|
||||||
| Updated: Wednesday, April 06, 2005 10:57 AM | ||||||
| فهرس العدد |
مسألة الخير والشر في أدب المعري ([1]) ـــ د.وحيد صبحي كبّابةيرى بعضهم أنَّ "الأخلاق هي نظرية الخير والشر"([2])، ويطلق آخرون "لفظ القيمة في علم الأخلاق على ما يدل عليه لفظ الخير والشرّ([3])". وبذلك تكون دراستنا حول مسألة الخير والشر في صلب نظرية القيمة في علم الأخلاق. والأدب غير منفصل عن الفلسفة والأخلاق، إذ بينهما "علاقة متينة ونسبة قريبة"([4])، بل إن الأدب "مفتاح القيم الروحية... ومن وظيفة الشعر أن يُعنى بالأخلاق والقيم المثلى"([5]). وبذلك، فإن الأدب الحقيقي هو الذي "يتغلغل في القيم الروحية، يمجدها وينشدها، ليرفع النفس البشرية إلى المثل العليا، والشاعر الحقيقي (هو الذي) يقف متأملاً في الكون وفي النفس الإنسانية"([6]). والواقع أن الأدب العربي القديم غنيّ بهذا الأدب الذي يهتم بإنسانيات الإنسان. وإنما جاء ذلك "أبياتاً متفرقة هنا وهناك تحتاج إلى جمع شتاتها. أما الموضوعات المجردة فلم تخصّ بها قصائد مستقلة، لأن طبيعة القصيدة حينذاك ما كانت لتسمح بذلك"([7]). هنا تكمن أهمية دراسة هذا الجانب عند أبي العلاء، فهو ـ فضلاً عن كونه "الشاعر العربي الوحيد الذي أكبّ على الفلسفة باحثاً فيها، متعمقاً، متأملاً في الكون وفي الوجود"([8])، خرج في هذه الموضوعات على حدود البيت الواحد، حتى بتنا نجد له لزوميات كاملة يعالج كل منها موضوعاً فكرياً واحداً([9]). ولعلّ لطبيعة الحياة الاجتماعية الفاسدة في عصره أثراً بعيداً في بروز هذا الاتجاه الفكري الإنساني لديه([10]). "وقد جاء في الحق بما لم يسبقه أحد إليه، إذ عمد إلى قلب لائحة القيم التي آمن بها الناس وعملوا من أجلها قبله، ولم يستثنِ إلا القولَ بوجود الإلـه"([11]). هذا، ويبدو أن النقد أيضاً تطور في هذا الاتجاه القيمي، فيرى عبد القاهر في أسرار البلاغة "أن خير الشعر ما دلّ على حكمة يقبلها العقل، وأدب يُحَبّ به الفضل، وموعظة تروّض جماح الهوى"([12]). فهو يعترف "بطريقة غير مباشرة بأن خير الأدب ما حرّكَ الأخلاق، ونشّط العقل، وأبرز العواطف الإنسانية. لذلك اعتبرنا عبد القاهر أول من اهتمّ بالأدب من ناحيته الروحية والإنسانية"([13]). نتوقف بعد ذلك عند مفهوم الخير في الشعر العربي والقرآن الكريم. فقد جاء في (معجم ألفاظ القيم الأخلاقية وتطوّرها الدلالي): "الخير ضدّ الشرّ، وهو اسم جامع لكلّ شيء ممدوح وجمعه خُيور، ورجلٌ خَيرٌ وخَيِّرٌ: مُشدَّد ومُخفَّف والجمع أخيار وخيور، وكأنهم أرادوا أن يفرّقوا بين الخير بالمعنى المذكور وبين الخير بمعنى الكرم والشرف والمروءة فكسروا الخاء في الأخيرة وقالوا: (فلان حسن الخِير) أي حسن الهيئة والمروءة، وقد نقل ابن دريد عن أبي عبيدة أن لفظة الخير فارسي معرَّب"([14]). فإذا كثر ورود لفظة الخير في الشعر الجاهلي مُصاحِبة لألفاظ العطاء ودالةً عليه، فإنها وردت في القرآن الكريم في (189) آية. "وقد استحدث الاستعمال القرآني دلالات جديدة للّفظة لم تكن معروفة في لغة الشعر الجاهلي نظراً لتغيُّر المجتمع وطبيعة مفاهيمه، ومن هذه الدلالات: الوحي والقرآن والإسلام ـ الإيمان ـ المال ـ الإصلاح والصلاح ـ الرفاء والنعمة والعافية ـ الإطعام والطعام ـ المال والصدقة ـ المنافع والأجر ـ النوافل ـ الظفر ـ الخيل ـ العفة وحسن الأدب ـ الخير المضاد للشر ـ أفعل التفضيل بمعنى أفضل ـ القوة"([15]). ويُلاحِظ كمال اليازجي أنه "كثيراً ما تلتبس لفظة (الفضيلة) عند شعراء العرب بلفظة (الخير). إلاّ أن الفلاسفة العرب، لا سيما الأخلاقيين، ميّزوا بينهما تمييزاً واضحاً. وممّا يؤخذ من كلام مسكويه في تهذيب الأخلاق أن فضيلة الشيء هي الصفة الممدوحة فيه. ففضيلة الشهوة العفة أي حالتها الفضلى، وأما الخير فهو ما تتجه الفضيلة إلى تحقيقه"([16]). ورغبة منا في تبسيط عرض هذا الموضوع الشائك سنقسّمه إلى خمس محطّات: المحطّة الأولىنقف في هذه المحطة عند رائية المعري قائلاً:
الشرور هي التي تحكم الإنسانَ وتسيّره وتَسِمُ أعماله([18]). فالشرّ غريزة متأصّلة فينا:
وهو عامٌّ في البِشر جميعاً، مكاناً وزماناً:
ولن يزول ما دام هذا الكون قائماً:
أما الخيرُ فمعدوم([22]) أدركه الموت. فإن وُجِدَ فمكتسَب لا أصيل:
والحلّ كما بدا في هذه المحطة يكمن في أن تُعَقَّ النفسُ([24])، فهي شرٌ من الأعداء كلهم([25])، وفي التحلّي بالصبر على المكاره، والاتكال على الله تعالى، والزهد في العالم([26]). المحطة الثانيةنقف في هذه المحطة مع لاميته التي يقول فيها:
فالشرّ موروث في البشر، أما الخير فمحبوب. وإنّما عَجَزَ الإنسان عنه، فكانت النتيجة كثرة الشرور على الأرض، حتى أصابت الناس كلَّهمُ. هذا التواني هو سبب الشر. فإذا ما همَّ الناسُ بفعل الخير، دفعهم التسويف وحبُّ الحياة إلى الإرجاء... لا يستيقظون من سباتهم هذا إلا وداعي الموت يدعوهم، ولكن هيهات:
وللشر أسباب أخرى غيرُ هذا الدافع النفسي اللاشعوري الداعي إلى التمسك بالحياة. ومن هذه الدواعي: كثرة الناس. فقد بلغت الشرور من الكثرة والقبح ما لو تجسدت حِملاً على ظهر البعير لما نهض به. وما سبب ذلك إلاَّ كثرة الناس.
والسبب الثاني هو طلب المعالي:
ومما يتصل بطلب المعالي طلب المستحيل وهو سبب ثالث:
لقد تغلّب الشر على الخير، فبات زُحَل رمزُ الشر فوقَ المشتري رمزِ الخير. وما سبب ذلك إلاَّ رغبةُ النفس البشرية في المستحيل. ولعلّ هذا هو سبب قلق البشرية وتعاستها. والابتعادُ عن الدين وقسوة القلوب وعقوقُ النفوس سببٌ رابع:
أما السبب الخامس فيعود إلى الشهوة: شهوة العين والنفس والجنس. هذا ما تدفعنا إليه طبيعتنا البشرية الفاسدة المُفسِدة:
ويُعَدّ السبب السادس أهم دواعي الشرور، إنه إلغاء العقل وتغييبه. لهذا حذّر المعري من شرب الخمرة:
ولهذا صلة بنزعة المعري العقلية، ففعل الخير عند العاقل يَصنع المعجزات:
وهكذا كان فعلُ الجميل هو الحلُّ للخلاص من الشرور:
والمعري واثق من ثماره متفائل بها. فإذا ما سألناه عن مصدر الشر وسببه، ردّهما إلى الدهر والمادة. فالشرُّ عنده "لا يُنسب إلى الله أبداً، بل ينسب إلى الدهر والمادة:
... فالإله خير وكمال، والعالم شرّ ونقص، ولولا تيار الزمان الذي عكّر صفو الوجود لما تولّد الشر. ولا خوف على مصير الإنسان؛ لأنه يستطيع أن يتغلب على الشر بإتباعه العقل وإيمانه بالله وثقته بعدله وكماله. والدهر لا عقل له، أما الله فهو كما قالت الفلاسفة عقل محض، ومن اتّبع عقله فقد تشبّه بالله"([36]). لكن حقيقة الوجود ليست شرّاً مطلقاً، وإلا لنسب المعري الشر إلى الله([37]). والله "لا يصدر عنه إلاَّ الخير، ولا يريد لعباده إلاَّ الرحمة والعدل"([38]). وقبل أن نغادر هذه المحطة نحبّ أن نقف عند صلة العقل بالخير عند المعري، وهو الداعي إلى "دين جديد منبثق من فضائل الأديان، وحاكم جديد، هو العقل"([39]). فهو خير نصيح ومشير، لهذا وجب إتباع ما يراه:
فالعقل إمامه إلى فعل الخير:
وما صراع الوجود إلا صورة لصراع العقل والطبيعة الفاسدة:
فإذا كان الحل في العقل، فإن العقل وحده غير كاف لبلوغ السعادة. هذا ما يراه الشيخ محمد عبده: "العقل وحده لا يستقل بالوصول إلى ما فيه سعادة الأمم بدون مرشد إلهي، كذلك الدين هو حاسة عامة لكشف ما يشتبه على العقل من وسائل السعادات، والعقل هو صاحب السلطة في معرفة تلك الحاسة وتعريفها"([43]). المحطة الثالثةنقف هنا مع لامية أخرى يقول فيها:
إنّ المعري في هذه الأبيات يَفصِل بين فعل البشر وأحوال القدر. فما يُصيبنا إنما هو قدر لإثوابٌ على إحساننا ولا جزاءٌ على عقولنا... وكأنه بذلك يدعو إلى صنع الخير لذاته لإرجاء ثواب أو خشية عقاب. فإن أتينا الشرور فلنا الأمل به تعالى يغفر لنا زلاتنا. وهذا كلام مُوَجَّه أيضاً إلى من تعلَّقت آماله بدنياه. هذه الدعوة إلى صنع الخير لذاته نجدها صريحة في قوله:
المحطة الرابعةنعالج فيها طبيعة الخير والشر عند المعري، وسبل الخلاص من الفساد. فالخير عنده لا يقتصر على الفعل، إذ ينبغي أن يقترن العمل بنيّة الفعل، دون انتظار جزاء:
والمعري في ذلك متفق مع ما ذهب إليه علماء الأخلاق الذين يرفضون الحكم بالخير على الأعمال الصالحة كلها. فالأعمال الإرادية "هي التي يُحكم عليها بأنها خير أو شرّ، ويُحاسب الإنسان على ما أتاه منها"([47]). ويستتبع القولُ باقتران العمل بنية الفعل القولَ بالحرية. "فالخيرية لا بدّ من أن تكون وليدة الحرية"([48])، وعليه "فالإرادة التي لم يعد في استطاعتها أن تختار شيئاً سوى الخير لن تكون إرادة خلقية على الإطلاق"([49]). ومن غريب الأمور عند المعري أن الشرّ على بشاعته ظاهر للعِيان علناً، في حين يبقى الخير خفيَّاً:
فإذا كان من الناس أبرار وأشرار:
وكان أشرارُهم أكثرَ من أخيارهم:
فإنّ الخيرَ والشر مجتمعان في النفس الواحدة:
ولا عجبَ، فالشرّ والخير عنده ممتزجان امتزاج الصابِ والعسلِ:
ولكلٍّ من الخير والشر ثماره، فالشرّ يُورِثُ الضلال، والخيرُ يورث الفوز:
وربما وُلِد الأمر من نقيضه:
فالخير قد يؤدّي إلى الشرّ:
ففرحُ النسور مقرونٌ بشرور القتال. وربّما، أخيراً، حظي الأشرار بالخيرات دون الأبرار:
ليس في هذا الكلام خلَط، وإنما هي طبيعة الحياة. والمعري يسجّل بأمانة همومَ نفسه وقلقَه الوجودي تجاه ما خبره من الناس والدنيا، ليخرج فيما بعد بخلاصة رأيه في الأمر، راسماً طريق الخلاص، داعياً إلى الخير عامة، ولو سِرَّاً:
وتستوقفنا هنا تلك الدعوة إلى إسرار الجميل، وكان من قبل قد لمّح إلى استتار الخير وسفور الشرور!! فإذا قصَّر الإنسان عن فعل الخير، فأقلُّه الامتناعُ عن ارتكاب الشرور:
بل يكفيه من فعل الخير اسمه:
ففعل الخير لا يَعدِله فِعل، والمثوبة عليه تجارة رابحة:
والتفاؤل واضح في البيت الثاني، ومن تجلياته أيضاً القول بخلود الخير وآثاره:
ومهما طال الأمر فلا بد للخير أن يأتي:
والدعوة إلى الخير ذات بعد تربوي اجتماعي، فهو يُعدي على فعله:
هذا، والدعوة إلى الخير عند المعري متصلة بنزعته العقلية، فالخير عنوان العقل:
|