مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 96 - السنة الرابعة والعشرون - كانون الأول 2004 - شوال 1425
Updated: Wednesday, April 06, 2005 10:57 AM
فهرس العدد
 

ابن الأزرق بين بدائع السلك وروضة الإعلام دراسة وتحليل نقدي ـــ د.بركات محمد مراد(1)

بسم الله الرحمن الرحيم‏

المقدمة:‏

أقوم في هذا البحث بالعرض والتحليل النقدي لكتابي "روضة الإعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام" و"بدائع السلك في طبائع الملك" وكلاهم لابن الأزرق (831 ه‍ ـ 896ه‍)، ذلك العالم القاضي الأصولي واللغوي والفقيه، الذي كتب مؤلفيه هذين في أحرج فترة من تاريخ المسلمين في الأندلس، وهي فترة الانهيار العظيم للحضارة العربية والإسلامية، وخروج المسلمين من بلاد الأندلس.‏

وتأتي أهمية هذين الكتابين أيضاً من كونهما تأليفاً وتوليفاً للكثير من النصوص التراثية في مختلف العلوم العربية والإسلامية التي انتظمها المؤلف من خلال دراسةٍ وتحليلٍ ووصفٍ للعلاقة بين اللغة العربية وبقية العلوم الإسلامية، أو علوم الوسائل وعلو المقاصد. فضلاً عن إسهامه في تأسيس علم الاجتماع السياسي وتطوير مدرسة ابن خلدون الاجتماعية.‏

ومن هنا سأقوم بتوضيح أهمية هذين الكتابين، وتحليل محتوياتهما وأساليبهما، وطرائق المؤلف في الجمع والتبويب، فضلا عن تناول المنهج الذي استخدمه المصنف في تشكيل هذه النوعية من المؤلفات الموسوعية.‏

ولتعميق الفهم للكتابين ومؤلفهما، لا بد من استعراض الحالة السياسية والثقافية لعصر ابن الأزرق، ومعرفة نشأته العلمية والعلوم التي تلقاها، فضلاً عن المؤلفات الأخرى التي خلفها، مما يشكل رؤية علمية متكاملة لصاحبنا تبدو في مختلف مؤلفاته القليلة والنادرة.‏

وبعد أن نقوم بعرض منهج ابن الأزرق في كتابه "روضة الإعلام" الذي كتب بشكل موسوعي، نطبق هذا المنهج التحليلي على بعض موضوعات الكتاب من خلال الأبواب والفصول الرئيسية له، ثم نختم البحث بخلاصة ونتائج علمية انتهينا إليها، وبعض التوصيات لأبحاث يمكن القيام بها من بعد على هذا الكتاب الموسوعي.‏

مكانة ابن الأزرق العلمية‏

على الرغم من تولي ابن الأزرق لوظيفة القضاء طوال حياته، حيث تولى أولا قضاء (غربي مالقة) أيام سعيد بن علي بن يوسف بن نصر صاحب الأندلس الذي كان يلقب بأمير المسلمين، والمستعين بالله(2) وقضاء وادي آش، ثم قضاء غرناطة، وأخيراً قضاء القدس الشريف قبل وفاته أيام أبي النصر قايتباي سلطان مصر. وعلى الرغم من قيامه بالتدريس إلى جانب وظيفة القضاء، تطوعا كغيره من علماء عصره إذ تصدر للإقراء بالجامع الأعظم بغرناطة(3) حيث شهد تلاميذه بتصدره للتدريس، وتميزه بمكانة علمية كبيرة، حظي بها، مما حمل تلاميذه على الإشادة به، والرواية عنه.‏

وعلى الرغم من قيامه بالإفتاء، إذ كان ابن الأزرق أحد المفتين بغرناطة، وذاعت فتاويه، وتناقلها الفقهاء في تصانيفهم، ولقد احتفظ كتاب "المعيار المعرب" للونشر يسي، المالكي، بكثير من فتاويه التي تبين طريقته في الإجابة، وأسلوبه في الرد، وقد بدا من خلالها، رجلاً شديد الشكيمة، قوي الحجة، يشير إليه المقري في "نفح الطيب" كثيراً، مما يدل على أن ابن الأزرق جمع بين وظائف عدة، وفيها ما يشهد بطول باعه، ومقدرته، ومشاركته في ميادين علمية وثقافية مختلفة، حتى آخر أيامه بالأندلس.‏

وعلى الرغم من كل ذلك، كان تميّز ابن الأزرق يتجلى واضحاً في مؤلفاته القليلة والنادرة، والتي تكشف عن عمق رؤيته العلمية والحضارية، حيث أكد في مؤلِّفه "بدائع السلك في طبائع الملك" استمرارية المدرسة الأشعرية في علم الاجتماع السياسي، وفي تطبيق المنهج الاستقرائي التجريبي على الظواهر الاجتماعية والسياسية والأخلاقية.‏

وكتاب ابن الأزرق "بدائع السلك في طبائع الملك" لا يقل في تكامله، ولا في منهجيته عن مقدمة ابن خلدون، التي يؤسس فيها ابن خلدون لعلم الاجتماع قبل علماء الغرب بكثير من القرون ـ وبالرغم من أن ابن الأزرق قد استند إلى المقدمة، وهي لازمة منهجية لمفكر توفي بعد ثمانين سنة من وفاة ابن خلدون، وإنه خطا بالنظريات الاجتماعية السياسية لدى المسلمين، خطوات أوسع، ووصل بهذه النظريات، إلى مرحلة نضج، ومزج بين نظريات ابن خلدون ونظريّات أخرى سياسية إسلامية، تستند إلى اتجاه ابن خلدون السياسي البحت، وهو علم الأخلاق السياسي، الذي لم يحظَ عند ابن خلدون بمكانة واسعة، ورأى ابن الأزرق أن يضع له مكاناً في علم الاجتماع السياسي، فحاول ـ كما يذكر الدكتور علي سامي النشار في مقدمة تحقيقه لكتاب "بدائع السلك" ـ أن يوفق بين نظريات ابن خلدون، ونظريات ابن رضوان والطرطوشي.‏

هذا إلى أن ابن الأزرق، وقد تميز بالأمانة العلمية الفائقة، يكشف لنا عن مصادر مقدمة ابن خلدون، فبينما كان هذا الأخير "كتوما" إلى أكبر حد، يستخدم نظريات غيره، دون أن يذكر مصادرها، نرى ابن الأزرق ـ وهو أولا وقبل كل شيء فقيه أخلاقي، وراوية حديث مثبت، وقاض من قضاة المسلمين ـ يذكر مصادره بأمانة وصدق، ولا يكتم مآخذه ولا منابعه، ويعبر عن آرئه هو بالصيغة المشهورة (قلت).‏

الأندلس: الأحوال السياسية والثقافية:‏

لقد كتب ابن الأزرق مؤلفيه في وقت انهيار الحضارة العربية والإسلامية في بلاد الأندلس بعد أن تكونت للمسلمين فيها دولة عظيمة لقرون طويلة ازدهرت فيها الحضارة وانتعشت فيها المدنية، وراجت بها أسواق العلوم والفنون والآداب.‏

ولقد كانت التجربة الأندلسية الحضارية جزءاً من الدور الكبير الذي لعبه المسلمون في بناء صرح الحضارة البشرية. لقد كانت الأندلس بوتقة وبوابة: هي بوتقة بما انصهر فيها من عناصر إيجابية للحضارة العربية الإسلامية، فكان أن برز بين ظهرانيها شعراء أبدعوا فأمتعوا، وعلماء اخترعوا فطوروا، وفلاسفة نظروا فبهروا، وفقهاء اجتهدوا فنجحوا، من أمثال ابن زيدون، وابن حزم، والزهراوي، وابن البيطار، وابن باجة وابن طفيل وابن رشد. وهي بوابة أصبحت معبراً لعلوم العرب والمسلمين إلى قارة أوروبا، بعد ترجمتها إلى لغات العلم آنذاك.‏

وأهم ما أخذته أوروبا عن طريق الأندلس منهجية البحث العلمي، لقد سلك العلماء المسلمون بعد جهد وعناء، منهجاً علمياً قوامه العقل: نظراً وفكراً، وآلته التجربة: مادةً واستقراءً. ولا يمكن لهذه التجربة أن تمضي بسقوط الأندلس سياسياً ـ كما يقول أحد الباحثين(4) ـ لأنها تجربة ثرية مقامة على مجموعة من العناصر، كالعقلانية والتسامح. ولها جذور متأصلة في تراثٍ كان وما زال. وهي جذور لا تزول بزوال الجذع المرئي فوق الأرض (أي الأندلس ككيان سياسي) وإنما تنساب تحت الأرض إنسياباً لتبرز في أماكن أخرى، وتستمر في عطائها لكامل المجموعة البشرية. إن تجربة الأندلس لم تمح فما زال الإسبان يعيشونها آثاراً وعمارة، زراعة ورياً، وما زالت تعيشها أوروبا علماً ومنهجاً، وما زال يعيشها العرب ـ وخصوصاً الأقطار المغاربية ـ سلوكاً وفناً. نعم زالت الأندلس سياسياً كدولة، ولكنها تسربت كحضارة في مشارق الأرض ومغاربها لدى المسلمين وغيرهم.‏

ولا ننسى أن أهل الأندلس بعد فتح المسلمين لها استوعبوا العلوم التي انتقلت إليهم من المشرق، ثم شرعوا في إضافة الكثير من جهدهم الخاص لتطوير تلك العلوم، وأظهروا اتجاهاً يكاد يكون منفصلاً عن التيارات الثقافية المشرقية في أوجه كثيرة، وخاصة في الفترات اللاحقة من نضج الثقافة الأندلسية. ولا ننسى أنه في عصر ازدهار العلوم ظهرت المؤلفات المختلفة في الطب والفلك والتاريخ المحلي والعربي، وظهر كثير من أساطين العلم وعمالقة الأدب، مثل عبد الملك بن حبيب (المتوفى عام 852م) صاحب التاريخ الكبير. كما اشتهر مسلم الليثي بدراسة الفلك (علم الهيئة) على الأسس التي وضعها علماء اليونان القدامى، ومن الأطباء أحمد بن إياس الذي وضع عقاقير شافية وصل عددها إلى مائة عقّار نباتي، ومؤلفات كثيرة يشرح فيها عمليات جراحية معقدة، وكان عباس بن فرناس (المتوفى عام 887م) من أشهر عباقرة الأندلس، وإليه يعزى صنع الميقاتة، وكذلك صناعة الزجاج من السيلكا عماد صناعة العدسات اليوم، ويقال إنه مثل في منزله شكل السماء حتى يخيل للناظر أنه يرى النجوم والبروق والرعود، ولا ننسى محاولته العبقرية للطيران، وهي قصة ذائعة مشهورة، فضلاً عن أبحاثه في علم الكيمياء(5).‏

ولا يمكننا أن نحصي علماء الأندلس وأدباءه وفلاسفته، الذين يأتي على رأسهم ابن باجة عالم الرياضيات والفلك والفلسفة، وابن بسام الشنتريني صاحب "الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة" وعلى بن عبد الرحمن الخزرجي، وابن جبير صاحب "رحلة ابن جبير" وابن عذاري صاحب "البيان المغرب" وابن طفيل الفيلسوف صاحب "حي بن يقظان" وأبو الوليد بن رشد صاحب الفلسفة العقلية والنقلية الأوحد، والمتصوف محيي الدين بن عربي صاحب "الفتوحات المكية".‏

هذا فضلاً عن علماء أجلّاء من أمثال ابن البيطار وابن الرومية وابن الجياب وابن خاتمة وابن الخطيب وابن حزم. وفي بلاد الأندلس ازدهرت مظاهر الحضارة والمدنية حتى وصلت إلى ذرى التقدم، فازدهرت المباني والصناعات والزراعة، وتقدَّمَ بعض أفخر أنواع الورق والفخار المذهب، والأصباغ والجلود المدبوغة، والحرير المقصب والحلي والأسلحة والزجاج الملون وغير ذلك. أما العلماء والأدباء الذين هاجروا إلى المغرب أو مصر أو الشام بعد سقوط ديارهم بيدي الشماليين، فكان لهم فضل كبير على تطور الثقافة والعلوم في أوطانهم الجديدة.‏

أ ـ الناحية السياسية: لقد كان عصر ابن الأزرق (831 ـ 896ه‍) وهو معظم القرن التاسع الهجري عصر غرناطة الأخير، عصر الفتن والاضطرابات التي أدت إلى سقوطها، وإن نظرة سريعة على التاريخ الأندلسي يتبين بوضوح أن أهل الأندلس كانوا في صراع دائم مع العدو، عاش الناس فيه على مدى ثمانية قرون وهم يوطنون أنفسهم على أنهم أهل حرب، وكانوا يتطلعون دائما لأن يكون أميرهم قائد معركة وبطل انتصار. ومن ثم عدت الأندلس "ثغراً من ثغور المسلمين لمجاورتهم الروم، واتصال بلادهم ببلادهم"(6).‏

ولم يكن سقوط الأندلس نتيجة لحظة طارئة، بل إنه منذ وقعة العقاب (609ه‍/1212م) والمسلمون يعيشون هزائم متتالية "فقد جاءهم خوف الروم، فكانوا لا يستطيعون قتالهم، فملك الروم أخذ أكثر بلادهم، وقواعدهم، وحصونهم، ومعاقلهم" ولقد كان سقوط الأندلس راجعا بالدرجة الأولى إلى نظام حكم فردي مطلق مارسه حكام الأندلس دون اعتبار لتعاليم الإسلام السمحة المنظمة لعلاقة الحاكم بالمحكوم، وأدى هذا التصرف في مرحلة أولى إلى سقوط الخلافة الأموية بقرطبة وقيام دويلات الطوائف في القرن الخامس الهجري /الحادي عشر الميلادي، وأدى في مرحة ثانية إلى سقوط جل المدن الكبرى في القرن السابع الهجري / الثالث عشر الميلادي، وفي مرحلة ثالثة إلى سقوط غرناطة في أواخر القرن التاسع الهجري / الخامس عشر الميلادي.‏

ومن هنا يتبين لنا أن عصر ابن الأزرق، كان عصر سقوط دولة المسلمين في الأندلس، حيث يحدثنا المقري في "نفح الطيب" وغيره من المؤرخين أن الظاهرة العامة للحياة السياسية بالأندلس كانت ظاهرة استرجاع الأسبان لأراضي الأندلس الإسلامية، ونزع ما تبقى منها، بعد أن استولوا على كثير من المدن والحواضر في شمال بلاد الأندلس وشرقها وغربها، مما كان يلقي عبئاً على مملكة غرناطة وحكام دولة بني الأحمر الذي عاش فيهم ابن الأزرق، وذلك بالنهوض بعبء الجهاد ضد النصارى ومناوأتهم المستمرة لإسقاط آخر معقل من معاقل الإسلام بالأندلس. إلى جانب هذا كانت عوامل التنافس، والصراع على السلطة، والعرش بين أبناء الأسرة النصرية في "غرناطة"، مما زاد في دعم الشقاق، وتعقيد الحياة السياسية وعمل النصارى على تشديد الحصار على غرناطة وقطع علاقتها مع البر والبحر حتى دب اليأس إلى قلوب أهلها، وانتهى الأمر بتوقيع "صك التسليم".‏

ب ـ الناحية العلمية والأدبية: على الرغم من السقوط العظيم والانهيار التام لدولة الأندلس العربية على المستوى السياسي والعسكري، إلا أن بعض الدارسين قد أكد أن مستوى الثقافة قد ظل رفيعاً في مملكة غرناطة حتى القرن التاسع الهجري "حيث استطاعت هذه الآداب البقاء برغم قلة ما كانت تستطيع دويلة غرناطة أن تهيئه لها ولأصحابها من ظروف ملائمة للانتعاش بسبب ما كانت فيه من كفاح دائم مع النصارى"(7).‏

إلا أنّ منطق الأحداث، ومنطق التاريخ، يشهدان بأن الإنتاج الفكري وإن لم يتوقف برغم هذه الحروب المتوالية فإن اضمحلال الحركة الفكرية حاصل لا محالة لضعف الحكم، وقيام الفتن، والحروب الأهلية، وبالتالي انيهار الحكم العربي الإسلامي بالأندلس، ولولا نزوح بعض الأعلام، وهجراتهم المتتابعة قبيل سقوط غرناطة، وبعدها، لما حفظ التاريخ لهم ذكراً(8).‏

ولا ينبغي هنا أن ننسى بعض المفكرين والأدباء الذين يستحقون الذكر والتنويه، ممّن عبروا البحر إلى المغرب أو المشرق أثناء السقوط، ونشروا علمهم، وكانت لهم المكانة والوجاهة مثل أبي الحسن القلصاوي نزيل غرناطة، الذي عبر البحر إلى تلمسان "وآخر من له التواليف الكثيرة من أئمة الأندلس"(9). وقد توفي بباجة إفريقية عام 891ه‍، والقلصاوي يشير إلى التأثير السلبي للجوء السياسي على المستوى العلمي حين يترجم لشيخه في رحلته.‏

ومنهم الفقيه الأديب أبو عبد الله بن الحداد الشهير بالوادي آشي نزيل تلمسان. والوزير والكاتب والشاعر أبو عبد الله محمد بن الفقيه الصالح المعروف بالعربي، وقد وصف بأنه "خاتم الأدباء بالأندلس، وقد عبر البحر إلى المغرب ـ بعد سقوط غرناطة ـ مع أبي عبد الله ابن الأحمر المخلوع، آخر ملوك الأندلس. هذا فضلاً عن الحافظ أبي جعفر أحمد بن داود البلوي الأندلسي، وأبي الحسن علي البياضي الذي دلت الكتب التي نسخها بيده، على أنه كان من أهل بلش، وأنه تولى خطابة الجامع الأعظم بمكناس. وتوفي بها عام 912ه‍. إلى غير ذلك من الأعلام الذين برزوا خلال هذه الفترة الحاسمة، وهو إن دلّ على شيء، فإنما يدل على ذلك النشاط العلمي الذي لم تخبُ جذوته نهائياً، عندما كانت غرناطة تلفظ أنفاسها الأخيرة وأن من العلماء من واصل تزويد المكتبة العربية بما جادت به قريحته، كما أن حركة الإفتاء، والعناية بالنوازل لم تتوقف، وقد احتفظ كتاب "المعيار" للونشريسي بمجموعة هامة من فتاوي فقهاء الأندلس في هذه الفترة، وعلى رأسهم صاحبنا ابن الأزرق. كما ظلت مجالس التدريس موئلاً للطلبة الوافدين لأخذ العلم والسماع عن الشيوخ مثل "أبي الحسن علي بن قاسم التجيبي الزقاق، وأحمد بن محمد الدقوني الذي تولى خطابة جامع القرويين بفاس، (توفي 920ه‍).‏

وفي كل ذلك ما يدل على أن معاهد العلم بغرناطة قد ظلت عامرة في عصر ابن الأزرق، تشع وتعطي، وأن مكتباتها الزاخرة، كانت محط الأنظار، يأتيها طلاب العلم، ويستفيدون من نفائس كتبها(10). وقد يكون فيما ألفه ابن الأزرق خير دليل على هذا النشاط العلمي بعد منتصف القرن التاسع الهجري، ففيه ما يشهد بالمستوى الرفيع الذي كانت عليه الحياة العلمية والأدبية في عصر غرناطة الأخيرة.‏

ابن الأزرق (نشأته وحياته):‏

هو أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن علي بن قاسم بن الأزرق الحميري الأصبحي الغرناطي الأصل، المالقيّ المولد، المالكي المذهب، يُعرف بابن الأزرق، لقبّه مجير الدين الحنبلي بـ "شمس الدين" ونعتّه "بقاضي القضاة"(11).‏

ولد بمالقة، ونشأ بها، وحفظ القرآن وغيره، حسبما جرت به عادة أهل الأندلس، ولم يقتصر في أخذ العلم على علماء مالقة، بل رحل إلى غرناطة واستفاد من علمائها كما استفاد ممن لقيهم بفاس وتلمسان وتونس(12). وقد سجل لنا "روضة الإعلام" بعض شيوخه مثل "إبراهيم بن نوح بن فتوح" "مفتي غرناطة، الذي أخذ عنه النحو والفقه والأصلين والمنطق، ومختصرات ابن رشد والكشّاف للزمخشري وكُتب الغزالي في التصوف، وكان لكل هذا أثره في بلورة شخصية ابن الأزرق الثقافية، والتي ظهرت بوضوح في مؤلفه "روضة الإعلام" ومن شيوخه الذين ذكرهم القاضي أبو إسحاق إبراهيم البدوي الأنصاري الأندلسي المالكي، والإمام أبو يحيى محمد بن عاصم القيسي الغرناطي الذي حلاه ابن الأزرق "بالشيخ الرئيس القاضي الجليل" ومحمد بن جبير اليحصبي أحد أعلام الأندلس المتأخرين، وأبو عبد الله محمد بن محمد السرقسطي مفتي غرناطة في الفقه.‏

مؤلفاته:‏

له في الشعر كثير من القصائد الطوال، قالها في مناسبات معينة، أثبتها بعض مترجميه، وخاصة المقري في كتابيه "نفح الطيب" و"أزهار الرياض" وباستقرائها نكتشف در نظمه، وبديع لفظه، ورقة أسلوبه، وطرافة مواضعه، ودقة معانيه، وتنوع أغراضه. أما مؤلفاته من النثر: فأشهرها ثلاثة مؤلفات:‏

1 ـ شفاء الغليل في شرح "مختصر خليل": وهو كتاب مفيد لم يؤلف على "مختصر خليل" مثله إقناعاً ونقلاً، وفهماً، وهو مؤلف في اللغة والنحو، وذكر المقري(13) أنه رأى منه نحو ثلاثة أسفار، ولا يدري هل أتمه أو لا... وتمامه يكون في نحو العشرين سفراً، وقد كتب المقري بتلمسان خطبته في كراسة، وقد أتى فيها بالعجب العجاب، وهي خير دليل على غزارة علمه، واتساعه في الفروع والأصول. كما ذكر صاحب "التحفة القادرية" في موضوع الكتب التي درسها المولى عبد الله الشريف دفين وزان في فاس، حاشية ابن الأزرق قاضي غرناطة على المختصر الخليلي.‏

2 ـ كتاب بدائع السلك في طبائع الملك: يقول عنه "المقري في "نفح الطيب": "كتاب مفيد في موضوعه، لخص فيه كلام ابن خلدون في مقدمته التاريخية، مع زوائد كثيرة عليه"(14) كما يذكره أيضاً في كتابه: أزهار الرياض"(15) وكذلك يذكره أحمد ابن بابا التنبكتي ويصفه بأنه "كتاب حسن مفيد في موضعه، لخص فيه كلام ابن خلدون في مقدمة تاريخه وغيره، مع زوائد كثيرة ما يُستغنى عنها بوجه"(16). وما ذكروه صحيح، فابن الأزرق لخص في بعض فصول كتابه مقدمة ابن خلدون، وعرض لنظريات ابن خلدون المتعددة، ونظّم بعض هذه النظريات تنظيماً منهجياً، وأخذ من المقدمة نصوصاً متعددة، وشرحه. ولكنه تجاوز ابن خلدون تجاوزاً كبيراً. وهذا ما دعا المؤرخين القدامى إلى القول إنه أضاف "زوائد كثيرة" و"زاد عليه زيادة كثيرة نافعة"(17).‏

كانت خطة ابن الأزرق أن يورد النص الخلدوني، إما كما هو، وإما أن يلخصه، وإما أن يفسره ثم يعلق عليه بأقوال آخرين، مؤيدين وداحضين، وبآرائه هو مؤيداً أو داحضاً والحقّ أننا كما يذهب إلى ذلك د. علي سامي النشار(18). نجد علم الاجتماع السياسي لم يتوقف عند ابن خلدون، بل نجده ينضج ويخصب ويزداد غنى عند ابن الأزرق، ما هو واضح في كتابه "بدائع السلك".‏

بل إننا نجد ابن الأزرق في عرضه لنظريات ابن خلدون ـ وقد كان قريباً من عهده وعصره ـ يقدم نظرياته وأفكاره ومصطلحاته تقديماً نقدياً ويزيل كثيراً من الغموض والالتباس عن مفاهيم ابن خلدون ومصطلحاته بأسلوب واضح رصين.‏

ويقدم لنا الدكتور النشار بعض الملاحظات الهامة عن هذا الكتاب الذي يجمع بين علم الاجتماع والسياسة، ويرى أن من مآثر ابن الأزرق أنه يكشف بوضوح عن مصادر ابن خلدون ومصادره هو، وهي ميزة أختص بها ابن الأزرق، حيث يُرجع الحق لأصحابه، وهو القاضي المتثبت، فكان يورد النصوص المتعددة والآراء الكثيرة لمفكرين سبقوا ابن خلدون وكتبوا في نفس نق ابن خلدون السياسي والاجتماعي، فوضح لنا مصادر ابن خلدون في نظريته عن الدولة أو العصبية والشوكة والعوارض الذاتية وغيرها من أفكاره لدى المسعودي وابن حزم والغزالي والآمدي والماوردي وغيرهم من مفكرين متعددين، مما يؤكد أنه كانت للرجل عقلية تحليلية وتركيبية استطاعت أن تربط النصوص المتشابهة والمختلفة وأن تضعها في نظام علمي متناسق(19).‏

والحقيقة أننا نجد هذه الخصيصة أيضاً واضحة في كتاب ابن الأزرق "روضة الإعلام" حيث تميز بكثرة إطلاعه وغزارة المادة التي يجمعها ويحللها وينسبها إلى أصحابها ذاكراً تلك المؤلفات التي ربما طواها النسيان، ومن هنا فأمانة ابن الأزرق العلمية واضحة في منهجه في التناول وفي معالجته لشتى موضوعات الفكر والثقافة، وكثيراً ما افتقدنا هذا النهج من أخلاقيات البحث العلمي عند كثير من الكتاب والمفكرين والأدباء، بل إننا نجد صعوبة بالغة من معرفة أصول أفكار ونظريات بالغة الأهمية عند مفكر كبير مثل ابن خلدون، لا يكشف عنها، إلا حينما نقرأ مؤلفات ابن الأزرق.‏

وهناك ملاحظة أخرى نجدها واضحة عند ابن الأزرق فهو حين يتأثر بمنهج ابن خلدون العلمي، فإنه يدفع به إلى نتائجه المنطقية. بل إننا نجد ابن الأزرق يطبق في كتابه "بدائع السلك" المنهج الاستقرائي في عرضه للموضوع، فعل ابن خلدون هذا من قبل، وابن خلدون ـ كما نعلم أشعري تجريبي حسي ـ وكذلك ابن الأزرق ولكن المنهج ـ وكما يذكر الدكتور النشارـ يتضح أكثر فأكثر عند ابن الأزرق، فنرى هذا بوضوح في استخدامه لقياس الغائب على الشاهد، ولمسالك العلة ولقوادحها، وللاطراد وللعادة ولتحليل الجزئيات المستقرأة، ثم جمعها في أصول عامة.‏

وقد يقال: إن التفريعات والجزئيات تكثر لديه أكثر من ابن خلدون. فنقول: هذا هو المنهج الاستقرائي، وقد كان أكثر وعياً به من ابن خلدون. ومن يقرأ كتاب ابن الأزرق "بدائع السلك" فسيرى أنه كشف لنا عن ميراث كبير في علم السياسة، ووجه نظرنا إلى مجموعة من الكتاب السياسيين، سبقوا ابن خلدون، وكشفت عنهم الأيام حين حققت مخطوطاتهم في العصر الحديث، ومن أهم هذه الكتب كتاب "الشهب اللامعة في السياسة النافعة" للوزير أبي القاسم بن رضوان، وقد أشار الدكتور النشار إلى أنه قد قام بتحقيقه ونشره، وأهمية كتاب الشهب اللامعة تعود إلى أنه كان مصدراً أساسياً لابن الأزرق، علاوة على أن ابن رضوان كان معاصراً لابن خلدون، بل صديقاً وزميلاً، ولم يذكر ابن خلدون هذا الكتاب.‏

ونحن نتفق مع الدكتور النشار في كل ما سبق إليه من أن كل مفكر إن هو إلا حلقة في سلسلة الفكر الذي سبقه، وهذه خاصية إنسانية أساسية، حيث أن العلم ينمو عن طريق التراكم المطرد، والانتخاب الذكي الذي يقوم به كل مفكر، ولا يمنع هذا على الإطلاق من أن يضيف المفكر على آراء سابقيه جدة منهجه وطرافته، وأصالة فكره، ونبوغه الذاتي، ولا يمنع هذا على الإطلاق من أن يصوغ ما وصل إليه من مواد فكرية، بمؤشرات وعوامل تنقدح في بنية مجتمعه المعاصر، وأن يفسر بكل هذا، المجتمع الذي يعيش فيه، والذي ينعكس عن آرائه.‏

ويجب أن نلاحظ ـ وهذا واضح لمن يستقرئ كتابه هذا ويحلله ـ أن ابن الأزرق على الرغم من أنه نهج نهجاً حسياً واقعياً ـ وقد كانت هذه سمة الأبحاث الاجتماعية السياسية في المدرسة السياسية الإسلامية ـ إلا أنه كان يضفي على هذه الواقعية الحسية اتجاهاً أخلاقياً قريباً من المثالية الإسلامية، لا على الإطلاق، وهو علم الأخلاق السياسي.‏

ومن هنا لا يكون غريباً أن يلحظ محقق الكتاب أن ابن الأزرق هنا يختلف عن ابن خلدون اختلافاً جوهرياً: فقد كانت غاية ابن خلدون أن يفسر التاريخ وأن يرى في حوادثه فلسفة، أو مذهباً يجمع بين الحوادث، في شجرة العلل والعلل تطرد في مسارها المنتظم، سنة الله في خلقه، ولا يخرق العادة سوى تدخل القدرة الخالقة، وبدون هذا التدخل، يعيش المجتمع في جبرية مطلقة. فالمكان هو المكان، والزمان هو الزمان، والأشياء متكررة معادة، وحوادث المكان والزمان تتشابه وتتلاحق في الشرق وفي الغرب، ولكن قدر الله "باد" وقد حدث، حين قاد هذا التدخل، الأمة العربية الفقيرة من الجزيرة القاحلة، إلى حيث ساد العرب الزمان والمكان، ثم حكمت فيهم السنن الاجتماعية، فأخذوا ينحسرون شيئاً فشيئاً، ويتقلصون رويداً رويداً، حتى عادوا إلى "القفر" ثانية. وأصبحوا ملكاً لكل مكان ولكل زمان ولم تكن هذه غاية ابن الأزرق قطّ.‏

إنه بدأ كما بدأ ابن خلدون، من المنطلق نفسه، يفسر الظواهر الاجتماعية، ويحاول تحليل العوارض الذاتية ويطبق المنهج الاستقرائي الأصولي نفسه، الذي طبقه ابن خلدون ولكنه لم يتوقف عند التفسير المادي للظواهر كما هو، إن التاريخ لا يتوقف، والدورة الحضارية لا تنتهي، بل يعود الزمان، ويمتلئ المكان، إذا ما صلح الراعي والرعية، إذا لم يحدث الصراع بين الحاكم والمحكوم، ولهذا لم يوافق ابن الأزرق على نظرية ابن خلدون في أطوار الدولة، إن الدولة تعيش أبداً إذا تحققت العدالة، بين الحاكم والمحكوم، وإذا لم يحدث نزاع بين الحاكم والمحكوم، ولهذا يتكلم على الظلم والاحتجاب، ويتكلم على فساد الجباية والاحتكار، وعلى مسؤولية الحاكم تجاه رعيته وتجاه جنده.‏

إن ابن الأزرق يلجأ إلى الأئمة العظماء الذين وقفوا في وجه الحاكم، إلى "الطرطوشي" في سراج الملوك، وهو يعظ حكام مصر ويتهددهم بالانتقام الإلهي، وإلى سلطان العلماء "عز الدين بن عبد السلام" في قواعده. ونحن نعلم كيف قاوم عز الدين بن عبد السلام سلاطين مصر، وكاد أن يشعل الثورة عليه، فعل هذا حفاظاً على الشعب وحماية لحقوقه الاقتصادية وإلى "ابن الحاج" في مداخله، ونحن نعلم أن هذا الفقيه المغربي كان يعيش في مصر، يحارب ويجاهد احتكار السلاطين وكبار التجار والأغنياء، ويقنن حتى الأسعار في الأسواق، وإلى "ابن فرحون" في تبصرة الحاكم، وهو يتكلم على آداب القاضي وعدالته، وفساده، وقبوله للصلات والهدايا والرشاوى، وإلى كثير غيرهم.‏

لم يكن فساد المجتمع العربي والإسلامي راجعاً عند ابن الأزرق في كتابه هذا إلى نظرية في أطوار الدول، بل إلى نظرة ورؤية حسية، إلى ما انتاب هذا المجتمع من فساد مادي وانحلال اقتصادي وانعدام كُل ثقة بين الحاكم والمحكوم، بالإضافة إلى التمزق السياسي الذي ساد البلاد الإسلامية المتعددة. وقد رأى هذا التمزق السياسي في بلاد الأندلس في رقعة صغيرة من دار الإسلام، في مملكة غرناطة، ورآها وهي تهوي تحت أقدام طاغية الإسبان يتنازعها أطماع الأمراء، يختلفون ويقتتلون، والعدو على الأبواب، وحين وصل إلى "فاس" وجدها تحترق بين المرينيين والوطاسيين، والأمر نفسه وجده في تونس. ثم انتقل إلى مصر والمماليك حينئذ في نزاع مع الأتراك. ولم يعرف الرجل اليأس، كان يؤمن أن العودة ممكنة، وأن البعث آتٍ إذا ما تخلص الحاكم من أطماعه، وإذا ما تخلص المحكوم من أطماره. فكتب ابن الأزرق: أخلاقية الحاكم وأخلاقية المحكوم. وهذا هو ما يميزه عن ابن خلدون(20).‏

إذاً، قد كان ابن خلدون عبقرية عصره بلا منازع، ولكن لم يكن العبقرية الفريدة الوحيدة في سلسلة الفكر الإسلامي؛ إنه كان جوهرة غالية في هذه السلسلة. لكنه استفاد أعظم استفادة من تراث الأشاعرة، وانعكس فكرهم ومنهجهم على كل جزئية من جزئيات نظريته. وهذا أيضاً ما أكده الدكتور محمد عابد الجابري في كتابه "العصبية والدولة"(21). ومن المعلوم أنه تأثر بالمؤرخ البربري "فلوروس" الملخص لمعشرات طيطس، والذي عاش مؤخراً وكاتباً ذائع الصيت، وقد عُرف برأيه في تجديد حياة الدولة في أربعة عصور: عصر النشأة والعظمة والانحطاط والاندثار، التي اقتبسها عنه ابن خلدون فيما بعد.‏

كما أن ابن خلدون كان يحسن اللهجة البربرية، بالأخص الهنتانية المستعملة في بلاط الحفصيين، واستفاد مما كتبه البربر باللغة البونيقية وما كتبه نسابو البربر المطاطي والنفوسي، وابن كواد، وابن الوراق، والبرزالي، والنضرومي. ويضيف الأستاذ حسن السائح(22) إلى هذا التراث ما أخذه ابن خلدون عن كتاب الأنساب وابن قتيبة فيما كتبه عن أخبار إفريقية في تاريخه والمسعودي في مروج الذهب، وابن حزم في الجمهرة، والفيروزي مؤلف أنساب البربر، والجرجاني في تهذيب التاريخ، والبيهقي في كتاب الأسماء والصفات، علاوة على معرفته بالفلسفة اليونانية وبخاصة كتب أرسطاطاليس. ويضيف الدكتور النشار أنه أخذ أفكار العصبية والدولة نفسها من سابقيه وبالأخص المسعودي والغزالي. وصاغ كل هذا بمنهج تاريخي استقرائي هو منهج الأشاعرة من متكلمين وأصوليين ومحدثين. وفعل كل هذا ببراعة، وكتم في الغالب مصادره.‏

وانتقل التراث السياسي والاجتماعي إلى ابن الأزرق، ولم يكتم شيئاً ـ كما قلنا ـ وباح وأضاف إلى ابن خلدون، كما أضاف ابن خلدون إلى سابقيه، وكان لا بد للتراث الأزرقي أنه يعيش من بعده. ولم يكتم شيئاً ـ كما قلنا ـ وباح وأضاف إلى ابن خلدون، كما أضاف ابن خلدون إلى سابقيه، وكان لا بد للتراث الأزرقي أن يعيش من بعده. ولم تنقطع حلقات السلسلة قط‍ّ.‏

وقد كشف لنا العلامة المغربي الأستاذ محمد منوني في كتابه القيم " مظاهر يقظة المغرب الحديث"(23) ونتيجة استقراء علمي لمؤلفات التراث امتداد علم السياسة أو علم الاجتماع السياسي في العالم بعد ابن الأزرق، والذين تأثروا بابن الأزرق ومؤلفاته مثل الغالي محمد الحسني الإدريسي العمراني اللجائي نزيل فاس والمتوفى عام 1289ه‍/1871م في كتابه "مقمع الكفر بالسنان والحسام، في بيان إيجاب الاستعداد وحرب النظام"، وكذلك محمد بن محمد العلاف السفياني الأمغيطي العبدلاوي المتوفى عام 1312ه‍/1894م في كتابه "تاج الملك المبتكر ومداده من خراج وعسكر".‏

3 ـ أما الكتاب الثالث لابن الأزرق فهو كتابه الهام والذي نحن بصدد العرض والتحليل له وهو كتاب "روضة الإعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام". وقد حققته الباحثة المغربية سعيدة العلمي، ونشر بكلية الدعوة الإسلامية بطرابلس عام 1999م عن مخطوطة قديمة ناقصة، وأربع مخطوطات أخرى أحدث. وقد لاحظنا أن العنوان الخارجي للكتاب المحقّق كان "روضة الأعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام" ولكن وجدنا العنوان الداخلي" روضة الإعلام" بالكسر، على الرغم من أن المحققة ترجح القراءة الثانية على الأولى، وهو الأقرب إلى الصواب. وكان يمكنها أن تجنب القارئ تلك الحيرة التي يمكن أن يقع فيها.‏

أما عن تسمية الكتاب: فيقول عنه مؤلفه في معرض التقديم له من ديباجة الكتاب نفسه "سميته" روضة الإعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام". وهي التسمية نفسها التي أثبتتها سائر الكتب التي تعرضت لترجمة ابن الأزرق.‏

وأما نسبة الكتاب إلى صاحبه: فقد أشار ابن الأزرق نفسه إلى مؤلفه هذا في كتابه "بدائع السلك"(24) فقال: "وقد مر في "روضة الإعلام" من آداب هذه الصداقة ما فيه بلاغ وإطناب بيان" وذكره أيضاً في مواضع أخرى. كما ذكره "المقرى" في "نفح الطيب"(25) و"أزهار الرياض". ولا ننسى ما نقله ابن مريم عن "روضة الإعلام" في كثير من تراجم كتابه. وفي كل هذا ما يعزز نسبة الكتاب إلى صاحبه وإثبات صحة النص المكتوب إمّا بالإشادة بفضله أو بالنقل عنه. وقد أتى الكتاب في مجلدين كبيرين، حيث ضم 1191 صفحة من القطع الكبير، مما يجعله موسوعة في بابه. وقد حوى مقدمة وأربعة أبواب وخاتمة. ومما يلاحظ أن هذه الأبواب تقصر أحياناً من حيث يطول بعضها، وذلك حسب الموضوع الذي يعرضه، والمادة المتوفرة لديه، ومن ثم نجد الخاتمة من حيث عدد صفحاتها تفوق باقي الأبواب والفصول، في حين نجد "الباب الثالث" لا يتعدى بضع وريقات.‏

ولقد وفى الكيل نصيبه، كما يقال، فلم يترك شاذّة ولا فاذّة إلا دعم بها المسألة التي يريد تقريرها، وذلك وفاء منه للمنهج العام، وتتميماً للغاية المتوخاة. أما منهجه الخاص: فهو زيادة على تماسك موضوعه، وتداخله، وتشابكه، قد نحا منهجا محكما أعطاه خصوصيه انفرد بها. وتتضح هذه الخصوصية ـ وقد أشارت المحققة إلى ذلك ـ في ابتكاره، بالإضافة إلى العناوين الأصلية، عناوين فرعية، وهذه العناوين الفرعية هي الأخرى تنطوي على تفريعات يكون الهدف منها الاستدراك على "مسألة" أو "التنبيه على فضيلة" أو "مغلطة" أو "زيادة معنى". ومن كثرة العناوين الفرعية التي لا تعد ولا تحصى، داخل كل مسألة، وعند كل درس، نستنتج أن للمنطق، ولتشبع مؤلفه به، أثراً واضحاً في طريقة ترتيب أبوابه، وتنظيم فصوله، مما جعل من أبرز سمات منهجه، هذا الإحكام المتقن الذي لولاه لعبرت الفوضى الكتاب، ولكان من الصعب تحديد مروياته، ونقولاته، ومسائله. وفي الحقيقة لولا التحديدات المنطقية التي تميز بها الكتاب، والتبويب المحكم الذي قام به، لأصاب القارئ دُوار، ولما استطاع تحديد اتجاهه بسهولة أثناء القراءة، ولفقد بوصلة توجهه بين الموضوعات الأصلية وتلك الموضوعات الفرعية التي تتشعب عنها، ولا شك أنه كان لثقافة ابن الأزرق المنطقية دور كبير في تحقيق ذلك.‏

وقد اتبع ابن الأزرق منهجاً استقرائياً في عرض فقراته، ونصوصه التي تخدم موضوعه ناهجاً طريق الانتقال من الكليات إلى الجزئيات، ومن العام إلى الخاص، فهو يعرض الفكرة أولاً، ثم يقدم مختلف الآراء الواردة في المسألة، وقد يفرع عنها مسألة جانبية يخصها بالاهتمام ويعرض للأوجه الواردة فيها أيضاً، ليعقب بعد ذلك إن كان له رأي فيها، أو يصمت ليتابع حديثه إن لم يكن له ما يدلي به.‏

أما عن سبب تأليفه للكتاب فنلاحظ أن ابن الأزرق لا يذكر لذلك سبباً، ولكن باستقراء ظروف العصر المحيطة بهذا التأليف، ومن خلال استبطان النص، وسبر غوره، نجد أن ذلك يمكن أن يتمثل في أمرين قريبين.‏

الأول: يعود لاهتمام أهل الأندلس بالعربية عامة، وبالنحو خاصة، فقد خصوه بالعناية، وجندوا أقلامهم للتأليف فيه، وشرح مصنفاته، كما قاموا بدرسه، وتدريسه، وتخصص فريق منهم به دون غيره، ونالوا به شرف المنزلة بين علماء عصرهم، كما أن تعلمهم العربية كان يوفر لعدد منهم مورداً طيباً(26). ولقد كان هذا دافعاً لكثير من الدارسين المعاصرين إلى الاهتمام بعلماء النحو في الأندلس وآرائهم على اختلاف مشاربهم "وكانت النتيجة أن كُتب عن علماء العربية باعتبارهم نحويين، أكثر مما كُتب عنهم باعتبارهم أصحاب لغة"(27).‏

ونحن نرى ذلك شيئاً طبيعياً في أجواء الأندلس المضطربة، والتي أخذت تنحدر نحو النهاية، نهاية الحكم العربي بها، ونهاية العلوم الإسلامية، والتي أخذ أصحابها بالرحيل نحو المغرب والمشرق، وصاحبَها هجرة عدد كبير من نحاة الأندلس إلى المشرق العربي، في وقت كان التدهور العلمي العام، بدأ يظهر في العالم الإسلامي، والميل نحو التأليف الموسوعي ينمو ويشيع، وهو قائم في أساسه على جمع ما أنتجه السابقون، ومن هنا نشطت المنظومات التعليمية في اللغة والنحو، وغدا التعليم وحفظ اللغة همّهم الأساسي. ويبدو أن ابن الأزرق وأمثاله من العلماء كانوا يلبون حاجة ثقافية ملحة، وخوفاً يعتمل في الأعماق من انهيار حضاري وثقافي وشيك، يكاد يحدق بالأمة ويذهب بكل شيء. وهذا ما يفسر الإصرار الشديد من ابن الأزرق، في التوضيح البالغ لأهمية اللغة العربية وعلومها، والتشديد على مدى الخسارة الفادحة، التي يفقدها العلماء عند التفريط في هذه العلوم أو التهاون بشأنها، ونحن نعلم أن اللغة العربية، كانت هي الوعاء الثقافي الذي حفظ للمسلمين في الأندلس دينهم، وثقافتهم، وتراثهم العلمي والأدبي.‏

وثاني الأسباب يعود في نظرنا لوازع يكمن في غيرة ابن الأزرق على العربية، ورفع راية الدفاع عنها، وعن أسسها ومقوماتها، والدعوة إلى المحافظة عليها، خوفاً من اندثارها، وخاصة أنها وسيلة لفهم الكتاب والسنة، وفهم الشريعة الإسلامية، والتي تمثل جوهر الثقافة العربية الإسلامية. ومن هنا تقول محققة الكتاب إن ابن الأزرق "كان موقفه متشدداً إزاء هذه القضية التي التزم الدفاع عنها، موقف فقيه مالكي يعلم يقيناً أن كل شيء يتأهب للرحيل عن الأندلس من قيم وعادات وتعاليم إسلامية، فلقد كان خطر الصليبية يلوح ويكبر، وضربات النصارى تتوالى من أجل تضييق الخناق على من تبقى في هذه المدن الأندلسية، مما أدى إلى هجرة عدد كبير من علماء الأندلس إلى المشرق، ولهذا كان دفاعه عن العربية دفاعاً عن الكتاب والسنة، دفاعاً عن عقيدة ومذهب، ووجودٍ وكيان، فألف لكل هذا روضته"(28).‏

موضوع الكتاب ومحتواه:‏

أما عن الموضوع الأساسي للكتاب، فهو التعريف بمكانة العربية، من سائر العلوم الإسلامية، فقد جعل المؤلف العربية نقطة المركز ومحيط الدائرة، ما تبقى من العلوم الإسلامية. وقد حدد هذه العلوم في الباب الرابع من الكتاب فقال: "تعرض غير واحد من العلماء ـ رحمهم الله ـ إلى حصر العلوم الإسلامية... ولهم في ذلك طرق منها قول بعضهم: إنها خمسة عشر علماً لا بد منها على الكمال في علم التفسير.."(29).‏

وقد جعل ابن الأزرق أول هذه العلوم: علم العربية، وثانيها،: علم الاشتقاق، وثالثها: علم التصريف، ورابعها: علم النحو، وخامسها: علم المعاني، وسادسها: علم البيان، وسابعها: علم البديع، وثامنها: علم القراءات، وتاسعها: علم أسباب النزول، وعاشرها: علم الأخبار والآثار، وحادي عشرها: علم السنن، وثاني عشرها: علم أصول الفقه، وثالث عشرها: علم الفقه، ورابع عشرها: علم الكلام، وخامس عشرها: علم الموهبة"(30).‏

وانطلاقاً من هذا التصور حَبك ابن الأزرق موضوعه، فجاء روضة مشتملة على أنواع شتى من العلوم، ولكل علم آلته الموصلة إلى فهمه، وآلة العربية: علم النحو، ولذلك اهتم بتقريب مدلولـه، وبيان فضل علمه، بل اعتبر تعلمه وتعليمه واجبين؛ لأن العربية هي المرقاة لفهم الكتاب والسنة، فبها يقوّم زيغ الكلام أحسن تقويم، ويعصم صاحبها من آفة الفهم السقيم، ومن ثم فهي تستحق رتبة البداية والتقديم "على حد تعبير ابن الأزرق".‏

ولم يكتف ابن الأزرق بذلك، بل عرض لوجهة نظر الشرع فيه، وحكم استنباطه، متبعاً آثار السلف في ظهور الحاجة إلى تعلمه، وقدم لذلك من الأدلة النقلية والعقلية ما لا يحصى، ويبقى لابن الأزرق فضل تفصيل موضوعه، وتقريب مضمونه، بما قدمه في ديباجة الكتاب. ومن هنا نجد الباحثة المحققة تشير على القارئ أن يحصن نفسه بهذه الديباجة التي صدرها ابن الأزرق لمؤلفه، وإلاّ حاد عن فهم ما وضع له الكتاب أساساً لكثرة اشتباه أجزائه، ولما اشتمل عليه من عناوين عامة، وأخرى فرعية، ولما فيه من حكايات وروايات، ومسائل متنوعة وأحكام مختلفة.‏

محتوى الكتاب ومنهجه:‏

ويضم الكتاب مقدمة وخاتمة، بينهما أربعة أبواب، وتدور المقدمة حول علم النحو ومدلوله لغة واصطلاحاً. ويأتي الباب الأول ليتحدث عن فضل اللغة العربية والحض على تعلمها، وحدد هذه الفضائل بثلاث، وذلك في خاتمة هذا الباب تحت عنوان: في فضائل العلم العقلية وفي فضائل العلم النقلية، وفي فضائل العلم المركبة من العقل والنقل.‏

أما الباب الثاني: فقد انصب على علم النحو وضرورة الحاجة إليه في الملة الإسلامية. والباب الثالث: تركز حول النحو أيضاً من زاوية حكم استنباطه والاشتغال به في نظر الشرع. والباب الرابع: جاء تحت عنوان "في نسبة النحو من العلوم ومرتبته في التعلم" وقد قسمه إلى ستة فصول أو مناهج على حد تعبيره، تدور كلها حول اللغة العربية ونسبتها إلى سائر العلوم ومرتبتها في التعليم، وحمل قواعد العلوم على العربية، وما يعتدّ به منها وما لا يعتد به، وحماية اللغة العربية من أن تهان باستعمالها مع غير أهلها والتحذير من التشدق بغريب العربية والتقعير بها. وأخيراً في آداب المشتغل به وبغيره من سائر العلوم".‏

وجاءت الخاتمة من الطول على وجه اضطر فيه ابن الأزرق إلى تقسيمها إلى ثلاثة فصول أو أقسام، محدداً ما ينبغي أن يتخلق به المتعلم مع معلمه، والثاني عن الآداب التي يجب أن يتخلق بها المتعلم مع نفسه، والثالث عن الآداب التي ينبغي أن يتخلق بها المعلم في رفاقه. وهذه الخاتمة يمكننا اعتبارها أخلاقيات البحث العلمي عند ابن الأزرق، أو الآداب التي ينبغي أن تسود بين المتعلم وأساتذته وزملائه من أهل العلم والسعي وراء الحقيقة.‏

والواقع أن الكتاب لا يعد من قبيل "التأليف" بل إن شئت قلت هو من قبيل "التوليف" فهو في معظمه يعاجل كل موضوع من خلال أقوال السابقين من الكتاب والمؤلفين في هذا الموضوع أو ذاك، وهي أقوال قد يطول بعضها إلى فقرة كاملة، وقد تقصر إلى جملة أو جملتين. وأغلب هذه الأقوال جاءت منتسبة إلى قائليها، ولكن لم يخل الأمر من ذكر بعض أقوال دون ذكر قائليها، فيقول مثلاً: قال: فلان: ثم يعقب: "وقال غيره"... وفي أحيان أخرى يجد ابن الأزرق نفسه غير مكتف بما قيل، فيضيف من عنده تعقيباً أو قولاً يكمل الموضوع ويحقق هدفه. وأقواله محددة ببدايتها في قوله "وأقول" أو "نقول"... إن هذا النوع من التأليف يدل بما لا يدع مجالاً للشك على أن ابن الأزرق كان قارئاً نهماً، استوعب كل ما وقع تحت يديه من الكتابات السابقة، واطلع على آراء عدد كبير من الكتاب في الموضوع الذي يعالجه، مما يدل على سعة أفق واضحة وقدرة على الاستيعاب والفهم كبيرة، فجاء تنسيقه من هذه الآراء وترتيبها في الموضوع لتشكل في النهاية موضوعاً محدداً أمراً دالاً على فهم دقيق لهذا الموضوع أو ذاك، ومقدرة كبيرة في التوليف بين هذه الآراء في صورة تكتمل فيها دراسة المسألة وتتكامل فيها الآراء لتنصهر في بوتقة واحدة، لتشكل كلاً واحداً متماسك الأجزاء.‏

ويكفي للتدليل على صحة غزارة المادة العلمية التي يستند إليها ابن الأزرق في كتابه، أن ندرك أن شواهدها الشرعية مثلاً تفوق 400 شاهد، موزعة حسب الأغراض والفصول، والأبواب، إذ قد يصل عدد أبيات الشاهد الواحد إلى أكثر من مائة بيت. هذا فضلاً عن آلاف الآيات القرآنية وآلاف الأحاديث النبوية المستمدة من كل كتب الحديث المشهورة وغير المشهورة، وعديد من المؤلفات في علم التفسير ومئات من المؤلفات في كل العلوم التي يستشهد بها وعليها من فقه وأصول فقه وعلم كلام وفلسفة فضلاً عن علوم اللغة، وهذا ما استدعى من المحققة أن تقوم بعمل فهارس كاملة للمؤلفين، وللموضوعات، وللأحاديث، والآيات، وأسماء الكتب والمصنفات، ـ وهذا من حسنات التحقيق ومميزاته ـ فضلاً عن فهارس للأماكن والمدن، والكنُى والألقاب، والأشعار، التي وردت في كتابه "روضة الإعلام".‏

وعلى الرغم من أن الكتاب يعرض لموضوعات كثيرة متنوعة وغزيرة، إلا أنه يجمعها خيط واحد، هو الدفاع عن اللغة العربية وآلتها. ولكن الناظر في الكتاب لأول وهلة، قد يدهشه ذلك العدد الضخم من المرويات، حتى يخاله كتاب تفسير لكثرة الآيات الواردة فيه، أو كتاب نوادر أخبار وتراجم، لكثرة ما جمع منها، أو كتاب فقه وأصول ومنطق لكثرة ما فصّل وفرّع من الأحكام والمسائل الفقهية والأصولية والمنطقية، لكن المتفحص اللبيب حين يسبر غوره، يجد أن هذه جميعاً جاءت لتخدم الغرض الأساسي، الذي وضع لأجله الكتاب، كما أنها صورة واضحة لثقافة ابن الأزرق، ولطريقة عرضه للمسائل، التي كانت تشغل ذهن مثقف ينتمي إلى القرن التاسع الهجري.‏

وقد تميز ابن الأزرق في نقله للنصوص بطريقتين: إحداهما: المحافظة على النص دون اختصاره، إلا أنه قد ينقله على غير ترتيب، فيأخذ من النص ما يتطلبه الشاهد ملتقطاً من مواضع(31)، وعند نهاية النص المنقول يشير إلى ذلك بلفظ "انتهى" أو "قلت" أو "قال" أو بذكر "عنوان" أو "بالرواية عن علم من الأعلام" إذ يشعرك ببداية نص آخر أو فكرة أخرى.‏

ثانيتهما: أنه قد يعمد إلى تلخيص النص المستشهد به بالاقتصار على معناه فقط، فيشير إلى ذلك بقولـه: "انتهى وبعضه بالمعنى"(32) أو "انتهى ملتقطاً من مواضع في كلامه"(33) أو "انتهى وتقرير هذا المعنى شهير في كلام الناس فلا نطول بإيراده"(34). وفي كل هذا ما يوضح أمانة المؤلف في المحافظة على النص المنقول.‏

ومما يدخل أيضاً في منهجية المؤلف في هذا الكتاب مسألة الإحالات عنده، فهو تارة يحيلك على مواضع من كتابه، وأخرى على تتبع أمكنة أخرى خارج كتابه. من ذلك قوله في ترجيح مداد العلماء على دم الشهداء يوم القيامة: "وسيأتي له ذكر إن شاء الله ـ في خاتمة الكتاب"(35) وقوله في أمر سبقت الإشارة إليه: "مما تقدم في الفضيلة الثالثة أن الإدراك العقلي أشرف من الإدراك الحسي"(36).‏

وقولـه عند الحديث عن عدم إهمال علم من العلوم الشرعية: "وقد تقدم للغزالي في هذا المعنى فليراجع من هناك"(37). إلى غير ذلك مما يعم مواطن كثيرة من الكتاب. هذا ما يتعلق بالإحالات داخل الكتاب، أما خارجه فكقوله في مسألة "كذا": "نقل صاحب الصحاح: أنها تكون كناية عن الشيء، وعن العد، وبه يجاب عن إشكال أورده القرافي في الموضع، فانظره من هناك"(38). وقولـه في السبب العام لوضع النحو ما جاء عند "أبى نصر الفارابي" في كتاب "الألفاظ" "وله في صدر الكتاب كلام في هذا المعنى، أتمّ مما نقل عنه فراجع من هناك"(39). وهناك الكثير من الإشارات في ثنايا الكتاب يمكن للناظر فيها مراجعته، ومما يلاحظ أن صاحبنا في إشاراته هذه، يقدم الدليل على مهارةٍ وملاحظة المجرب المحنك في ميدان التأليف أو التوليف وتتجلى عبقرية ابن الأزرق هنا في البناء النسقي المعماري الذي يضم أشتات تلك العلوم المختلفة، والتنسيق بينها، بحيث تخدم أفكاره وتحقق هدفه في عمل علمي يتسم بالموسوعية والأصالة.‏

ولاسيما أن أسلوبه في الكتاب هو أسلوب الفقيه الأصولي المجادل الذي يبسط المسألة، ويعرض لأوجهها المختلفة سواء أكانت في الأدب أم اللغة أم النحو...، ليأتي بعد ذلك ببعض الاستدلالات التي تؤكد مرماه، وتثبت حجته في مسألة من المسائل التي كان يعرضها. وقد لاحظت المحققة للكتاب(40) أننا لا نجد في الكتاب ما يدل على خيال جامح، أو إبداع أدبي بارع، يشدك إلى قراءته. ومن ثم فإنه فقد طابع التسلسل الذي يجعل الفكرة تلاحق سابقتها لكثرة التفريعات والتقسيمات، فعم الكتاب كثرة الاستطراد والتقصي.‏

ولكن هذا ليس بعيب في الكتاب، ولا في أسلوبه، لأنه نهجٌ فرضَه الموضوع، وأملته ظروف التأليف، التي أشرنا إليها سابقاً، وخاصة أن العصر لا يساعد على الابتكار والإبداع فالحضارة والثقافة في هذا الركن من العالم كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة، ويكفي لابن الأزرق وأمثاله من المشتغلين بالعلم والأدب فضل هذا النوع من التأليف في زمن أصبحت فيه الحياة مهددة بالخطر المحدق بها من كل جانب، ولكن يبقى لابن الأزرق فضل إمدادنا بنموذج لأسلوب الكتابة في عصره، ولطريقة في التأليف، خاضعة لمعايير منطقية، ولظروف وشروط حضارية، لا يستطيع صاحبها مجاوزتها. والكتاب بعد كل هذا يُعد وثيقة نادرة، تكشف عن ثقافة عصر بكل معطياته، وعن المستوى العلمي الذي كانت تحظى به بلاد الأندلس، وما كان لأعلامها من علم ومعرفة، ويحدد موقفاً معيناً لصاحبه تتجلى أهميته في الدفاع عن العربية وآلتها. وبالتالي عن الكتاب والسنة في مواجهة التحدي الصليبي الذي كان يزحف، وكان ابن الأزرق يستقرئ المستقبل ويفصح عما تخفيه الأيام.‏

فإذا تساءلنا عن أهم مميزات وخصائص الكتاب، فإننا نجد "روضة الإعلام" يعكس بحق شخصية صاحبه، ويعكس ما كان يهتم به من مباحث وعلوم، وكانت جزءاً مما كان يشغل علماء عصره، فقد روى عن شيوخه، وعن معاصريه، فهو أديب تارة، وإن كان ذوقه ينحصر أحياناً كثيرة في المحفوظ لديه دون إبداع، وهو فقيه تارة أخرى يعتمد الأدلة النقلية والعقلية... وهو بعد كل هذا محدث، وراوية، وعالم أصول، ومنطق، مما يجعل الكتاب موسوعة علمية تغريك بلطائفها، وطرائفها.‏

وقد أشارت المحققة ـ بعد دراستها للكتاب ونحن نوافقها في كثير من ملاحظاتها العلمية ـ إلى أن أهم خاصية لهذا الكتاب هو جمعه للنصوص المختلفة، والتعقيب عليها بالاستحسان والاستهجان، وبالموافقة والمخالفة، مع الإشارة إلى مواطن الجودة فيها، ومواضع الضعف وخلق جو من المناقشة القائمة على الإتيان بالدليل المقنع، والحجة الدامغة، مقلباً وجوه الرأي في المسألة الواحدة، مما يشكل حساً نقدياً، وتبدو لهجته فيه أحياناً، موضوعية هادئة، وأحياناً حادة، وخاصة في دفاعه عن النحو وأهله، أو في موقفه من بعض المذاهب التي يبدو من خلالها علماً من أعلام المالكية، متشبثاً بالسلف الصالح، ناهجاً طريقهم، ومقتدياً بآرائهم متعصباً لهم على غيرهم، وهذا ما دعا الباحثة إلى التساؤل: هل كان ابن الأزرق يريد من كل هذا أن جماع الفضل في العلوم والفنون الإسلامية يرجع إلى أهل السنة؟‏

ونحن بدورنا نرى أن ابن الأزرق ـ ومن خلال المعطيات السابقة ـ على الرغم من أنه كثيراً ما يستخدم المنهج التحليلي في معالجة النصوص التي يستشهد بها، إلا أنه قد طور له اتجاهاً نقدياً، فلم ينقل النصوص التي أثبتها في مؤلفه وتركها دون تعليق باستهجان أو استحسان، أو توضيح للجوانب الإيجابية والسلبية، بل كان يحاول جاهداً أن يقدم رؤية موضوعية قدر الطاقة البشرية، باستعراض الأدلة سواء كانت نقلية أو عقلية، مقلباً وجوه الرأي في المسألة الواحدة، ومستعرضاً مختلف الحجج والبراهين في المسألة الواحدة، على الرغم من كثرة المسائل وتنوعها، وكثرة المجالات العلمية والفكرية والروحية التي يعالجها في هذا الفصل أو ذاك وينتقل فيها بين هذا الباب أو ذاك، وخاصة أن عنده كثيراً من النصوص التراثية الهامة في مختلف العلوم اللغوية والفكرية الإسلامية، مما يعتبره المتخصصون مصادر ومراجع لا غَناء عنها في كل علم يعرض له.‏

ونرى أن مطالبة ابن الأزرق بالموضوعية الكاملة، والحياد التام، مطلب عسير، إن لم يكن مستحيلاً، في ظروفه الصعبة التي كانت تحتاج إلى توحيد الرؤية وتثبيت المعيار الأقصى الذي يحتكم إليه، ويستظل بظله، وقد تمثل هذا المعيار ـ في نظره ـ عند أهل السنة والجماعة، وخاصة أنهم يمثلون الأغلبية الساحقة في عدد المسلمين في العالم، ويعتبر تمسكه بالفقه المالكي تمسكاً بفقه ظل سائداً طوال قرون عديدة في المغرب العربي.‏

ولذلك ليس غريباً أن نجده يتمسك برؤية أهل السنة، ويحتكم إلى معيارهم حين تشتد حمى المعارك الفكرية والخلافات المذهبية، ومن هنا جاء كتابه بحق روضة علوم وإعلام حوت ذخيرة علمية وفكرية قلما يضمها بين دفتيه كتاب.‏

(1) أستاذ الفلسفة الإسلامية في جامعة عين شمس ـ مصر.‏

(2) نفح الطيب. المقري. تحقيق إحسان عباس 7/184 ـ 194 دار صادر، بيروت 1968م.‏

(3) أزهار الرياض: المقري، 3/305 صندوق إحياء التراث الإسلامي، الرباط 1978م.‏

(4) لماذا سقطت الأندلس، جمعة شيخة، ص24 مجلة المعرفة العدد 68 الرياض فبراير 2001.‏

(5) انظر: دراسات في تاريخ الأندلس وحضارتها د. أحمد بدر ص187، بيروت عام 1987م. وتاريخ الفكر الأندلسي، ترجمة د. حسين مؤنس، القاهرة عام 1955م، وتاريخ الأدب الأندلسي إحسان عباس ص79 عام 1974م.‏

(6) جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس الحميدي: ص6 القاهرة عام 1955م.‏

(7) تاريخ الأندلس، لانخيل جنثالث بالنثيا، ترجمة د. حسين مؤنس القاهرة عام 1955م.‏

(8) مقدمة تحقيق روضة الإعلام ج1 ص18 ـ 19.‏

(9) نفح الطيب للمقري 2/692.‏

(10) انظر مقدمة تحقيق "روضة الإعلام" ص20، 21.‏

(11) عن مخطوطة قيد فيها ابن الأزرق الأصبحي، اسمه ونسبه، وقد أثبتها الزركلي في الأعلام 7/181.‏

(12) الضوء اللامع، السخاوي، 9/20 مكتبة الحياة، بيروت.‏

(13) نفح الطيب للمقري 2/702، والأنس الجليل للحنبلي 2/592 بيروت عام 1973م.‏

(14) نفح الطيب 2/669 وأزهار الرياض 3/317.‏

(15) نفح الطيب 2/699.‏

(16) أزهار الرياض 3/318.‏

(17) نيل الابتهاج، أحمد التنبكتي ص324.‏

(18) مقدمة التحقيق د. علي سامي النشار ص21.‏

(19) السابق ص22.‏

(20) مقدمة تحقيق كتاب بدائع السلك ص6، 7.‏

(21) العصبية والدولة، د. محمد عابد الجابري، ص187 دار الثقافة، الدار البيضاء المغرب.‏

(22) ابن الأزرق شارح ابن خلدون، حسن السائح، مجلة دعوة الحق العدد 3 عام 1967م.‏

(23) مظاهر يقظة المغرب، الحديث محمد المنوني، ج1 ص263، 265.‏

(24) ليس له سوى مخطوطة واحدة في خزانة العلامة المحقق عبد الكريم بن الحسين الحسني: انظر محمد المنوني: مظاهر يقظة المغرب الحديث ج1 ص279 ـ 281.‏

(25) نيل الابتهاج، التنبكتي ص324 دار الكتب العلمية بيروت، لبنان.‏

(26) الدراسات اللغوية في الأندلس، رمضان عبد الجليل الطيرا، ص32 العراق عام 1980م.‏

(27) نشأة النحو، محمد طنطاوي، ص187 ـ 199 القاهرة بدون تاريخ.‏

(28) مقدمة روضة الإعلام ج1 ص45، 46.‏

(29) السابق ج1 ص139 ظ، 141و‏

(30) السابق الصفحة نفسها.‏

(31) روضة الإعلام: مخطوطة/ 54ظ.‏

(32) من ذلك مثلاً ما نقله عن "ابن السيد البطليوسي" في كتابه "الاقتضاب" ط1973، فهو يأخذ من ص55 ثم يعود إلى ص51 ثم 59، ثم 55.‏

(33) السابق 51ظ.‏

(34) السابق 60ظ.‏

(35) روضة الإعلام مخطوطة أ 43و. وانظر مقدمة التحقيق ص53، 54.‏

(36) السابق 32 و، وهو يشير إلى ما تقدم في 29 و.‏

(37) السابق 252ظ.‏

(38) السابق 112 و.‏

(39) السابق 135ظ.‏

(40) مقدمة التحقيق ص56، 57.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244