مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 96 - السنة الرابعة والعشرون - كانون الأول 2004 - شوال 1425
Updated: Wednesday, April 06, 2005 10:57 AM
فهرس العدد
 

مسألة الخير والشر في أدب المعري ([1]) ـــ د.وحيد صبحي كبّابة

يرى بعضهم أنَّ "الأخلاق هي نظرية الخير والشر"([2])، ويطلق آخرون "لفظ القيمة في علم الأخلاق على ما يدل عليه لفظ الخير والشرّ([3])". وبذلك تكون دراستنا حول مسألة الخير والشر في صلب نظرية القيمة في علم الأخلاق.

والأدب غير منفصل عن الفلسفة والأخلاق، إذ بينهما "علاقة متينة ونسبة قريبة"([4])، بل إن الأدب "مفتاح القيم الروحية... ومن وظيفة الشعر أن يُعنى بالأخلاق والقيم المثلى"([5]). وبذلك، فإن الأدب الحقيقي هو الذي "يتغلغل في القيم الروحية، يمجدها وينشدها، ليرفع النفس البشرية إلى المثل العليا، والشاعر الحقيقي (هو الذي) يقف متأملاً في الكون وفي النفس الإنسانية"([6]).

والواقع أن الأدب العربي القديم غنيّ بهذا الأدب الذي يهتم بإنسانيات الإنسان. وإنما جاء ذلك "أبياتاً متفرقة هنا وهناك تحتاج إلى جمع شتاتها. أما الموضوعات المجردة فلم تخصّ بها قصائد مستقلة، لأن طبيعة القصيدة حينذاك ما كانت لتسمح بذلك"([7]).

هنا تكمن أهمية دراسة هذا الجانب عند أبي العلاء، فهو ـ فضلاً عن كونه "الشاعر العربي الوحيد الذي أكبّ على الفلسفة باحثاً فيها، متعمقاً، متأملاً في الكون وفي الوجود"([8])، خرج في هذه الموضوعات على حدود البيت الواحد، حتى بتنا نجد له لزوميات كاملة يعالج كل منها موضوعاً فكرياً واحداً([9]).

ولعلّ لطبيعة الحياة الاجتماعية الفاسدة في عصره أثراً بعيداً في بروز هذا الاتجاه الفكري الإنساني لديه([10]). "وقد جاء في الحق بما لم يسبقه أحد إليه، إذ عمد إلى قلب لائحة القيم التي آمن بها الناس وعملوا من أجلها قبله، ولم يستثنِ إلا القولَ بوجود الإلـه"([11]).

هذا، ويبدو أن النقد أيضاً تطور في هذا الاتجاه القيمي، فيرى عبد القاهر في أسرار البلاغة "أن خير الشعر ما دلّ على حكمة يقبلها العقل، وأدب يُحَبّ به الفضل، وموعظة تروّض جماح الهوى"([12]).

فهو يعترف "بطريقة غير مباشرة بأن خير الأدب ما حرّكَ الأخلاق، ونشّط العقل، وأبرز العواطف الإنسانية. لذلك اعتبرنا عبد القاهر أول من اهتمّ بالأدب من ناحيته الروحية والإنسانية"([13]).

نتوقف بعد ذلك عند مفهوم الخير في الشعر العربي والقرآن الكريم. فقد جاء في (معجم ألفاظ القيم الأخلاقية وتطوّرها الدلالي): "الخير ضدّ الشرّ، وهو اسم جامع لكلّ شيء ممدوح وجمعه خُيور، ورجلٌ خَيرٌ وخَيِّرٌ: مُشدَّد ومُخفَّف والجمع أخيار وخيور، وكأنهم أرادوا أن يفرّقوا بين الخير بالمعنى المذكور وبين الخير بمعنى الكرم والشرف والمروءة فكسروا الخاء في الأخيرة وقالوا: (فلان حسن الخِير) أي حسن الهيئة والمروءة، وقد نقل ابن دريد عن أبي عبيدة أن لفظة الخير فارسي معرَّب"([14]).

فإذا كثر ورود لفظة الخير في الشعر الجاهلي مُصاحِبة لألفاظ العطاء ودالةً عليه، فإنها وردت في القرآن الكريم في (189) آية. "وقد استحدث الاستعمال القرآني دلالات جديدة للّفظة لم تكن معروفة في لغة الشعر الجاهلي نظراً لتغيُّر المجتمع وطبيعة مفاهيمه، ومن هذه الدلالات: الوحي والقرآن والإسلام ـ الإيمان ـ المال ـ الإصلاح والصلاح ـ الرفاء والنعمة والعافية ـ الإطعام والطعام ـ المال والصدقة ـ المنافع والأجر ـ النوافل ـ الظفر ـ الخيل ـ العفة وحسن الأدب ـ الخير المضاد للشر ـ أفعل التفضيل بمعنى أفضل ـ القوة"([15]).

ويُلاحِظ كمال اليازجي أنه "كثيراً ما تلتبس لفظة (الفضيلة) عند شعراء العرب بلفظة (الخير). إلاّ أن الفلاسفة العرب، لا سيما الأخلاقيين، ميّزوا بينهما تمييزاً واضحاً. وممّا يؤخذ من كلام مسكويه في تهذيب الأخلاق أن فضيلة الشيء هي الصفة الممدوحة فيه. ففضيلة الشهوة العفة أي حالتها الفضلى، وأما الخير فهو ما تتجه الفضيلة إلى تحقيقه"([16]).

ورغبة منا في تبسيط عرض هذا الموضوع الشائك سنقسّمه إلى خمس محطّات:

المحطّة الأولى

نقف في هذه المحطة عند رائية المعري قائلاً:

وكُلُّ الأَنام هَجينُ الفِعالِ

 

فأينَ يُصابُ الجوادُ المُبِرْ

ونفسَكَ عُقّ بتركِ الشّرور

 

فإنّ عُقوقَك للنفسِ بِر

سألنا المعاشرَ عن خَيرِهمْ

 

فقالوا بغير اكترِاثٍ: قُبِر

وقُلنا فكيفَ أتاه الحِمامُ:

 

أعاجَلَهُ بَغتةً أَم صُبِر؟

فقالوا: تمادى به وَقتُهُ

 

وأدركَه الموتُ لمّا كَبِر

وغادرَ في أهلِهِ ثروةً

 

ومالاً أُذِيعَ ونخلاً أُبِرْ

فلا يُسقطِ الدمعَ سِقطُ اللِّوى

 

ولا تَدَّكرْ حَبْرَةٌ في حِبرِ

ولكنني أستعينُ المليكَ

 

وإنْ يأتِني حادثٌ أصطَبِر

ودُنيايَ ألقى بطولِ الهوانِ

 

وهل هيَ إلاَّ كجِسرٍ عُبِر؟([17])

الشرور هي التي تحكم الإنسانَ وتسيّره وتَسِمُ أعماله([18]). فالشرّ غريزة متأصّلة فينا:

والشرُّ في الجَدِّ القديم غريزةٌ،

 

في كلِّ نفسٍ منه عِرقٌ ضارِبُ([19])

وهو عامٌّ في البِشر جميعاً، مكاناً وزماناً:

هو الشرُّ قد عَمَّ في العالمِينَ

 

أهلُ الوُهودِ وأهلَ الذُّرى([20])

ولن يزول ما دام هذا الكون قائماً:

ما دام في الفَلَك المَرّيخُ أو زُحَلٌ

 

فما يزالُ عُبابُ الشرِّ يلتطمُ([21])

أما الخيرُ فمعدوم([22]) أدركه الموت. فإن وُجِدَ فمكتسَب لا أصيل:

والخيرُ بين الناس رسمٌ دارسٌ

 

والشرُّ نهجٌ في البريةِ مَعلَمُ

طَبعٌ خُلِقْتَ عليه ليس بزائلٍ

 

طولَ الحياةِ، وآخرٌ مُتَعَلَّمُ([23])

والحلّ كما بدا في هذه المحطة يكمن في أن تُعَقَّ النفسُ([24])، فهي شرٌ من الأعداء كلهم([25])، وفي التحلّي بالصبر على المكاره، والاتكال على الله تعالى، والزهد في العالم([26]).

المحطة الثانية

نقف في هذه المحطة مع لاميته التي يقول فيها:

فَسْلٌ أبو عالمنا آدمُ

 

ونحنُ من والدنا أَفسَلُ

والخيرُ محبوبٌ، ولكنَّهُ

 

يَعجَزُ عنه الحيُّ أو يَكسَل

والأرضُ للطُّوفان مشتاقةٌ

 

لعلّها من دَرَنٍ تُغسَلُ

قد كَثُرَ الشرُّ على ظَهرِها

 

واتُهِم المُرسِلُ والمُرسَلُ

وأَمقَرَتْ أفعالُ سُكّانها

 

فهُمْ ذِئابٌ في الغَضا عُسَّلُ

فَأْتِ جميلاً لم يَقَعْ يأسُنا

 

من أنَّهُ يوماً به يُوسَلُ([27])

فالشرّ موروث في البشر، أما الخير فمحبوب. وإنّما عَجَزَ الإنسان عنه، فكانت النتيجة كثرة الشرور على الأرض، حتى أصابت الناس كلَّهمُ.

هذا التواني هو سبب الشر. فإذا ما همَّ الناسُ بفعل الخير، دفعهم التسويف وحبُّ الحياة إلى الإرجاء... لا يستيقظون من سباتهم هذا إلا وداعي الموت يدعوهم، ولكن هيهات:

نرجو الحياةَ، فإن همَّت هواجسُنا

 

بالخير قال رجاءُ العيشِ إرجاءَ

وما نُفيقُ من السُّكر المحيط بنا

 

إلاَّ إذا قيل هذا الموتُ قد جاءَ([28])

وللشر أسباب أخرى غيرُ هذا الدافع النفسي اللاشعوري الداعي إلى التمسك بالحياة. ومن هذه الدواعي: كثرة الناس. فقد بلغت الشرور من الكثرة والقبح ما لو تجسدت حِملاً على ظهر البعير لما نهض به. وما سبب ذلك إلاَّ كثرة الناس.

لوَ أنَّ القبيحَ لـه جثّةٌ

 

وحُمِّلَهُ بازلٌ لم يَثُرْ

إذا كَثُرَ الناسُ شاعَ الفسادُ

 

كما فَسَدَ القَولُ لما كَثُر([29])

والسبب الثاني هو طلب المعالي:

والشرُّ يجلبُهُ العَلاءُ، وكم شَكا

 

نبأً عَليٌّ ما اشتكاهُ قَنبَرُ([30])

ومما يتصل بطلب المعالي طلب المستحيل وهو سبب ثالث:

لقد ترفَّعَ فوقَ المشتري زُحَلٌ

 

فأصبَحَ الشرُّ فينا ظاهرَ الغَلَبِ

ولِمْ طلبتَ أموراً لستَ مدركَها

 

ـ تباركَ اللهُ ـ مَن أغراكَ بالطلب؟([31])

لقد تغلّب الشر على الخير، فبات زُحَل رمزُ الشر فوقَ المشتري رمزِ الخير. وما سبب ذلك إلاَّ رغبةُ النفس البشرية في المستحيل. ولعلّ هذا هو سبب قلق البشرية وتعاستها.

والابتعادُ عن الدين وقسوة القلوب وعقوقُ النفوس سببٌ رابع:

كأن قلوبَ القومِ منّا جنادِلٌ

 

فليسَ لها عندَ الأمورِ حَصاةُ

إذا ما ادّعَوا للهِ خوفاً وطاعةً

 

فلا ريبَ أن المدّعينَ عُصاةُ

وأوصاهُمُ أهلُ الأمانة والتُّقى

 

فما حُفِظَت بعدَ المغيبِ وصاةُ([32])

أما السبب الخامس فيعود إلى الشهوة: شهوة العين والنفس والجنس. هذا ما تدفعنا إليه طبيعتنا البشرية الفاسدة المُفسِدة:

سُبحانَ من ألهمَ الأجناسَ كُلَّهمُ

 

أَمراً يقود إلى خَبْلٍ وتَخبيلِ

لَحْظُ العيونِ وأهواءَ النفوسِ وأهْـ

 

ـواء الشِّفاهِ إلى لثمٍ وتقبيل([33])

ويُعَدّ السبب السادس أهم دواعي الشرور، إنه إلغاء العقل وتغييبه. لهذا حذّر المعري من شرب الخمرة:

وشاربُ الخمر يُلفى من غِوايتِهِ

 

كأنّ ماردَ جِنّانٍ به سَلكَا

تُغَيِّرُ العقلَ حتى يَستجيرَ به

 

مدَّ اليمينِ لكيما تقبِضَ الفَلَكا([34])

ولهذا صلة بنزعة المعري العقلية، ففعل الخير عند العاقل يَصنع المعجزات:

ما جُلِبَ الخيرُ إلى

 

صاحبِ عقلٍ فكَسَدْ([35])

وهكذا كان فعلُ الجميل هو الحلُّ للخلاص من الشرور:

فَأْتِ جميلاً لم يَقَع يأسُنا

 

من أنّهُ يوماً به يُوسَلُ

والمعري واثق من ثماره متفائل بها.

فإذا ما سألناه عن مصدر الشر وسببه، ردّهما إلى الدهر والمادة. فالشرُّ عنده "لا يُنسب إلى الله أبداً، بل ينسب إلى الدهر والمادة:

كذب الذي نسب القبيحَ إلى الذي

 

خلق الأنام وخَطَّ في برسامه

... فالإله خير وكمال، والعالم شرّ ونقص، ولولا تيار الزمان الذي عكّر صفو الوجود لما تولّد الشر. ولا خوف على مصير الإنسان؛ لأنه يستطيع أن يتغلب على الشر بإتباعه العقل وإيمانه بالله وثقته بعدله وكماله. والدهر لا عقل له، أما الله فهو كما قالت الفلاسفة عقل محض، ومن اتّبع عقله فقد تشبّه بالله"([36]).

لكن حقيقة الوجود ليست شرّاً مطلقاً، وإلا لنسب المعري الشر إلى الله([37]). والله "لا يصدر عنه إلاَّ الخير، ولا يريد لعباده إلاَّ الرحمة والعدل"([38]).

وقبل أن نغادر هذه المحطة نحبّ أن نقف عند صلة العقل بالخير عند المعري، وهو الداعي إلى "دين جديد منبثق من فضائل الأديان، وحاكم جديد، هو العقل"([39]). فهو خير نصيح ومشير، لهذا وجب إتباع ما يراه:

عليك العقلَ فافعلْ ما رآه

 

جميلاً فهو مُشتار الشّوارِ([40])

فالعقل إمامه إلى فعل الخير:

سأتبع من يدعو إلى الخير جاهداً

 

وأرحل عنها، ما إمامي سوى عقلي([41])

وما صراع الوجود إلا صورة لصراع العقل والطبيعة الفاسدة:

نهاني عقلي عن أمور كثيرةٍ

 

وطبعي إليها بالغريزة جاذبي([42])

فإذا كان الحل في العقل، فإن العقل وحده غير كاف لبلوغ السعادة. هذا ما يراه الشيخ محمد عبده: "العقل وحده لا يستقل بالوصول إلى ما فيه سعادة الأمم بدون مرشد إلهي، كذلك الدين هو حاسة عامة لكشف ما يشتبه على العقل من وسائل السعادات، والعقل هو صاحب السلطة في معرفة تلك الحاسة وتعريفها"([43]).

المحطة الثالثة

نقف هنا مع لامية أخرى يقول فيها:

لم يَسقِكُم ربُّكُمْ عن حُسنِ فِعلِكُمْ

 

ولا حَماكُمْ غَماماً سوءُ أَعمالِ

وإنما هِيَ أقدارٌ مُرتَّبةٌ

 

ما عُلِّقَتْ بإساءاتٍ وإجمالِ

دَليلُ ذلك أنّ الحُرَّ أَعوَزَهُ

 

قوتٌ، وأنّ سِواهُ فازَ بالمال

فأَمِّلُوا اللهَ، وارجُوا منه عاقبةً

 

فليسَ دُنياكُمُ أهلاً لآمالِ([44])

إنّ المعري في هذه الأبيات يَفصِل بين فعل البشر وأحوال القدر. فما يُصيبنا إنما هو قدر لإثوابٌ على إحساننا ولا جزاءٌ على عقولنا... وكأنه بذلك يدعو إلى صنع الخير لذاته لإرجاء ثواب أو خشية عقاب. فإن أتينا الشرور فلنا الأمل به تعالى يغفر لنا زلاتنا. وهذا كلام مُوَجَّه أيضاً إلى من تعلَّقت آماله بدنياه.

هذه الدعوة إلى صنع الخير لذاته نجدها صريحة في قوله:

فنزِّه جميلاً جئتَهُ عن جِزايةٍ

 

تُؤَمَّلُ، أو رِبحٍ، كأنكَ تاجرُ([45])

المحطة الرابعة

نعالج فيها طبيعة الخير والشر عند المعري، وسبل الخلاص من الفساد. فالخير عنده لا يقتصر على الفعل، إذ ينبغي أن يقترن العمل بنيّة الفعل، دون انتظار جزاء:

كُن صاحبَ الخيرِ تنويه وَتفعلُهُ

 

مع الأنامِ على ألاّ يدينوكا([46])

والمعري في ذلك متفق مع ما ذهب إليه علماء الأخلاق الذين يرفضون الحكم بالخير على الأعمال الصالحة كلها. فالأعمال الإرادية "هي التي يُحكم عليها بأنها خير أو شرّ، ويُحاسب الإنسان على ما أتاه منها"([47]).

ويستتبع القولُ باقتران العمل بنية الفعل القولَ بالحرية. "فالخيرية لا بدّ من أن تكون وليدة الحرية"([48])، وعليه "فالإرادة التي لم يعد في استطاعتها أن تختار شيئاً سوى الخير لن تكون إرادة خلقية على الإطلاق"([49]).

ومن غريب الأمور عند المعري أن الشرّ على بشاعته ظاهر للعِيان علناً، في حين يبقى الخير خفيَّاً:

والشرُّ مشتهِرُ المكان مُعَرَّفٌ

 

والخيرُ يُلمَح من وراءِ خِمارِ([50])

فإذا كان من الناس أبرار وأشرار:

كذاك بنو حوّاءَ بَرٌ وفاجِرٌ

 

ولا بُدَّ للأيام من هَفَواتِ([51])

وكان أشرارُهم أكثرَ من أخيارهم:

أمّا إذا ما دعا الداعي لمَكرُمةٍ

 

فهم قليلٌ، ولكنْ في الأذى حُشُدُ([52])

فإنّ الخيرَ والشر مجتمعان في النفس الواحدة:

أَلاَ إنّ أخلاقَ الفتى كَزَمانِهِ

 

فمنهنّ بيضٌ، في العيون، وسودُ([53])

ولا عجبَ، فالشرّ والخير عنده ممتزجان امتزاج الصابِ والعسلِ:

والخيرُ والشرُّ ممزوجان ما افترقا

 

فكلُّ شَهدٍ عليه الصابُ مَذرورُ([54])

ولكلٍّ من الخير والشر ثماره، فالشرّ يُورِثُ الضلال، والخيرُ يورث الفوز:

وتُضِلُّ أفعالُ الشرورِ جُناتَها

 

وتفوزُ بالخيراتِ مُصطنِعاتُها([55])

وربما وُلِد الأمر من نقيضه:

رُبَّ خَفضٍ أتاك من بَعد بأساءَ

 

وبؤسٍ لَقيتَهُ غِبَّ خَفضِ([56])

فالخير قد يؤدّي إلى الشرّ:

والخيرُ يَجلُبُ شَرَّاً، والذبابُ دعا

 

إلى الجَنَى، إنه في الطَّعمِ قِنديدُ([57])

وما جَهِلَ الحيُّ من عامِرِ

 

سرورَ النسورِ بقتلى النِّسارِ([58])

ففرحُ النسور مقرونٌ بشرور القتال.

وربّما، أخيراً، حظي الأشرار بالخيرات دون الأبرار:

يئِستُ من انتِصافِ الحُرِّ لمّا

 

رأيتُ الخيرَ وُفَِّرَ للشِّرارِ([59])

ليس في هذا الكلام خلَط، وإنما هي طبيعة الحياة. والمعري يسجّل بأمانة همومَ نفسه وقلقَه الوجودي تجاه ما خبره من الناس والدنيا، ليخرج فيما بعد بخلاصة رأيه في الأمر، راسماً طريق الخلاص، داعياً إلى الخير عامة، ولو سِرَّاً:

أَسرِرْ جَميلَكَ، وافعَلْ ما هَمَمتَ به

 

إنّ المليكَ على الأسرارِ مُطَّلِعُ([60])

وتستوقفنا هنا تلك الدعوة إلى إسرار الجميل، وكان من قبل قد لمّح إلى استتار الخير وسفور الشرور‍‍!!

فإذا قصَّر الإنسان عن فعل الخير، فأقلُّه الامتناعُ عن ارتكاب الشرور:

وإن عَجزتَ عن الخيراتِ تَفعلُها

 

فلا يَكُن دون تركِ الشرِّ إعجازُ([61])

بل يكفيه من فعل الخير اسمه:

عليكَ بفعلِ الخيرِ، لو لم يكن لـه

 

من الفضلِ إلا حُسْنُهُ في المسامعِ([62])

ففعل الخير لا يَعدِله فِعل، والمثوبة عليه تجارة رابحة:

ولن تلقى كفِعلِ الخيرِ فعلاً

 

ولا مِثلَ المَثُوبةِ رِبحَ تَجْرِ

توقَّع بعد هذا الغَيِّ رُشداً

 

فمِن بعد الظلام ضِياءُ فَجرِ([63])

والتفاؤل واضح في البيت الثاني، ومن تجلياته أيضاً القول بخلود الخير وآثاره:

الجِسم كالصُّفر يكسوه الثرى صَدأً

 

والخيرُ كالتِّبرِ لا يدنو لـه الدَّنَسُ

لو دامَ في الأرضِ عُمرَ الدهرِ مُختَزَناً

 

لما تغيَّر عمَّا يَعهَدُ الأَنَسُ([64])

ومهما طال الأمر فلا بد للخير أن يأتي:

والخيرُ قد يأتي أخيراً، مثلَ ما

 

أجناكَ يَنعُ النّخلةِ المِئخارِ([65])

والدعوة إلى الخير ذات بعد تربوي اجتماعي، فهو يُعدي على فعله:

إنْ ما طَلَتْكَ الليالي بالذي وَعَدَتْ

 

فالجودُ يُشَعر تنغيصاً إذا مُطِلا

والخيرُ يُعدي كغادي مُزنةٍ هَطَلَتْ

 

أرضاً، فلمّا رآها رائحٌ هَطَلا([66])

هذا، والدعوة إلى الخير عند المعري متصلة بنزعته العقلية، فالخير عنوان العقل:

من أرادَ الخيرَ فليَعمَد لَهُ

 

فعليه لِذوي اللُّبِّ عَلَمْ([67])

متى أداك خيرٌ فافعليهِ

 

وقولي إن دعاك البِرُّ: آرا([68])

 



([1]) ممن درسوا هذا الموضوع: ـ جميل صليبا، في (فكرة الخير في فلسفة أبي العلاء)، ضمن أعمال المهرجان الألفي لأبي العلاء، دمشق 1945، محيي الدين صبحي، في كتابه (دراستان).

([2]) المشكلة الخلقية 14.

([3]) معجم ألفاظ القيم الأخلاقية 13.

([4]) القيم الروحية في الشعر العربي 28.

([5]) م. ن 35، 38.

([6]) م. ن، 32.

([7]) م. ن، 164.

([8]) م. ن، 61.

([9]) سأدرس في هذه المقالة أيضاً ما ورد في (الفصول والغايات).

([10]) انظر: القيم الروحية في الشعر العربي 135، 138.

([11]) الفضائل العربية: 181.

([12]) نقلاً عن: القيم الروحية 55.

([13]) القيم الروحية 55 ـ 56.

([14]) معجم ألفاظ القيم الأخلاقية 150.

([15]) م. ن 151 ـ 152.

([16]) الأضواء الخلقية في الشعر العربي 110.

([17]) لزوم ما لا يلزم بشرح اليازجي 1/ 521.

([18]) انظر البيت الأول.

([19])  لزم ما لا يلزم بشرح اليازجي 1/ 93.

([20]) م. ن 1/ 72.

([21]) م. ن بشرح كبابه وحمد 2/ 327.

([22]) انظر البيت الثاني.

([23]) لزوم ما لا يلزم بشرح كبابه وحمد 2/ 333.

([24])انظر البيت الثاني.

([25]) يقول في ذلك:

والنفسُ شَرٌّ من الأعداء كلّهمُ

 

فإن خَلتْ بك يوماً، فاحترز فَرَقَا

(لزوم ما لا يلزم بشرح كبابه وحمد 2/ 99).

([26]) انظر البيتين 8 ـ 9.

([27]) م. ن بشرح اليازجي 1/61.

([28]) م. ن، 1/519.

([29]) م. ن، 1/519.

([30]) م. ن 1/365.

([31]) م. ن 1/129 ـ 130.

([32]) م. ن 1/ 161.

([33]) م. ن بشرح كبابه وحمد 2/ 225.

([34]) م. ن بشرح اليازجي 2/123.

([35]) م. ن 1/ 326.

([36]) فكرة الخير في فلسفة أبي العلاء 210.

([37]) م. ن 211.

([38]) م. ن 212.

([39]) القيم الروحية 174.

([40]) زجر النابح 98.

([41]) لزوم ما لا يلزم بشرح كبابه وحمد 2/ 231.

([42]) م. ن 1/128.

([43])  القيم الروحية 24.

([44]) لزوم ما لا يلزم بشرح كبابه وحمد 2/ 253.

([45]) م. ن بشرح اليازجي 1/ 345.

([46]) م. ن 2/ 126.

([47]) كتاب الأخلاق 12 ـ 13.

([48]) المشكلة الخلقية 32.

([49]) م. ن 38.

([50]) لزوم ما لا يلزم بشرح اليازجي 1/ 482.

([51]) م. ن 1/ 183.

([52]) م. ن 1/ 260.

([53]) م. ن 1/ 255.

([54])م. ن 1/ 358 وترى إحسان الملائكة أن أبا العلاء في هذا البيت متأثر بهيراقليطس (ص 15 ـ 16).

([55]) م. ن 1/ 173.

([56]) م. ن 1/ 61.

([57]) م. ن 1/ 270.

([58]) م. ن 1/ 505.

([59]) م. ن 1/ 468.

([60]) م. ن 2/26.

([61]) م. ن 1/ 524.

([62]) م. ن 2/ 38.

([63]) م. ن 1/ 462.

([64]) م. ن 1/ 551.

([65]) م. ن 1/ 494.

([66]) م. ن بشرح كبابه وحمد 2/ 204.

([67]) م. ن 2/ 424.

([68]) م. ن بشرح اليازجي 1/ 70.

 

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244