|
||||||
| Updated: Wednesday, April 06, 2005 10:57 AM | ||||||
| فهرس العدد |
|
الأدب العربي بين الأصالة
والحداثة ـــ د.مها خير بك ناصر
1
. مدخل ومفتاح
مذ وجد
الإنسان، ارتبط وجوده بالتساؤل والشك، والبحث عن الحقيقة، فهل كان هذا الوجود
انبثاقاً عن حركية يرفض سكونية البقاء وما يتمظهر معها من راحة واستقرار وسلام، أم
تحقيقاً للمشيئة الإلهية المتصفة بالقدم والأزل؟
لا تعنيني
هذه الإشكالية بقدر ما يعنيني صراع الإنسان مع ذاته من جهة، ومع واقعه من جهةٍ
أخرى، والأهم من هذا الصراع ما يتولّد عنه من تجاذب بين طمأنينة القبول وقلق الرفض،
مما يكسب وجوده فاعلية الحياة، وما يرافقها من حركة لا نهاية لها.
إذا كان التعايش مع الظروف، والواقع
الجديد، نوعاً من العقاب على ما ارتكبه الإنسان من خروجٍ على المألوف والمعهود فهو
في شكلٍ آخر دعوة إلى التحدي وإثبات الذات.
والدعوة في معانيها الباطنية حركة تتخطى
السكون، والمألوف والراهن، وتتجه نحو مسارات تتمحور حول نقطة واحدة تختزل رغبة
الإنسان في رفع الحجاب عن كمونه الإرادي في لحظة التعالي والتسامي على الصعاب
وتذليلها. ومن ثم تتولَّد لديه حالة من النشوة، يتحرر معها ويطمح إلى كشف النقاب
فيتعرّف إلى ذاته العظيمة، القادرة على القهر، والإذلال، والإخضاع، ويترسّخ إيمانه
بقوته وجبروته، مما يدفعه إلى تأسيس مركز قضيته بغية اختراق الشكلي الجاهز وتسيير
العالم، ليكون أكثر ملاءمةً وتوافقاً مع طموحاته وأحلامه.
هذه فرضية ليست بالضرورة قابلة للبرهان،
ولكنها قابلة للتصديق أو النفي، وبين النفي و التصديق حركة لا تنتهي، حركة تستفز
الذات الإنسانية وتدفعها إلى البحث والتنقيب، ثم تنقلها في لحظة تجل وانعتاق إلى
حالة من الاندهاش، في عالم مفتوح لا حدود له، ومحجوب مغلق في آن معاً. فتتمخّض
الدهشة نطقاً بدائياً يختزل معان إنسانية باطنية لا حصر لها. فكانت الكلمة الأداة
الأكثر تعبيراً عن الذات الإنسانية، وعن رغبتها في التواصل، وتقليص مساحات التوحش
والاغتراب النفسي.
بعيداً عن التأويل الديني، يمكنني القول
إن الإنسان الأول مبدعٌ وخلاق، "فالمسيح كلمة الله". و"في البدء
كان الكلمة"، والإنسان القادم من لدن الله استطاع أن يستخدم أداة التبليغ
الإلهية ـ الكلمة ـ واستعاد بذلك شيئاً من لا محدودية قدرته وعظمته. ألم يطلب الله
من الملائكة السجود لآدم؟ ولذلك يمكننا وصفه بالخلاق القادر على جعل الصامت
المحتجب ناطقاً يعلن عن انفعالاته، ومشاعره، وأحاسيسه، ورغباته، وتطلعاته بأشكالٍ
مختلفة تتفق وحاجات النفس البشرية، الهادفة أبداً إلى تأصيل وجودها، وتكريس
طاقاتها إزميلاً لكشف الغطاء عن سرّ الحياة. ومادامت الحياة في سيرورة استباق،
فالنفس البشرية المبدعة ستبقى في حركة دائمة تستقصي الحقائق، وتبحث عن الجوهري، معلنة
في كل لحظة مضيئة من وجودها عن دأبها الساعي إلى القبض على أسرار الوجود، وترسيخ
قوانين الطبيعة علوماً ومعارف تسهم في سيادة الإنسان وتقرير مصيره.
يعتبر الأدب بهذه الرؤيا الخطوة الأساس
للمعرفة، وما ينتج عنها من علوم إنسانية تسخّر لخدمة الإنسان، لأنه مركز الكون
وقضيته الرئيسية. ولعل الأدب كان التعبير الأول عن حاجات النفس، وعن انفعالاتها
واندهاشها المُقنع بالسؤال، فالأدب ليس هواية بل "حاجة أو ضرورة منغرسة في
الحياة والإنسان([1])" والقصد منه "الإفصاح
عن عوامل الحياة كلها"([2]) والكشف عن سر الوجود.
بهذه الرؤيا، يمكننا اعتبار الأدب،
المظهر الأسمى المتجلي عن تفجُّر الدهشة، الصادرة عن دأب النفس البشرية لتحقيق
ذاتها، لذلك كان لكل مجتمع إنساني تراث أدبي فرضته حقيقة الحياة، وجسّدته فكراً
إنسانياً أنجزه تفرّد المبدعين المفعّلين بعمق التجربة وروح الكشف.
ولما كان الإنسان هو الإنسان في كل زمانٍ
ومكان، فإن تفرد التجربة الإنسانية يتمخض في كل مجتمع عن فعل كلامي مقنّع بالتساؤل
والكشف، جسّده الإنسان العربي بتراثٍ أدبي اختزل اللحظات المضيئة من تاريخه والتي
كانت لحظات تأسيسية لأزمنة لا تنتهي، أزمنة تتجاوز ذاتها في حركة دائمة نحو
الأمام. فكان الأدب بالنسبة لهم علماً دعاه ابن خلدون "علم الأدب"
وعرّفه بقوله: "هذا العلم لا موضوع له، ينظر في إثبات عوارضه أو نفيها، وإنما
المقصود منه عند أهل اللسان ثمرته، وهي الإجادة في فني المنظوم والمنثور على
أساليب العرب ومناحيهم فيجمعون لذلك من كلام العرب ما عساه تحصل به الكلمة([3])".
فالأدب الحقيقي هو كلمة جوهرية جاءت ثمرة
تفاعل الأصيل مع الفرع، ومن أهم ميزاتها الجودة في التعبير عن تجدد الحياة، وعن
لهفة الإنسان إلى معرفة ما يجهل، ونقل تجربته الجديدة، بأساليب جديدة تنبئ عن
ارتباط أدبه بجوهر الحياة الثابت والمتجدد في آن معاً. وهذا خلق جديد منبثق عن
قديم ولكنه مغاير ومختلف.
إن ما تولده الحياة المتجددة من
أنماط أدبية جديدة ليس بفرضية يطلب البرهان عليها بل حقيقة ثابتة راسخة أوجدتها
سنّة الحياة، وما تصبو إليه من توّحد بين الذات والمعنى، هذا المعنى الجوهري
المتصف بالقديم والجديد والمحدث، يلزمه ذات لفظية توازي جدّته وحداثته، وهذا يفرض
وجود الإنسان المبدع المحدث القادر على خلق النموذج الأدبي الجديد لفظاً ومعنى
ليحدث تغييراً على مستوى الكتابة الأدبية في العصور جميعها، فيقابل النموذج بالرفض
أو القبول، ويكون اختلاف بين قديم وحديث، وهذا الاختلاف في رأي طه حسين "أصل
من أصول الحياة، يشتد الجهاد بين أولئك، وهؤلاء، حتى يتم انتصار الجديد فيصبح هذا
الجديد قديماً، ويظهر جديد آخر يحاربه([4])".
فالحداثة حركة دائمة باتجاه المستقبل،
تنبثق عن ماضٍ مضيء، لذلك يكون الكلام على ما بعد الحداثة كلاماً مرفوضاً،
فالحداثة ليست لحظة زمنية محددة، إنها الجدّة التي لا تعرف البلى، وهي إبداع لا
تَخَلُّق فيه، قديم من حيث الزمن، محدث متجدد من حيث الجوهر والمعنى.
فالحداثة لا تعبّر عن مرحلة آنية، وإنما
هي حركة تأسيس واستباق قوامها التساؤل والكشف إنها "معادلة إبداعية بين
الثابت والمتغير أي بين الزمني والوقتي فهي تسعى دائماً إلى صقل الموروث لتفرز
الجوهري منه فترفعه إلى الزماني بعد أن تزيح كل ما هو وقتي لأنه متغير ومرحلي([5])".
ولذلك لا حداثة من دون تراث تنبثق عن
بذوره الحية ثم تتجاوزها لتشكل بذوراً لحداثة أكثر جدّة وتعبيراً عن الحياة
المتغيرة في مظاهرها وأشكالها وأنساقها.
II أنّ التراث والحداثة:
لاشك في إن الإبداع استباق وإضافة، وإذا
لم تسهم الحركات الفكرية في إضافة ما، فهي حركات عقيمة لم تقدّم شيئاً على مستوى
الإبداع الإنساني. ولم تلامس أحلام الإنسان وتطلعاته، ولم تبشّر بنتاجٍ ثقافي حي.
أن الإبداع وليد مخاض التجربة الذاتية
الإنسانية الملقحة بإرث ثقافي حي وفاعل. ومسرح الصرخة الأولى مساحة اللاوعي
اللامتناهية، وغير المرئية، وغير الملموسة، فتكون الكلمة الصورة الأصدق والأكثر
إيحاءً وتعبيراً عن اصطدام هيولى هذه الروح الجديدة بتموجات أثيرية لا توصف، فتتناغم
إيقاعاتها وتتوحّد مع حقائق كونية أزلية لا هوية إقليمية لها.
بهذه الرؤيا أفهم الحداثة، فهي ليست
حكراً على زمن محدود أو مكانٍ معيّن. إن نتاج الحداثة منطوق أثيري لا هوية له،
يبلّغ رسالة وحي هادفة، أدواتها الكلمة المموسقة بصدق التجربة بغية التواصل
اللازماني واللامكاني. فالذي كان محدثاً في شعر الجاهلية، مازال يفعل في نفوسنا
وسيبقى فاعلاً في أحاسيس أجيال لم تولد بعد. وما جاء بعد الجاهلية وما بعد صدر
الإسلام وحتى يومنا هذا لا يمكن اعتباره محدثاً إلاّ إذا كان ممهوراً بخاصة
التفرّد والمغايرة، من دون إعادة الأشكال والأنماط المعهودة.
فالحداثة إذاً ارتباط بالتراث، وهي في
الوقت عينه خروج على المألوف، ولذلك رأى أدونيس أن هذه العلاقة حتمية لأن الشاعر
العربي المعاصر "لا يكتب في فراغٍ بل يكتب ووراءه الماضي وأمامه المستقبل،
فهو ضمن تراثه ومرتبط به، ولكن هذا الارتباط ليس محاكاة للأساليب والنماذج
التقليدية، وليس تمشياً معها، ولا بقاءً ضمن قواعدها ومناخها الثقافي الفني ـ
والروحي. فليس التراث عادة في الكتابة، أو موضوعات طُرقت، ومشاعر عُونيت وعُبّر
عنها، وإنما هي طاقة معرفة وحيوية خلق، وذكرى في القلب والروح([6])"،
ولذلك أعتبر أن للارتباط بالتراث "معنيين (...) ارتباط خلقٍ وإضافةٍ واستباق،
(...) وارتباط التقابل والتوازي والتضاد([7])." فالتراث ليس إرثاً
مقدّساً بل طاقة تفعِّل عملية الخلق والإبداع، وتحرِّض على إقامة علاقة موضوعية
مبنية على النقد والتمحيص والفرز.
والتراث ليس مومياء لا حياة فيها، إنه
التربة السليمة لأصالتنا، وفيه تحفِّز كمون الحاضر المعرفي، وتقدح طاقات المبدعين
بشرارة فكرية تؤصل للحظة مضيئة في هيكل تفردنا الإنساني، تكون عوناً لأولئك
المسكونين بقلق المعرفة والاستباق بغية نزع القشرة عن نواتها، وبعث خلق جديد منبثق
عن تنوع الحياة وتناقضاتها.
إن علاقة الأفذاذ بالتراث أشبه بعملية
الفصد، إنه جزء من كياننا المعرفي، ولكن يجب التخلص مما ليس سليماً أو صالحاً
للحياة. والتحرر من الفاسد لا يكون إلا بالاسئصال، وعملية الاستئصال تتوقف على
مهارة المبدعين وقدرتهم على وعي التراث وفهم علاقته بالحاضر والمستقبل.
يمكنني القول إن التراث خَلْف، والتجديد
بمفهومه الحداثي أمام، فهل يمكن أن يكون أمامٌ من دون خَلْف؟ وهل الخلفُ بمقطوعٍ
عن الأمام؟
إن الحاضر واللحظة اكثر إشراقاً في تلاقي
الأمس (التراث) والغد (التجديد). وعلى المبدع أن يستغل فلسفياً وعلمياً وفكرياً
وإبداعياً هذه اللحظة الحقيقية، ويمنحها وجوداً متميزاً بالسبق والتأصيل
والاستباق، فيكون مفصلاً رئيساً بين ثابتٍ أصيل ومتحرّك متغيّر. فيجعل من هذه
اللحظة الحاضرة حلقة تصل ما بين خلف وأمام، وبقدر ما تكون هذه الصلة حقيقية وأصيلة
ومبتكرة، تؤسس لنفسها وراءً مضيئاً لا يمكن استئصاله أو رفضه. وبذلك تتكرّس القيمة
الإبداعية للفكر الإنساني في لحظة من لحظات انبعاثها، ويثبت هذا الفكر قدرته على
خلق أنماطٍ جديدة تتجاوز الأشكال المألوفة وتتجه نحو المستقبل. وهذا التجاوز لا
يتحقق إلا بمعرفة سابقة لأن "كل معرفة جديدة تكون بواسطة المعرفة الحاصلة
لنا، ولكن ليس كل معروفٍ لنا يؤدي إلى معرفة ما هو مجهول لنا. فلكل مجهول معروف
يناسبه، ويمكن بواسطته أن يصبح معروفاً، وكذلك ثمة طريق ينبغي إتباعه للذهاب من المعروف
إلى المجهول، حتى يصبح هذا المجهول معروفاً([8]). ولذلك لابد لكل كشف من أصل
يبني عليه لبلوغ المعرفة، وهذه المعرفة لا يمكن الحصول عليها دفعة واحدة بل لها
أساليبها وطرقها، فالمجهول من أسرار النفس البشرية يمكن التعرف إليه وفق طرفي
المعادلة الإنسانية التي تحتاج دائماً إلى معلوم مُدرك للتوصل إلى المجهول المحتجب
عن طريق الرصد والتناسب بين المرئي والمستتر وبالتناسب يمكننا "الحصول على
المجهول من المعلوم الحاصل للنفس.. ولاسيما في أهل الرياضة([9])"،
فالتراث هو الطاقة الأساس في استجلاء الطرف المعلوم من معادلة الحياة وما تفرضه من
كشف للمجهول عن طريق اختراق قشرة الجمود، والتحقق من وهم الرؤية، وحقيقة الرؤيا،
لتتناسل الأفكار رؤىً جديدة مختلفة لها سمتها وخصائصها المتميزة، ليرشح عنها،
مستقبلاً، أفكارٌ ورموزٌ ودلالات لا حصر لها.
فالماضي ليس محدداً دلالياً بارتباطه
الزماني أو المكاني المحدد، فهو وعاء التراث المخصب بقدرات الفعل البشري غير
المقيدة، والمتفاعلة مع سيرورة الحياة وحاجاتها الفكرية وأنماطها الحضارية.
إن موقفنا من التراث هو انعكاس حقيقي عن
فهمنا وإدراكنا للوجود والموجودات، وتصوير صادقٍ للخصوبة الفكرية التي تتخذ من
التراث مادة أولى للتحليل والكشف ومن ثم إعادة إنتاجه بأدوات العصر وحاجاته
وتطلعاته ورؤاه.
إن عملية فرز التراث وتحليله وإعادة
إنتاجه تكشف للمبدع العربي الوشائج اللامرئية بين تراثه، وتراث الأمم الأخرى؛ لأن
الذات الإنسانية واحدة وبالتالي فإن موروثها الثقافي متشابه ومتداخل ومتشابك من
حيث المعنى الدلالي. فالإرث الثقافي الحي يحفظ انفعالات النفس البشرية لحظة
احتكاكها بنورٍ معرفي، وهذه اللحظات ما هي إلا زمن انفلت من ذاته المتبلورة،
ناشراً فضاء يرتاده المبدعون ليخصبوا قرائحهم، ويبتدعوا فضاء آخر يتمدد ويتواصل من
أجل خلق تراث كوني، أسست لـه لحظات زمنية منفلتة من التعريفات والحدود
والانتماءات، إنها اللحظات الأكثر إشراقاً كونياً.
بهذا المفهوم يمكننا النظر إلى إرثنا
الثقافي الحي على أنه جزء لا يتجزأ من التراث الإنساني، فإذا تفتقت القرائح
العربية عن فعلٍ إبداعي حقيقي فلا يعني ذلك بالضرورة اتباعاً أو تقليداً، فربما
وجد مبدع عربي نفسه في إبداعات الغربيين، وإذا ما تشابهت المعاني، فلا يؤدي ذلك
إلى رميه بالسرقة والتقليد والتبعية للآخر.
إن النتاج الإنساني يتشابه في جوهره لأنه
متفجِّر عن نفس بشرية متوحدة مع الفيض الإشراقي الذي ينهل منه المبدعون على امتداد
مستويات الخلق الفني اللامتناهية، وهذا التوحد جسّده بودلير عندما أفصح إلى صديق
له عن التقارب الروحي بينه وبين الشاعر الأمريكي "إدغار آلان بو"
قائلاً: "أتعرف لماذا ترجمت في صبر ودأب ما كتبه ادغار آلان بو لأنه كان
يشبهني. ففي أول مرّة تصفّحت فيها كتاباً من كتبه رأيت فيه ما كان مثار فتنتي
وروعتي، ولم أعثر فيه على الموضوعات التي كنت أحلم بها فحسب، ولكنني وجدت فيه كذلك
الجمل التي كانت تراود أفكاري وكان له السبق في كتابتها قبلي بعشرين عاماً([10])".
وما التشابه إلا دليل على تفتق الفعل الإبداعي عن كمون إنساني واحد من حيث المنهل،
ومتعدد في الظواهر الحركية.
إن الموضوعات الإنسانية ثابتة في السلوك
البشري والتعبير عنها متغير في الشكل والظاهر، فجاءت الموضوعات متشابهة ومتكاملة،
ترشح منها العواطف والمشاعر، ولكنها مختلفة في ظاهر أشكال الأجساد النصية
المتأقلمة مع الظروف الاجتماعية والسياسية والبيئية والاقتصادية واللغوية. وهذا
الاختلاف في الظاهر الشكلي أوجد تبايناً في عملية تلقي الصور الفاكسية وما يلازمها
من تغيير في أنماط التعبير ونقل الرسالة وتلقيح الأفكار. والتباين عينه ولّد حركة
كشف واستكشاف تهدف إلى الحصول على معرفة ما، تؤصل التواصل الإنساني وتنتج جينات
فكرية جديدة في الشكل، تسهم في إضافات لا حصر لها على الإرث الإنساني الشامل.
بهذه الرؤيا يمكننا التأكيد على تخليص
الحداثة من محدودية الحضور الزماني أو المكاني. فما كان محدثاً في لحظة من الحضور
الإبداعي مازالت روحه فاعلة بما هو آت، لأن الحداثة أصل مترسخ وتجاوز متجدد،
يخلقها ماضٍ في أثوابِ المستقبل لكأنها أشبه بقول المتنبي:
نعم إن الحداثة حدث يفرض ذاته، وتفرضه
الحياة. إنها كشف دائم عن قضايا إنسانية متلازمة ومترابطة، تنغرس في التراث بقدر
ما تتخطى هذا التراث، إنها الفعل الحي الخارج من تراثه، والمندفع باتجاه الآتي.
III . إشكالية الحداثة والتراث العربي
مما سبق يمكننا القول إن القيمة
الإبداعية للفكر الإنساني ترتبط بقدرته على خلق أنماط جديدة تتجاوز الأشكال
المألوفة وتتجه نحو المستقبل، فتولد حركة دائمة محفِّزةً بكمون رؤيوي يتمرّد على
صنمية التبعية والجمود، ويسعى إلى ابتكار مسار مغير للمسارات المعهودة والمتبعة
برضى وقبول تقديس. فيتمخّض الفكر عن فتحٍ جديد، لـه ميزاته وخصائصه الخارجة على
المألوف، والمتمردة على سكونية القبول.
يختزل الفتح الجديد حدثاً مغايراً، ويعلن
عن انبثاق حركة جديدة لها أنماطها الأكثر جدّة، وملاءمة للتطورات الحياتية،
والاجتماعية والسياسية، وتتميّز بقدرتها على التجاوز والتفاعل والتأسيس. فتعلن هذه
الحركة عن تحدث متأصل في تراثه، ومتجاوز له في وقتٍ واحد.
فلا حداثة من دون خصوبة الأصل التراثي
ليمنح الأصل الفرع طاقة تساعد على اكتساب خصائص متفرّدة به ومن ثم يكسب نفسه
استقلالية وتمايزاً. وتمايزه مرتبط بقدرته على كشف المجهول المحتجب وراء معلوم
متأصل وراسخ، ولكنه معلوم يساعد في اكتشاف مجاهيل لا حصر لها في زمن آت له خصائصه
وميزاته.
هذه الفاعلية الإبداعية يطلقها روّاد
خلاقون لا يعنيهم نقل الحدث بحيثياته المرئية، بل يعيشون تفاصيل الحدث الظاهرة
والمستترة، ويلمسون النتائج المرئية وغير المرئية، وينقلون انفعالاتهم ورغبتهم
الصادرة عن تجربة ذاتية إنسانية، تفصح عن آلام وآمال وتطلعات النفس البشرية في كل
زمانٍ ومكان فينبئ عملهم عن التنقيب في مجاهل الحياة وأسرارها المقدّسة، ويكون لهم
فضل السبق في اكتشاف أحد أعمدة الهيكل المحتضن سر الحياة.
النتاج الفكري الإبداعي الحقيقي هو
الإنسان، ومن أجل الإنسان. فالإبداع مرادف لجوهر الإنسان وحقيقته، لأن الإنسان كما
يقول أدونيس: "ليس قفصاً، بل هو اللانهاية. ليس إقامة، بل سفر دائم. الإنسان
هو ما يتجاوز الإنسان، إنه موجود يما يأتي([11])" فهو سر الحداثة، وهو
الطاقة المبدعة التي تعني بالتعبير عن روح الثقافة الإنسانية، وهو الخلاق الذي
يسكنه الحدث وينغرس فيه، جاعلاً منه الصيغة الأساس التي يبني عليها كيان تعبيري
يفصح عن مكنوناته الإنسانية وتطلعاتها.
من أجل هذه القضية لم يقف امرؤ القيس
أمام الصحراء عاجزاً، ولم يحتم بإرث والده السلطوي، ولم يتبن عرفاً سائداً، بل خرج
على العرف والمألوف وأحدث لرؤاه مساراً مغايراً جعل منه أصلاً لمساراتٍ لا حصر
لها. فخرج على المفاهيم المعهودة وغيّر في نظام الأشياء وكيفية رؤيتها، فاخترع من
رؤيته وفهمه لمحيطه، معاني صاغها شعراً، لم يسبقه إليه قائل، ثم جاء بعده من
استخرج من هذه المعاني صوراً جديدة فأبدعوا. ولذلك وضع ابن رشيق تعريفاً للمخترع،
متخذاً من امرئ القيس نموذجاً للمخترع، وواصفاً من جاء بعده من الملقحين بتجربته
الشعرية بالمولدين، مدعماً رأيه بالبراهين، قال: "المخترع من الشعر هو: ما لم
يسبق إليه قائله، ولا عمل أحد من الشعراء قبله نظيره أو ما يقرب منه، كقول امرئ
القيس:
(...)
والتوليد أن يستخرج الشاعر معنى من معنى شاعر تقدّمه أو يزيد فيه (...) و الإبداع
إتيان الشاعر بالشيء المستظرف (...) فالاختراع للمعنى، والإبداع للفظ([12])".
استطاع امرؤ القيس أن يتبع حركة الواقع
من حوله، وأن يرصد بعينه الثالثة ما تولده هذه الحركة من قلق وخوف، إنه الواقع
المفجوع بأمنه واستقراره، فضاؤه سراب يشحن إنسانه بالاستسلام والتبعية والعبودية.
فالمكوث عنده نهاية والارتحال طريق، وبين المكوث والارتحال تغريب واغتراب وألمٌ
ونفي، إنه نفي الذات المصلوبة بألمها عن إنسانها.
رفض امرؤ القيس نفيه الروحي، وتمرّد على
أشكال العبودية والاستسلام والتبعية وألّه حريته وموهبته وعظمة الإنسان فيه. فمجّد
تفرد ذاته، وتعالى على وحدته بوحدته، ونفى اغترابه باغترابه، وبارك الألم بألمه،
وصرع القلق بقلقه. فكشف عن معاناة الإنسان في صحراء تمارس سيادتها على مصيره،
تبلوه وتبتليه، فيخضع، وينقاد رابطاً غده بسرابها.
هذا الارتحال القسري الفاجع جابهه امرؤ
القيس بفعل يرفض هذه الحركة الارتحالية الاعتباطية المفعّلة بالخوف والقلق، فلم
يكن وقوفه على أطلال الأحبّة يهدف إلى البكاء والألم، بقدر ما يهدف إلى خرق
العادة، إنه دعوة إلى التأمل وإثبات الذات، بغية فضح الواقع والكشف عن الأسباب
المقنعة وراء عجز الجاهلي وانقياده.
كان امرؤ القيس متوحداً مع ذاته العليا،
متصالحاً مع نفسه، واثقاً بقدرته على الاختراع، فرفض استسلام الإنسان فيه إلى
قدره، وأدرك قدرته على خلق المثال الذي اهتم المقلدون باسمه، وأعرضوا عن معناه.
ففي قوله:
يبدو لي فعل الأمر "قفا"
خروجاً عن عبارة الرحيل، وعلى الاستسلام للقهر والبعد والتخريب، إنه التصوير
الأسمى لمشاعر النفس العظيمة في التعبير عن رفضها لحدثان الدهر. إنه الرفض
بالتأكيد على القبول، والنظر والفحص والتأمل، كي تبقى الصورة ثابتة في أذهان
الصفوة القادرة على التغيير والانتصار.
يشير استخدامه فعل الأمر إلى تحول النفس
الإنسانية من حالة الهروب والقبول إلى حالة الثبات والسيادة، فهو لا يتلقى وإنما
يأمر. والبكاء ليس ضعفاً إنه من دلالات العطف والشفافية، فهو الآمر والقادر
والعارف والعطوف والرحيم. يأمر ويبكي في آن معاً، مسكون بالقسوة، ويسكنه حنين
الذكريات، هو المهجّر البعيد والقريب إلى أمكنة يعرفها، والمعرفة طريق لتحطيم
صنمية الاستسلام والقهر.
لم يأت تمرده على الواقع ضجيجاً ثورياً،
إنه الرفض بالقبول. تستفزه الصعاب ينطقها، تتحداه وحشة الصحراء يؤنسنها، تسخر منه
الرياح ورمال الصحراء، يموسقها. فالتجربة عنده عبور نحو ذاته العليا، ليكرِّس
وجودها سيادة وحرية، حضورا ًواستباقاً، كشفاً وبوحاً، تفجراً وتواصلاً وتأسيساً.
إنه البحث عن تمجيد ذاته الإنسانية:
لقد جسّد شعر امرئ القيس انكشاف الأنا
على ذاتها، ومن ثم انعتاقها وتحررها في سفرٍ لا زمني اخترق الحاضر الجاهلي وأسس في
المستقبل نموذجاً محدثاً لا تتخلق جدّته. وإذا كانت الأثواب قديمة في رأي
الناقدين، فهي في الحقيقة أجساد مادية لأرواحٍ لا تعرف الكهولة. وسيجد كل باحث
متفرّد مبدع وفي كل زمانٍ ومكان، ومضاً من معانٍ لم يفصح عنها، بعد أن أطلقها امرؤ
القيس من أعماق إنسانيته. فكان شعره نموذجاً في الشكل عند الكثير من المولدين
والمبدعين والمقلدين، وسيظل تعبيره عن الذات الإنسانية خالداً ومتجدداً، لأنه لم
يكن في تجربته ناقلاً بل متخيراً([14]).
ولقد أكّد ابن قتيبة([15])
توليد الشعراء للمعاني من أقوال امرئ القيس كقوله:
إن اختراع امرئ القيس نموذج الوقوف على
الأطلال، أفقده المقلدون خاصته الفنية وتحوّل إلى عرف وقانون لا خروج عليهما، مما
دفع بأبي نواس إلى السخرية من هؤلاء الواقفين والباكين، لأنه أدرك "أن الزمن
تيار يحرر ويمحو، لكنه قرن هذا الإدراك بمعرفة ثانية هي أن الزمن أيضاً يمنح
الأشياء حضورها وقوتها، ويرينا عمق حياتنا الماضية، وأفق حياتنا الآتية، وكثافة
حياتنا الحاضرة([16])".
فأكسبته هذه المعرفة رؤيا كشفت أمامه رغبة النفس في تجاوز حاضرها، وارتياد
المستقبل.
أدرك أبو نُواس قيمة الكشف عن حقيقة
الأشياء، وأهمية نقض الموروث المحنَّط وضرورة خلق حضورٍ فكري ثقافي يرفض الصنمية،
ويتعالى على جمودية التلقي، ليخرج على العرف والعادة بالبرهان العلمي وبتحقيق فعل
ما يضمره النطق الذي يعطي الصورة الحقيقية للمعاني المضمرة والمستترة. فنطق بما
أحس وآمن، داعياً إلى التخلي عن كل ما يتنافى مع الفكر ورفض التقليد، فرأى في
الوقوف على الأطلال عبودية فكرية لزمن يعينه تاريخياً وتأصلاً، وينفصل عنه تجربة
وحياةً، لأنه ينتمي إلى واقعٍ مغاير، له أدواته وظروفه وخصائصه.
فالحياة الجاهلية، وما يتبعها من أساليب
معيشية وفكرية متنوعة، لا تعنيه وجدانياً أو عاطفياً، إلا بقدر ما اكتسبه من جينات
ساعدته على النمو والتواصل، من دون أن يكرر صور الماضي وأشكاله أو يسجن إنسانه في
صدفة لا تجدد فيها. لأن الشعر مع أبي نُواس ليس نقلاً وتصويراً إنه نزوع ومغامرة،
الهدف منه رصد حركة الزمن واستجلاء أسراره، فأراد أن يكون شعره تعبيراً صادقاً عن
حقيقة العصر، وبوحاً جماعياً ينقل تجربته الذاتية التي تختزل الأنا الإنسانية
الجماعية، وتهدم صنمية الموروث، وتبث العالم من حولها حركة لا تنتهي تهدف إلى
الكشف الدائم.
بهذه الرؤيا رفض أبو نُواس الوقوف على
الأطلال، ونعت أصحاب هذه العادة بالأشقياء([17])، والصنميين والأغبياء([18])،
واختار لنفسه أمكنة روحية يسمو بها، ويتعتق. إنها أمكنة منزهة عن المحدودية،
واللمس، والدونية، والهدم والزوال([19]).
آمن أبو نُواس بتمايز العصور وخصوصيتها،
وحقق ذاته بالانتماء إلى عصرٍ جديد له حضارته الخاصة به، لـه إنسانه المختلف
بتفكيره وأساليب عيشه. "فلكل عصرٍ همومه ومشاكله، وقضاياه والإنسان مطالب في
كل عصر أن يواجه الحياة بما يلائمها من سلوك، ومن خلال هذه المواجهة تترسّخ قيم
العصر وتتبلور مثله([20])".
لذلك حرص على خلق نموذجٍ شعري ينقل
تجربته، ويرشح بصدق الشعور، وعمق المعاناة، مستخدماً أثواباً جديدة تستمد موادها
من أصالتها وتستمد دلالاتها من إيحاءات الحياة الجديدة، ثم تتفرد بصلاحيتها التي
لا تنتهي.
رفض، واخترع، وأبدع، وأسس لفتح جديد
هويته التمرّد والرفض بغية ترسيخ رؤية جديدة للكون والحياة، فالشعر عنده "فعل
حياتي يعوض عن نقصٍ شامل([21])". فجاء رفضه مقروناً
بمعرفة عميقة، ونظرة خاصة إلى الكون والحياة، وبثقافة علمية ودينية واجتماعية دعّم
نفسه بها، واستخدمها في حججه وبراهينه. وهذا ما أكّده ابن قتيبة، على شمولية علومه
ومعارفه، بقوله: "كان أبو نواس متفنناً في العلم، وقد ضرب في كل نوعٍ منه
بنصيب ونظر([22])".
فقدح بهذه العلوم طاقاته، وأبطل الفرضيات الخاطئة بالحجة والبراهين، فإن كان من
أصحاب النار لفسقه وفجوره، فلماذا أوجد الله الغفران، "وهل خلق الغفران إلا
لامرئ في الناس خاطئٍ([23])".
طوع أبو نواس ثقافته العلمية لخدمة
المعاني الشعرية، ومنحها صوراً أكثر إبداعاً وجمالاً ودلالة، فجدد وابتكر، وأضاف،
وسخر العلم لرمزية الشعر وعالمه اللامتناهي، فطلب أن يكون شفاؤه من المرض بتلقيحه
بشيء من ذاك الداء، بعد الامتناع عن اللوم، لأن شفاء المريض نفسياً يكون بالمداراة
واللين واللطف وليس بالقمع والتسلط([24]) فأكسب شعره ديمومة وحياة
واستمرارية..
منهجت علوم أبي نواس، اللغة الشعرية
ومنحتها رموزاً ودلالات لا حصر لها، جاعلاً من اللغة المتجددة معبراً يسلكه الشعر
النواسي ليخاطب أجيالاً مستقبلية، تعرّف إليها بالتواصل المعرفي الروحي، فجاءت
صوره متفتقة عن سموه الإنساني وموسومة بوحدة فنية مترابطة، وممهورة بصدق البوح
وحكمة الصفوة، ومنطق العالم، أثبت قدرتها على الحياة في كل زمانٍ ومكان. فكان شعره
تأصلاً، وتأصيلاً، واستشرافاً، أحدث زمناً تأسيسياً لحداثة متجددة، تهدف إلى تفعيل
قدرة الكشف عن الذات الإنسانية الكونية المحتجبة بأسرارها. فكان الشعر معه
"ضرورة ملحة، هي ضرورة السفر إلى أقاصي الكيان البشري والعيش في حالات روحية
نادرة، حيث يتلاقى الزمان والأبدية، وينفي كل من الخير والشر الآخر، وحيث لا يتميز
الذاتي عن الموضوعي، وحيث يصبح الوهم الذي تخلقه القصيدة أكثر الحقائق يقيناً([25])". |