شعرية لأحمد البوني من خلال منظومته "الدرة المصونة في علماء وصلحاء بونة"، وكذلك من خلال أرجوزته التي أبدع فيها وأوجز، وهي نماذج قليلة لا نستطيع من خلالها أن نحكم على شاعريته، غير أنّنا نستطيع أن نقول: إنَّ منظومته الشعرية هي ممّا يذكر لقيمتها التاريخية الهامة، فقد عكست واقع بونة على مستويات شتّى، ولكنّها ركيكة الأسلوب، ولغتها قلقة مضطربة، وقد اعتورتها العلة من جوانب مختلفة كشعر العلماء وبعض الفقهاء الذين يتعاطون النظم وليس لهم من الأدب حظ ولا نصيب، فيتكلَّفون ما ليس من سجيتهم فيأتي نظمهم بارداً سخيفاً. أمَّا الأرجوزة فقيلت بأسلوب سهل سلس، وبلغةٍ رقيقة عذبة في مجملها. * كلية الآداب- جامعة عنابة- الجزائر. ([1]) -بونة: هي مدينة (عنابة) الحالية، تقع في الشرق الجزائري، على الساحل، على مسافة 600 كلم شرق الجزائر العاصمة، أسّسها الفينيقيون، وغزتها قرطجنة، ثم استولى عليها ملوك نوميديا، ولمَّا هُزم يوغرطة (سنة 105 ق. م)، ضُمّت المدينة وأراضيها إلى ما يسمى بولاية إفريقية الرومانية، وقد أصبحت بونة مدينة مزدهرة، كما أصبحت من أهم المراكز الدينية (مقر الأسقفية) بعدما انتشرت فيها المسيحية، وفتحها المسلمون سنة 78ه.. انظر المُدن المغربية: إسماعيل العربي، ص: 196 وما بعدها. ([2])-هو أبو مروان عبد الملك بن علي الأندلسي القرطبي الأصل، سكن بونة من بلاد إفريقية، كان من الفقهاء المعتنين، وشرحه على الموطأ مشهور حسن، رَوَاهُ عنهُ الناس.. وكانَ رجلاً صالحاً، فاضلاً، حافظاً، نافداً في الفقه والحديث، توفى سنة 501ه (التعريف ببونة إفريقية بلد أبي مروان الشريف: أحمد بن قاسم البوني، ص: 49 - 50. وانظر أيضاً كشف الظنون: حاجي خليفة، مج6، ص: 427. ومعجم البلدان: الحموي، مج1، ص: 512. ([5])-لمحات من تاريخ بونة الثقافي والسياسي.. محاضرات المتلقي العاشر للفكر الإسلامي المنعقد بعنابة ما بين: 10 19 يوليو 1976م: الأستاذ المهدي البوعبدلي، المجلد الأول، ص: 54. ([7]) -انظر: تعريف الخلف برجال السلف: الحفناوي، ج2، ص: 376 وما بعدها. والأعلام: الزركلي، مج1، ص: 199. ومعجم أعلام الجزائر: عادل نويهض: ص: 49. والتحفة المرضية في الدولة البكداشية في بلاد الجزائر المحمية: محمد بن ميمون الجزائري، ص: 77. ([8]) -انظر معجم أعلام الجزائر: عادل نويهض، ص: 50، والتعريف ببونة: أحمد البوني، ص: 25. والديوان لم يطبع حتى الآن. |