مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 96 - السنة الرابعة والعشرون - كانون الأول 2004 - شوال 1425
Updated: Wednesday, April 06, 2005 10:57 AM
فهرس العدد
 

تكامل الشكل النقدي في كتاب العمدة ـــ د.علي خذري(*)

مدخل:‏

تتناول هذه الدراسة واحداً من أهم الكتب النقدية التي عرفها النقد العربي في القرن الخامس الهجري؛ وهو كتاب العمدة لابن رشيق، الذي سنحاول أن نقف عند بعض المفاهيم النقدية التي تشكل الأساس النقدي في هذا المؤلّف العظيم. ولكن قبل أن نستطرد في الموضوع، يجدر بنا أن نؤكد حقيقة مهمة ترتبط بطبيعة العلاقة بين التراث ـ في أي مجال من مجالاته المتعددة ـ ووعينا المعاصر ـ إذ ليس للتراث وجود مستقل خارج وعينا به، وفهمنا إياه، ووجوده المستقل ـ إن صح له هذا الوجود. إنما يتمثل في شكل من الأشكال الوجود العيني الذي يمكن أن يدرك بالحس ويخضع لمقاييس الفراغ المكاني الذي يحتله على رفوف المكتبات في شكل مجلدات مطبوعة أو مخطوطة. وإنما الذي يعنينا هو وجوده في معرفتنا وفي وعينا الثقافي، وهذا الوجود في الوعي هو الذي نصفه بعدم الاستقلال، وكيف يوصف التراث بالاستقلال عن الوعي المعاصر وهو لا يوجد إلا فيه وبه؟‏

وانطلاقاً من هذه الحقيقة، نعيد اليوم قراءة ابن رشيق (المسيلي أو القيرواني) لنرى ما الذي يمكن أن يقدمه إلينا، وما الذي يمكن أن ننفيه عنه وعن وعينا. وعلينا ألا ننسى ونحن نعيد قراءة ابن رشيق، أننا سنطرح عليه أسئلة معاصرة، باحثين عن إجابات كامنة ضمنية، تحاول قراءتنا أن تكشف عنها وتجليها، ولا يعترض علينا معارض باسم الموضوعية، زاعماً أننا "نفرض على نقاد ذلك العصر مناهجنا العلمية الحديثة، أو نطلب من التراث ما لم يكن من شأنه أن يوجد فيه"(2).‏

ذلك أن هذا المعترض حين يقرأ التراث قراءته الموضوعية كثيراً ما يحكّم ذوقه ويدخل مفاهيمه العصرية في الحكم على التراث، فيحكم على ابن رشيق بأن كتابه غير منظم ولا مرتّب، وأن آراءه النقدية مبعثرة، يصعب لمّها إلا بكثير من الجهد، وأنها لا تستجيب للمناهج العصرية التي تفرض منهجية معينة في ترتيب المعارف وتناولها.‏

وليس أدل على انتقاد هذه الموضوعية من مثل هذه الأحكام التي تنظر إلى التراث من خلال مفاهيم عصرية. وليس معنى قولنا انتفاء الموضوعية أننا نتبنى مفهوم القراءة المتحيّزة تماماً، سواء أكان هذا التحيز ضد التراث أم كان معه، فالتحيّز قرين الهوى النابع من قصور الوعي بجدلية العلاقة بين الماضي والحاضر، وبين التراث والمعاصرة، فالقراءة المتحيّزة بالكامل إما أن تؤدي بنا إلى محاكمة التراث من خلال مفاهيم لا يقبلها، أو تؤدي إلى إلباسه مفاهيم وتصورات مفارقة لطبيعته.‏

إن القراءة التي نأمل تحقيقها هنا هي القراءة الموضوعية التي لا تغفل المنطق الداخلي الخاص للتراث من جهة، ولا تتعامل معه بمعزل تام عن الوعي المعاصر، ومن جهة أخرى هي قراءة لا تخلع عن ابن رشيق أزياءه ومفاهيمه، لكي تكسوه أزياء جديدة وتخلع عليه مفاهيم معاصرة.‏

إن ابن رشيق الذي نقرؤه اليوم هو النص الذي كتبه بنفسه في كتاب العمدة، فهو جزء من ثقافتنا، وجزء من وعينا وتاريخنا. ولذلك نكون أقرب لروح ابن رشيق ولروح التراث الذي يمثله، والذي ما زال فينا يتفاعل معنا ونتفاعل به.‏

وليست رحلتنا التي ننوي القيام بها في نص ابن رشيق إلا تكراراً لرحلة قام بها هو نفسه في نصوص سابقيه ومعاصريه (قدامة بن جعفر، الجاحظ، أبو هلال العسكري، المرزوقي، النهشلي) وغيرهم(3). مستهدفاً الكشف عن القواعد النقدية الشائعة في ذلك العصر بغية تمثلها وتطويرها؛ معولاً في كثير في الأحوال على نفسه وقريحته يقول: "وعولت في أكثره على قريحة نفسي ونتيجة خاطري، خوف التكرار وجاء الاختصار، إلا ما يتعلق بالخبر، وضمنته الرواية، فإنه لا سبيل إلى تغيير شيء من لفظه، ولا معناه، فكلُّ ما لم أسنده إلى رجل معروف باسمه ولا أحلت فيه على كتاب بعينه فهو من ذلك..."(4).‏

ويجب أن نفهم أن تعويله على نتيجة خاطره، وقريحة نفسه، هو البحث عن المغزى وراء عباراتهم وأقوالهم، فهو لم يشغل نفسه بالبحث عن المعنى الظاهر على السطح، ولو فعل ذلك، لما قدّم لنا شيئاً يستحق اليوم أن نقف عنده، ولذلك لم يتردد في أن يتعامل مع نصوصهم بوصفها رموزاً وإيحاءات وإشارات خفية تحتاج منه إلى تفسير وإعادة صيغة في قالب جديد. ولم يكن ابن رشيق في قراءته لنصوص سابقيه مفسراً فقط أو مردداً لها، بل كان في أحيان كثيرة يورد أقوال غيره وبصهرها في عبارات وصيغ يتعذر على القارئ العادي أن يرد كل رأي فيها إلى صاحبه، بحيث يخفي خيوط النسج المأخوذة من مواضع مختلفة من مثل قوله: "وأهل صناعة الشعر أبصر به من العلماء بآلته من نحو وغريب ومثل وخبر وما أشبه ذلك... وقد يميز الشعر من لا يقوله، كالبزاز، يميز من الثياب ما لم ينسجه"(5)، هذه العبارة توحي أن الأحكام لابن رشيق ولكنك تقرأ في مواضع متباعدة بعض الشيء من مقدمة المرزوقي على شرح الحماسة قوله:‏

1) ولو أن الشعر، كان يُدرَك بقوله لكان من يقول الشعر من العلماء أشعر الناس.‏

2) ويكشف أنه قد يميز الشعر من لا يقوله.‏

3) والفرق بين ما يُشتهى وما يُستجاد ظاهر، بدلالة أن العارف بالنبر يتشهى ما ليس يستجيده(6).‏

فانظر كيف صهر ابن رشيق هذه الأقوال، فنقض الأول منها، واقتبس الثاني على حاله، وتصرف باستخراج حكم جديد مستمد في القولة الثالثة وجمعها معاً في نطاق واحد(7).‏

إلا أنه بالرغم من أخذه لهذه الآراء، إلا أنه كما يقول إحسان عباس "أنه ناقد قدير، لم تضِع شخصيته بين آراء النقاد الآخرين سواء صرح باسمهم أو لم يصرح، فهو يملك الإعجاب عن طريق شخصيته لا عن طريق الجدة في الرأي"(8).‏

ولو اجتهدنا أن نتصور كيف أقام ابن رشيق في العمدة أساس الحكم على الشعر؟ وكيف كانت مقاييسه النقدية، واستعرضنا في سبيل ذلك أبواب الكتاب كله، سوف نخرج بانطباع مكرر لما سبق أن توطد عند نقاد النزعة الشكلية، فالمثقف الذي يحرص على شيء من المعرفة النقدية لم يعد إذا قرأه بحاجة إلى أن يقرأ قدامة والآمدي والجرجاني، إذ استخرج ابن رشيق خير ما عندهم وأودعه كتابه، وهؤلاء هم أئمة النقد، فما ظنك إذا وجد فيه القارئ خلاصةً لخير ما عند غيرهم أيضاً(9).‏

وهذا يؤكد ـ على الأقل ـ كثرة ترديد ابن رشيق لأسماء من سبقه بالحديث عن موضوعات كتابه، وسيره على النهج نفسه، أي تجزئة عناصر الشعر إلى أجزاء مستقلة ودراسة كل منها على حدة، مع عنايته بالأجزاء الشكلية باعتبار أن الروح المسيطرة على المنهج هو روح الشكل، الأمر الذي يسمح بالقول إن روح الشكل قد توطدت واكتملت عند ابن رشيق، وأصبحت بفضل كتاباته جزءاً من النقد المغربي في تلك الحقبة.‏

وقد يتسنى إدراك مدى التأثير الذي أحدثته النزعة الشكلية في تقويم الشعر والحكم عليه عند ابن رشيق من خلال دراسة أبرز أفكاره المؤكدة لروح الشكل على النحو التالي:‏

أولاً: مفهوم الشعر:‏

يعتبر مفهوم الشعر من القضايا الأساسية التي تُثار حول هذه القضية، وتتمثل في الأسئلة التالية: ما حدود التداخل بين التعريفات السابقة عليه، والتعريف الذي انتهى إليه؟ وما حدود التمايز؟ وإن إثارةً لسؤال عن الشعر بصفة خاصة دون غيره من الأنواع الأدبية؛ إنما يرتدّ إلى النظر إلى الشعر بوصفه أكثر الأنواع الأدبية تعبيراً عن خصائص الأدب تلك الخصائص الفارقة له عن غيره من أنماط الكلام، وعلى ذلك فالسؤال عن مفهومه للشعر القصد منه الوقوف على وجهة نظره بالقياس إلى غيره، فالحقيقة أن ابن رشيق ليس عنده مفهوم خاص للشعر يختلف عما كان سائداً قبله، فهو يعتنق فكرة قدامة في بناء الشعر من أربعة عناصر أساسية، بعد النية هي:‏

اللفظ، والوزن، والمعنى والقافية(10). ويشرح هذه العناصر شرحاً شبيهاً بشرح قدامة، وأبي هلال العسكري والجرجاني، في هذا المجال، ولم يزد عنهما إلا طرافة القول مثل "والبيت من الشعر كالبيت من الأبنية قراره الطبع، وسمكه الرواية، ودعائمه العلم، وبابه الدربة، وساكنه المعنى، ولا خير في بيت غير مسكون"(11).‏

أجل لقد استفاد ابن رشيق بدون شك ـ كأي ناقد آخر ـ مما قاله النقاد الأوائل، غير أننا لا نستطيع أن نظلمه، ويدعي أنه كرر أقوالهم وآراءهم ولم يأت بشيء جديد، مثلما صنع بعض النقاد المعاصرين(12).‏

فقد كان لزاماً عليه أن يستعرض أقوال من سبقه من النقاد، كما يقتضي المنهج العلمي، ثم يختم ذلك برأيه هو كما فعل في كثير من القضايا النقدية التي كان قد أثارها في كتابه العمدة(13).‏

فهو يتفق مع القدامى في تحديد ماهية الشعر من حيث الشكل (كلام موزون مقفّى يدل على معنى).‏

فالقضية في ذهن ابن رشيق هي القضية نفسها التي شكلها السابقون عليه؛ وهو مقتنع بآرائهم، وهذا الاقتناع هو الذي نكتشفه في قوله: "وإنما سمي الشاعر شاعراً لأنه يشعر بما لا يشعر به غيره، فإذا لم يكن عند الشاعر توليد معنى ولا اختراعه، أو استظراف لفظ وابتداعه، أو زيادة فيما أجحف فيه غيره من المعاني أو نقص مما أطاله سواه من الألفاظ... ولم يكن له إلا فضل الوزن وليس بفضل عندي مع التقصير"(14).‏

والذي ينعم النظر في هذا الحديث، لا يجد فكرة جديد، تخالف الآراء السالفة عليه؛ بل‏

أن ذلك عبارة عن جامع للآراء الشكلية، مفيداً من كل ما كتبه في ذلك سابقوه"(15).‏

ثانياً: التشكيل الكيفي والكمي للتجربة الشعرية‏

الألفاظ والمعاني:‏

كان من نتائج الشكلية المؤكدة عند ابن رشيق أنه وضع قيوداً تحدّ من التجربة الشعرية سواء في مادتها من المعاني والألفاظ أو في حجمها، فبالنسبة للمعاني والألفاظ يقول: "وأكثر الناس على تفضيل اللفظ على المعنى، سمعت بعض الحذاق يقول: "قال العلماء اللفظ أغنى ثمناً، وأعظم قيمة، وأعز مطلباً، فإن المعاني موجودة في طباع الناس، يستوي الجاهل فيها والحاذق، ولكن العمل على جودة الألفاظ وحسن السبك وصحة التأليف"(16).‏

وهكذا يعيد المعنى الذي حوته عبارة الجاحظ المعروفة كما أعادها من قبله أبو هلال العسكري؛ إلا أن ابن رشيق يضيف إليها توضيحاً لا يجعل هناك مجالاً للشك في دلالتها فيقول: "ألا ترى لو أن رجلاً أراد في المدح تشبيه رجل لما أخطأ أن يشبهه في الجود بالغيث وبالبحر، وفي الأقدام بالأسد، وفي المضاء بالسيف، وفي العزم بالسيل، وفي الحسن بالشمس، فإن لم يحسن تركيب هذه المعاني في أحسن حالها في اللفظ الجيد للرقة والجزالة والعذوبة والطلاوة والسهولة والحلاوة، لم يكن للمعنى قدر"(17).‏

فهذا تأكيد آخر أن فكرة ثبات المضمون الشعري التي دفعت بالشعراء نحو الاتجاه إلى عناصر الشكل ما تزال حية قائمة، بل إنها امتدت إلى الألفاظ نفسها، فأصبحت هي أيضاً محدودة ثابتة لا يملك الشاعر أن يتصرّف فيها على ضوء تجربته. يقول: "وللشعراء ألفاظ معروفة، وأمثلة مألوفة، لا ينبغي للشاعر أن يعدوها، ولا أن يستعمل غيرها، كما أن الكتّاب اصطلحوا على ألفاظ بأعيانها سموها الكتابية، لا يتجاوزونها إلى سواها، إلا أن يريد الشاعر أن يتظرف باستعمال لفظ أعجمي فيستعمله في الندرة، وعلى سبيل الخطرة، كما فعل الأعشى قديماً، وأبو نواس حديثاً، فلا بأس بذلك"(18).‏

وهكذا فإن المعاني إذا كانت طبقاً لقاعدة الجاحظ، التي ما تزال تتردد عند ابن رشيق، مطروحة في الطريق يعرفها العربي والعجمي، فالألفاظ التي يستطيع الشاعر أن يستخدمها محصورة معروفة، لا ينبغي له أن يتجاوزها إلى غيرها.‏

وبذلك أقفلت الدائرة على الشاعر، ولم يعد يملك زمام المادة التي يصنع منها فنه، المضامن، والأشكال:‏

وأما من ناحية الناقد فهو ملتزم أيضاً بالتعرّف على المضامين والأشكال النمطية الموضوعة سلفاً حتى يتسنى له أن يوجه الشاعر إليها فلا يجرؤ بعدئذ على مخالفتها، وفي حالة ما إذا حادَ عنها فإنه من حقه أن يهدر شعره.‏

وأمّا من حيث حجم التجربة، فإن ابن رشيق يعتنق الرأي الذي يتفق مع اتجاه غلاة الشكلية، والذي يحدد بناء الشعر على أساس البيت الواحد المستقل بنفسه عن غيره، باعتبار أن ذلك هو غاية الإجادة "ومن الناس من يستحسن الشعر مبنياً بعضه على بعض؛ وأنا أستحسن أن يكون كل بيت قائماً بنفسه، لا يحتاج إلى ما قبله ولا إلى ما بعده، وما سوى ذلك فهو عندي تقصير، إلا في مواضع معروفة مثل الحكايات وما شاكلها"(19).‏

ومع أن هذا الرأي قد يقضي في النهاية إلى ضياع الوحدة الظاهرية في القصيدة، فإن الذي يريده ابن رشيق هو استقلال كل بيت مع وجود الوحدة العامّة، أي الاستقلال الظاهري والوحدة الداخلية، وإن لم يستعمل هذا المصطلح.‏

والقصيدة إذاً ليست سوى تجميع لجميع التجارب منفصلة في أصل نشوئها واعتساف ضمها بعضها إلى البعض الآخر، وهي مسألة تحتاج إلى براعة خاصة لا تتوفر إلا في قلّة من الشعراء، كما عند الحطيئة، وأبي ذؤيب الهذلي كما يرى ابن رشيق(20).‏

وهكذا حل ابن رشيق هذه الثنائية بين البيت والقصيدة بحيث جعل القصيدة تستوعب في داخلها البيت، ولكن إدراك ذلك يحتاج إلى قدر من التأمل والتعمق حتى نفهم ذلك السر.‏

ثالثاً: المطبوع والمصنوع:‏

حظيت قضية الطبع والصنعة باهتمام ابن رشيق، وأبدى بشأنها تفهماً يختلف بعض الاختلاف عن سابقيه، فهو لم يجعل الطبع حصراً لدى القراء القدامى، كما أنه لم ينف عنهم معرفتهم بالصنعة والتهذيب، ولم يعتبر مذهب الصنعة من اختراع المولدين وحدهم، وإنما هم زادوا فيه وجعلوه مطلباً في أشعارهم، يسعون إلى الحلى اللفظية والمعنوية، ولو أدى بهم ذلك إلى التعمّل والتكلّف، وإجهاد الفكر وكدّ الخاطر واللسان، وقد لاحظ ابن رشيق أن في الشعر المصنوع ما هو حسن جميل، وما هو متكلّف غث لا خير فيه، ولذلك وقف موقفاً وسطاً، وحبّذ التوسط في العملية الشعرية التي تنطلق من الطبع، وتنقّح وتهذّب عن طريق الصنعة الخفيفة المحبذة، التي تحافظ على رونق الشعر وقوة الطبع، وجزالة العبارة وفصاحة الكلمة. وهكذا يمكن القول إن الشعر الحق عند ابن رشيق هو الشعر المطبوع المصنوع في آن واحد(21). يقول: "فالمطبوع هو الأصل الذي وضع أولاً وعليه المدار. والمصنوع وإن وقع عليه هذا الاسم، فليس متكلفاً تكلّف أشعار المولدين، لكن وقع فيه هذا النوع الذي سموه صنعة من غير قصد ولا تعمل، لكن بطباع القوم عفواً، فاستحسنوه ومالوا إليه بعض الميل بعد أن عرفوا وجه اختياره على غيره"(22).‏

فابن رشيق يفهم الصنعة على هذا النحو الذي تبدو فيه تلقائية غير متعمّدة وعكسها التكلف الذي رسم به أشعار المولدين، فهو إذاً أفضل من ابن قتيبة الذي لم يفرق بين الصنعة والتكلّف.‏

إلا أنه حين طبّق كلامه هذا على الشعر لم يلتفت لحقيقة دور الصنعة أو الطبع في صياغة التجربة الفنية صياغة خلاقة.‏

ومن هنا نستطيع أن نقول إن ابن رشيق لم يفصل بين الطبع والصنعة فصلاً كاملاً، بل احتفظ بدرجة في العلاقة تتبدى في وقفاته التحليلية الطويلة عند بعض النصوص الشعرية كموقفه من قصيدة أبي ذؤيب الهذلي في رثاء ابنه"(23).‏

رابعاً: دراسته للتشبيه:‏

أما دراسة ابن رشيق للأغراض البلاغية، فلا زيادة فيها على من سبقه، إلا أن باب التشبيه، جدير بالوقوف عنده خاصة، فقد بدا كمن يحاول أن يخالف النزعة السائدة لمفهوم التشبيه في القرن الرابع. قال معقباً على رأي قدامة "وزعم قدامة أن أفضل التشبيه ما وقع بين شيئين اشتراكهما في الصفات أكثر في انفرادهما، حتى يدني بهما إلى حال الاتحاد، وأنشد في ذلك وهو عند أفضل التشبيه كافة:‏

له أيطلا ظبيٍ وساقا نعامة * * * وإرخاءُ سِرحانٍ وتقريبُ تتفُلِ‏

وهذا تشبيه أعضاء بأعضاء هي بعينها، وأفعال بأفعال هي أيضاً بعينها، إلا أنها في حيوان مختلف"(24).‏

فقد يظهر للوهلة الأولى أنه يضع مقياساً مخالفاً لما كان سائداً حتى قاعدة عمود الشعر عند المرزوقي، إذ أن الذي تردد دائماً عند السابقين على ابن رشيق هو تفضيل تقارب طرفي التشبيه، حتى يكاد أحدهما أن يكون هو الآخر بعينه، بينما عبارة ابن رشيق واضحة، أن أحسن التشبيه ما قرب بين البعدين، أو بعبارة أخرى فإن براعة الشاعر هي أن يعقد صلة تشابه بين المتباعدات.‏

إلا أن الحقيقة أن ابن رشيق قال هذا الرأي لفهمه وظيفة التشبيه فهماً خاصاً سبقه إليه الرمّاني في النكت في الإعجاز القرآني(25). وهو أنه وسيلة أيضاً للغامض من الكلام. فالمشبّه به كلما بعُد كان أشد فاعلية في كشف حقيقة المشبّه لقول ابن رشيق نقلاً عن الرمّاني "واعلم أن التشبيه على ضربين: تشبيه حسن، وتشبيه قبيح، فالتشبيه الحسن هو الذي يخرج الأغمض إلى الأوضح فيفيد بياناً، والتشبيه القبيح ما كان خلاف ذلك"(26).‏

والواقع أن رأي ابن رشيق في التشبيه متأثّر بالرمّاني، ولذلك فهو مثله يرى أن يكون التشبيه الحسن بما يقع عليه الحاسة فيكسب ما لا تقع عليه الحاسة وضوحاً وفهماً، أما إذا انعكست الآية وشبه الشاعر شيئاً واضحاً تقع عليه الحاسة بشيء غامض لا تقع عليه الحاسة فقد جنح إلى القبح والإبهام.‏

وفكرة توضيح الغامض هذه، كوظيفة للتشبيه، مسألة لا شك أنها موجهة إلى منطق العقل، فكان التشبيه هو أحد أدوات العقل في توصيل الحقيقة إلى الآخرين. وهو قد يكون كذلك فعلاً في المسائل العقلية التي لا تخلو كثيراً من التشبيه لتقريب صورة الشيء الغامض، ولكن لا يمكن الموافقة على أن هذه هي وظيفة التشبيه في الشعر أيضاً؟‏

فالتشبيه الأدبي يكشف عن لون وبعد رؤية الشاعر للوجود ولا يهدف إلى توضيح المشبّه أو إزالة غموضه، فهو غالباً ما يكون واضحاً ومألوفاً ومعروفاً معرفة تامة. ولكن التشبيه يأتي لكي يجسم في صورة مرئية انطباع الشاعر عن هذا الشيء الذي يشبهه، وهل كان امرؤ القيس يوضح ما غمض من معنى الليل حين يشبهه بموج البحر في قوله:‏

وليلٍ كموج البحرِ أرخى سدولَه * * * عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي‏

أو أنه كان يحس بطوله المفرط، وبأنه لا نهاية لساعاته فأراد أن يبرز هذا الإحساس، فعقد صلة بينه وبين موج البحر كي يولد في نفس السامع إحساساً عميقاً حقيقياً لما يعانيه الشاعر، فجاء هذا التشبيه الرائع وليس هناك من صلة عقلية بين الليل وبين موج البحر، ولا يتصور أن يكون هدف امرئ القيس الوحيد هنا توضيح المشبّه وهو الليل.‏

من ذلك يتضح أن ابن رشيق لم يسهم في تطوير النقد تطوراً إيجابياً، نحو فعالية الحكم على الأشعار، وكل ما له، أن استوعب الآراء السابقة عليه استيعاباً جيداً ووضعها في صورة جامعة تحكي مذهب الشكل على نحو متكامل.‏

لا شك أن هناك الكثير مما يمكن أن يقال عن تكامل الشكل النقدي في كتاب العمدة لابن رشيق، فثَمَّ جوانب غنية خصبة تجلي هذا التكامل، وتكشفه ولكن بسبب هذا الغنى والعمق في كتاب العمدة، لا يمكن لقراءة واحدة أن تكشف جوانبه، ولعل هذه القراءة تكون حافزة لمن يريد قراءة ابن رشيق.‏

المراجع:‏

1 ـ البلاغة، تطور وتاريخ/ د. شوقي ضيق، دار المعارف، مصر.‏

2 ـ تاريخ النقد العربي عند العرب/ د. إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت، ط5.‏

3 ـ ثلاث رسائل في إعجاز القرآن للرمّاني وآخرَين/ تحقيق محمد خلف الله، محمد زغلول سلام، دار المعارف، القاهرة، 1968، ط2.‏

4 ـ الحركة النقدية على أيام بان رشيق المسيلي/ د. بشير خلدون، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1981.‏

5 ـ شرح الحماسة للمزروقي/ تحقيق أحمد أمين، عبد السلام هارون، لجنة التأليف والنشر، القاهرة، ط2، 1967.‏

6 ـ كتاب العمدة لابن رشيق/ تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة التجارية، القاهرة 1934.‏

7 ـ النقد العربي القديم والمنهجية/ د. عبد القادر القط، مجلة فصول، ع3، مج1.‏

* جامعة باتنة ـ قسم اللغة العربية ـ الجزائر.‏

(2) النقد العربي القديم والمنهجية، د. عبد القادر القط، مجلة فصول، العدد 3، مجلد 1، ص13 ـ 31.‏

(3) الحركة النقدية على أيام ابن رشيق المسيلي، د. بشير خلدون، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر 1981، ص249 ـ 250.‏

(4)(4) كتاب العمدة، ابن رشيق ص75.‏

(5) العمدة، ج1، ص75.‏

(6) العمدة، ج1، ص75.‏

(7) شرح الحماسة، المرزوقي، ص154.‏

(8) تاريخ النقد العربي عند العرب، د. إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت، ط5، ص446.‏

(9) المرجع نفسه، ص440.‏

(10) العمدة، ج1، ص99 ـ 100.‏

(11) العمدة، ج1، ص78.‏

(12) تاريخ النقد الأدبي عند العرب، إحسان عباس، حياة القيروان وموقف ابن رشيق منها، عبد الرحمن ياغي.‏

(13) الحركة النقدية على أيام ابن رشيق المسيلي، د. بشير خلدون، ص136.‏

(14) العمدة، ج1، ص94.‏

(15) البلاغة، تطور وتاريخ، د. شوقي ضيف، دار المعارف، مصر، ص146.‏

(16) العمدة، ج1، ص103.‏

(17) العمدة، ص103.‏

(18) المصدر نفسه، ص107.‏

(19) العمدة، ج1، ص107.‏

(20) المصدر نفسه، ص108.‏

(21) الحركة النقدية على أيام ابن رشيق المسيلي، د. بشير خلدون، ص211.‏

(22) العمدة، ج1، ص107.‏

(23) العمدة، ج1، ص109.‏

(24) العمدة، ج2، ص259.‏

(25) ثلاث رسائل في الإعجاز القرآني، الرمّاني، تحقيق محمد خلف الله، ومحمد زغلول سلام، نشر دار المعارف، القاهرة، 1968، ط2، ص80.‏

(26) العمدة، ج1، ص56.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244