مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 97 - السنة الرابعة والعشرون - آذار 2005 - آذار 1425
Updated: Tuesday, May 10, 2005 01:55 PM
فهرس العدد
 

العقل تعريفه، منزلته، مجالاته و مداركه ـــ د.عبد القادر صوفي(*)

الحمد لله الذي أوجدنا من العدم, وجعل أمَّتنا خيرَ الأمم.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له, ندب أصحابَ العقول إلى إعمال عقولهم, وحثَّهم على التفكُّر في مخلوقاته التي تُحيط بهم.

والصلاة السلام على نبيِّنا محمَّدٍ أفضل من عقل وفهِم, وعلى آله وأصحابه, والتابعين لهم. وبعد:

فإنَّ ديننا الإسلاميَّ لم يحجر على العقول, أو يُهملها, بل رفع من شأنها, وأعلى من قدرها, وجعلها مناط التكليف, وفرَّق بين الذين يعقلون, والذين لا يعقلون.

والعقلُ له منزلةٌ في الإسلام لا تُنكر, ومجالاته فيه كثيرةٌ, وجديرة بأن تُذكر.

وقبل الحديث عن منزلته, والخوض في مجالاته ومداركه, لا بُدّ من وقفةٍ أُبيِّن بها المراد به في اللغة والاصطلاح.

وهذا يستلزم تقسيم البحث إلى ثلاث مسائل:

المسألة الأولى: تعريف العقل لغة واصطلاحاً:

أولاً: العقل في اللغة:

العقل في اللغة يُطلق على المنعِ والحَبْسِ. يُقال: اعْتُقِلَ الرجلُ, إذا حُبِسَ, ومرض فلانٌ, فاعْتُقِلَ لِسَانُه, إذا امتنع عن الكلام, فلم يَقْدِر عليه([1]).

ومنه قول ذي الرُّمَّة([2]):

ومُعْتَقَلُ اللسانِ بغيرِ خَبْلٍ

 

يَمِيدُ كأنَه رجُلٌ أميمُ([3])

ويُقال: أعْطِنِي عَقْولاً أشْرَبُهُ, إذا طَلَبَ دواءً يُمْسِكُ بَطْنَه([4]).

ويُقال كذلك: عَقَلْتُ البعيرَ أَعْقِلُهُ عَقْلاً, إذا منعتَه من الحركة, وذلك بأن تَثْنِي وَظِيفَه مع ذراعه, فتشدّها جميعاً في وسط الذراع([5]).

ومن هذا الباب قوله e لصاحب الناقة: [اعْقِلْهَا وتَوَكَّلْ]([6]).

وذلك الحبل الذي تُعقل به الناقة يُقال له العِقَالُ, والجمع عُقُلٌ([7]).

ومنه e عن القرآن الكريم: [لَهُوَ أشَدُّ تَفَصِّيَاً من الإبلِ في عُقُلِهَا]([8]).

وإنَّما يُعقل البعير لحبسه, ومنعه من الهرب, والشرودِ.

واعْتَقَلْتُ الشاةَ, إذا وضعتَ رجلها بين فخذيك, أو ساقيك, لتحلُبَها([9])؛ فأنت بفعلك هذا تمنعها من الحركة.

وعَقَلَ الوَعِلُ, إذا امتنع من الجبل العالي, يَعْقِلُ عُقُولاً. والمكان الممتنعُ فيه يُسمَّى "المَعْقِل"([10]). وبه سُمِّيَ الوَعِلُ عاقِلاً.

يقول النابغة الذُّبيانيّ([11]):

وقد خِفْتُ حتَّى ما تَزِيدُ مَخَافَتي

 

على وَعِلٍ في ذِي المَطَارَةِ عاقِلٍ([12])

وتُسمَّى الديةُ عَقْلاً ومَعْقُلَةً؛ فيُقال: القومُ على مَعَاقِلِهِمْ الأولى؛ أي على ما كانوا يَتَعَاقَلُون في الجاهليَّة, كذا يتعاقلون في الإسلام([13]).

وقد جاء في الحديث أنَّ رسول الله e كتب بين المهاجرين من قريش, والأنصار, أنَّهم على رَبَاعَتِهِمْ([14])؛ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمُ الأُوْلَى]([15]).

وعَقَلْتُ عن فُلانٍ؛ أي غَرِمْتُ عنه جنايَته إذا لَزِمَتْهُ ديةٌ, فأديتَها عنه([16]).

وعاقِلةُ الرجل: عُصَبَتُهُ؛ وهم القرابة من قِبَل الأب الذين يُعطون دِيَةَ من قتله خطأً([17]).

ويشهد لهذا المعنى, ما جاء في حديث جابر بن عبد الله الأنصاريّ رضي الله عنهما: "أنَّ امْرَأَتَيْنِ قَتَلَتْ إحْدَاهُمَا الأُخْرَى, فَجَعَلَ رسولُ الله e دِيَّةَ المَقْتُولَةِ على عَاقِلَةِ القَاتِلَةِ"([18]).

وإنَّما أطلقوا على الدية, وأدائها عَقْلاً؛ لأنَّ الإبل كانت تُعقل تُحبَس ـ بفناء وليّ المقتول([19]).

والعَقِيلَةُ هي كريمةُ الحيّ, وسُمِّيَت بذلك لحَبْسِهَا نَفْسَها في بيتها([20]).

يقول امرؤ القيس([21]):

عَقِيلَةُ أَتْرابٍ لها لا دميمةٌ

 

ولا ذاتُ خَلْقٍ إنَّ تَأمَّلْتَ جَأْنَبِ([22])

أي ليست دميمةً, ولا قصيرةً.

وخُلاصة القول: إنَّ العقل في اللغة يُطلق على المنع والحبس.

ووجه تسمية العقل بهذا الاسم: كونه يمنع صاحبَه عن التورطُّ في المهالك, ويحبسُه عن ذميم القول والفعل([23]).

والفَهْمُ والبيانُ يُسمَّى أيضاً؛ "لأنَّه عن العقل كان, فيقول الرجلُ للرجلِ: أعَقَلْتَ ما رأيتَ, أو سمِعْتَ؟ فيقول: نعم, يعني: أنِّي قد فَهِمْتُ, وتبيَّنْتُ. والعربُ إنَّما سمَّتِ الفهمَ عقلاً؛ لأنَّ ما فَهمتَه فقد قيَّدْتَه بعقلك, وضَبَطْتَهُ"([24]).

وهذا التعريف اللغويّ للعقل يُوضِّح مراد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب t من قوله "عَقَلْنَاها", في قوله: [إنَّ الله قد بَعَثَ محمَّداً e بالحقِّ, وأنزلَ عليه الكتاب, فكان ممَّا أنزلَ عليه آيةَ الرَّجْمِ؛ قرأناها, ووَعَيْنَاها, وعَقَلْنَاها]([25]).

و"عَقَلْنَاهَا" أي فهمناها, وضبطناها, وأمسكناها.

فما سُمِّي العقل عقلاً إلاَّ لأنَّه يُمسك ما عَلِمَه, ويضبطه, ويفهمه؛ فيُقال: عَقَلَ الشيءَ, إذا فَهِمَهُ, فهو عَقُولٌ.

وعَقَلَ الشيءَ, إذا عَلِمَهُ, أو عَلِمَ صفاتِه؛ من حسنٍ وقُبح, وكمالٍ ونقصان, فأمسكها, وأمكن أن يُميِّز بين القبيح والحسن, والخير والشرّ([26]).

فالعاقل خلاف الجاهل؛ يحبس نفسَه, ويمنعها عما يُوبقها, ويردّها عن هواها, ويُمسك ما يعلمه, ويُميِّز بين ما ينفعه وما يضرّه, في عاجله وآجله.

ثانياً: تعريف العقل اصطلاحاً:

تنوَّعت التعريفات المَقولةُ في العقل, واختلفت, وأغلبها عليه ملاحظات([27]).

والتعريفُ الذي اخترتُه تفصيليٌّ, يشتمل على أربعة معانٍ قيلت في العقل, لا ينفكّ واحدٌ منها على الآخر, متى فُقد واحدٌ منها, قيل صاحبه: ليس له عقلٌ:

المعنى الأوَّل: الغريزة التي في الإنسان, والتي يمتاز بها عن سائر الحيوان؛ فبها يعلم, وبها يعقِل, وبها يُميِّز, وبها يقصد المنافع دون المضارّ.

يقول أبو حامد الغزالي([28]) (ت 505هـ) على هذا المعنى, إنَّه: "الوصفُ الذي يُفارق الإنسان به سائر البهائم, وهو الذي استعدّ به لقبول العلوم النظريَّة, وتدبير الصناعات الخفيَّة الفكريَّة"([29]).

ويقول الماورديّ([30]) (ت 450هـ): "فالغريزيّ هو العقل الحقيقيّ, وله حدٌّ يتعلَّق به التكليف, لا يُجاوزه إلى زيادة ولا يقصُر عنه إلى نقصان, وبه يمتاز الإنسان عن سائر الحيوان"([31]).

ويقول الحارث بن أسد المحاسبيُّ([32]) (ت 243هـ): "فأمَّا هو في المعنى والحقيقة لا غيره, فهو غريزة وضعها الله سبحانه في أكثر خلقِهِ, لم يطلع عليها العباد بعضهم من بعض, ولا اطلَّعوا عليها من أنفسهم برؤيةٍ, ولا بحسّ, ولا ذوقٍ, ولا طعمٍ. وإنَّما عرَّفهمُ الله I إيَّاه بالعقل منهم؛ فبذلك العقل عرفوه, وشهدوا عليه بالعقل الذي عرفوه به من أنفسهم, بمعرفة ما ينفعهم, ومعرفة ما يضرُّهم"([33]).

فبإمكان العباد أن يطّلعوا بعقولهم على هذه الغريزة؛ أهي موجودة عند فلانٍ, أو ليست كذلك, بالنَّظر إلى أفعال جوارحه؛ فـ"إذا رأوا من أفعاله ما يدلُّهم على أنَّه قد عَرَف ما ينفعه في دنياه وما يضرّه, وإذا رأوه طالباً عاملاً فيما ينفعه من دنياه, مجانباً لما يضرّه من دنياه, سمّوا من كان كذلك: عاقلاً, وشهدوا له أنَّ له عقلاً, وأنَّه لا مجنون, ولا تيَّاه, ولا أحمق"([34]).

ويُمكن الاستئناس في بيان بعض هذه الصفات ـ التي تُمكن ملاحظتها في العاقل ـ بقول ابن القِرِّيَّة([35]) (ت 84هـ): "الرجالُ ثلاثةٌ: عاقلٌ, وأحمق, وفاجر؛ فالعاقل إنَّ كُلِّمَ أجاب, وإن نَطَقَ أصاب, وإن سَمِعَ وَعَى. والأحمقُ إنَّ تكلَّم عَجِلَ, وإن تحدّث وَهِلَ([36]), وإن حُمِلَ على القبيحِ فَعَلَ.."([37]).

وكلام ابن تيمية عن الفرق بين المجنون والعاقل يُشبه هذا الكلام, ومنه قوله: "فالمجنون الذي لا يُميِّز بين الدراهم والفلوس, ولا بين أيام الأسبوع, ولا يفقه ما يُقال له في الكلام ليس بعاقل. أمَّا من فَهِمَ الكلامَ, وميَّز بين ما ينفعه وما يضرّه, فهو عاقلٌ"([38]).

يقول أحد الشعراء معدِّداً بعضَ الصفات التي يُستدلُّ بها على عقل العاقل:

يُعْرَفُ عقلُ المرءِ في أربعٍ

 

مِشْيَتُهُ أوَّلُها, والحَرَكْ

ودَوْرُ عَيْنَيْهِ, وألفاظُهُ

 

بعدُ عليهِنَّ يدور الفَلَكْ

وربَّما أخْلَفْنَ إلاَّ التي

 

آخِرُهَا منهنَّ سُمِّينَ لك([39])

فهذه بعضُ صفاتِ مَنْ وَهَبَهُ الله المعنَى الأوَّلَ من معاني العقل, ـ وهو الغريزة ـ: فَهْمُ الخطاب, وردّ الجواب, وصلاحُ المِشيةُ, واتّزان الحركات, واستقرارُ العينين, نحو ذلك.

وهذه الغريزة ـ التي هي إحدى معاني العقل ـ شرطٌ في المعقولات والمعلومات, وهي مناط التكليف؛ فإذا عُدِمَتْ في الإنسان, سقطت عنه التكاليف الشرعيَّة.

وفي ذلك يقول الحارث المحاسبيّ: "فالعقل غريزةٌ, جعلها الله في الممتَحَنين من عباده؛ أقام به على البالغين للحُلُم الحجَّةَ, وأنَّه خاطبهم من جهة عقولهم, ووعد, وتوعَّد, وأمر, ونهى, وحضَّ, ونَدَبَ"([40]).

وهذا العقل المشروط في التكليف لا بُدَّ أن يُكوِّنَ عُلوماً يُميِّزُ بها الإنسانُ بين ما ينفعه وما يضرُّه.

وعن هذا المعنى نفسه, يقول ابن تيمية: "العقلُ شرطٌ في معرفة العلوم, وكمال وصلاح العمال, وبه يكمل العلم والعمل, ولكنَّه ليس مستقلاً بذلك, لكنَّه غريزةٌ في النَّفس, وقوَّة فيها, بمنزلة قوَّة البصر التي في العين"([41]).

ويُلاحَظ تشبيه العقلَ بالبصرِ.

وقد سبقه إلى هذا التشبيه البليغ قومٌ, قالوا عن العقل: "هو نورٌ وضعه الله طبعاً وغريزة, يُبصر به, ويُعبّر به. نورٌ في القلب, كالنُّور في العين, وهو البصر.."([42]).

لكنّ هذا البصر إنَّ اتصل به نور الشمس, أو ضوء النَّار, صار أشد قوَّة وإبصاراً, وإن انفرد بنفسه, ضَعُفَ.

كذلك صاحب العقل إن وصله بنور الإيمان والقرآن, اهتدى وسَعُدَ. وإذا لم يتصل بهما عجز عن إدراك الأمور التي لا يُمكن أن يستقلّ بإدراكها.

وهذا معنى قول ابن تيمية عن العقل, إنَّه: "بمنزلة قوَّة البصر التي في العين؛ فإن اتّصل به نور الإيمان والقرآن, كان كنور العين إذا اتَّصل به نور الشمس والنَّار. وإن انفردَ بنفسه, لم يُبصر الأمورَ التي يعجز وحدَه عن دَرْكِهَا"([43]).

وهذا التشبيه الرائع مع ابن تيمية ـ ومِمَّن سبقه ـ ينطبق على أولئك الذين اعتصموا بالكتاب والسنَّة, وعلى مخالفيهم الذين اتّكلوا على عقولهم, معرضين عن الاهتداء بنور الوحي, فعموا عن الحقّ, وضلّوا عنه, وآل أمرهم إلى التخبُّط والحيرة.

ويصدق عليهم قول الله U عن بني آدم u: ]قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيْعا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِنّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى. وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ أَعْمَى. قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً. قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى[ [طه: 123 ـ 126].

المعنى الثاني: العلومُ التي تُلازم الإنسان العاقل؛ فتقع في نفسه ابتداءً, ولا تنفكّ عن ذاته؛ كالعلم بالممكنات, والواجبات, والممتنعات.

وهذا معنى من معاني العقل؛ إذ ثمَّة علوم "تخرج إلى الوجودِ في ذات الطفل المميِّز, بجواز الجائزات, واستحالة المستحيلات؛ كالعلم بأنّ الاثنين أكثر من الواحد, وأنَّ الشخص الواحد لا يكون في مكانين في وقتٍ واحدٍ"([44]), وأنَّ "الشيء لا يخلو من وجودٍ أو عدم, وأنَّ الموجود لا يخلو من حدوثٍ أو قِدَم, وأنَّ من المحال اجتماع الضدَّين"([45]). وهذه العلوم "تشمل جميعَ العقلاء"([46]).

المعنى الثالث: العلوم المستفادة من التجارِب, والمكتَسَبَةُ بواسطة العقل, والتي يضبطها الإنسان, ويُمسكها([47]).

وهذا العقل يُعدُّ نتيجةً للعقل الغريزيّ, وهو "نهاية المعرفة, وصحّة السياسة, وإصابة الفكرة. وليس لهذا حدٌّ؛ لأنَّه ينمو إنَّ استُعمل, وينقُص إنَّ أُهمل"([48]).

وعنه يقول الغزالي: "الثالث: علومٌ تُستفاد من التجارب بمجاري الأحوال؛ فإنَّ من حنَّكَتْهُ التجاربُ, وهذَّبَتْهُ المذاهبُ, يُقال: "إنَّه عاقلٌ في العادة, ومن لا يتصف بهذه الصفة, يُقال: "إنَّه غبيّ, غُمْرٌ, جاهلٌ. فهذا نوعٌ آخر من العلوم يُسمَّى عقلاً"([49]).

ونماء هذا النوع يكون بأحد أمرين, هما:

1 ـ كثرة الاستعمال؛ كالذي يحصل لذوي الأسنان من الحنكة, وصحًَّة الرؤية, بكثرة التجارب, وممارسة الأمور.

2 ـ وفرط الذكاء, وحُسْن الفطنة([50]).

ولقد كانت العرب تقول: "العقلُ: التجاربُ"([51]), وقد سُئل بعضهم عن العقل, فقال: "لُبٌّ أَعَنْتَهُ بِتَجْرِيبٍ"([52]).

وهذه التجارب ليس لها غاية, والعقل منها في ازدياد, كما قال أحدهم:

ألم تَرَ أنَّ العقلَ زَيْنٌ لأهْلِهِ

 

وأنَّ كمالَ العقلِ طولُ التجارِبِ([53])

فكلَّما كثرت تجارب الإنسان, زاد عقلُه, بسبب ازدياد علومه.

ومكان ضبط هذه العلوم هو القلبُ؛ إذ هو وعاء العلم.

وإلى هذا العقل أشار معاوية t بقوله: "العقلُ عقلان, عقلُ تجاربٍ, وعقلُ نَحِيْزَةٍ. فإذا اجتمعا في رجلٍ, فذاك الذي لا يُقام له. وإذا تفرَّدا, كانت النحيزةُ أولاهما"([54]).

وهو يُشبه قول من قال: "العقل ضربان: عقلُ الطبيعة, وعقل التجربة. وكلاهما يُحتاج إليه, ويُؤدِّي إلى المنفعة"([55]).

فعقل النحيزة([56]) ـ المذكور في قول معاوية t ـ, هو الغريزة التي في الإنسان, والتي يمتاز بها عن سائر الحيوان. وعقل التجارب هو العلوم المكتسبة بواسطتها.

وممَّا تنبغي ملاحظته: "أنَّ العقل المكتسب لا ينفكّ عن العقل الغريزيّ؛ لأنَّه نتيجة منه. وقد ينفكّ العقل الغريزيّ عن العقل المكتَسَب, فيكون صاحبُه مسلوبَ الفضائل, موفورَ الرذائل؛ كالأنْوَكِ([57])الذي لا تجد له فضيلة, والأحمقِ الذي قلّما يخلو من رذيلة"([58]).

المعنى الرابع: الأعمال التي يستوجبها العلم؛ من إيمان بالله, وتصديق بكتبه, ورسله, والتزام بأمره ونهيه؛ كحَبْس النفس عن الطاعات, وإمساكها عن المعاصي.

وهذا معنى رابع من معاني العقل, وعنه يقول ابن تيمية: ".. لفظ العقل يُطلق على العملِ بالعلمِ"([59]).

فالعمل من لوازم العقل؛ لأنَّ صاحب العقل إذا لم يعمل بعلمه, قيل: إنَّه لا عقلَ له([60])؛ "فإنَّ العقل مستلزمٌ لعلومٍ ضروريَّةٍ يقينيَّةٍ, وأعظمها في الفطرة: الإقرار بالخالق"([61]).

فحالُ مَنْ لم يعمل بعلمه, أنَّه صاحبُ عقلٍ يُمسكُ علوماً ضروريَّةً فطريَّةً, يعرِف بها ربَّه U, ولكنّ هواه صدَّه عن اتباع موجب العقل, فصار لا عقل له بهذا الاعتبار.

وقد اتّصف هذا بمعاني العقل الثلاثة المتقدِّمة؛ فمعه غريزة العقل التي فرَّق الله بها بين العقلاء والمجانين, ومعه علومٌ ضروريَّة فطريَّة, ولديه علومٌ مكتسَبَةٌ؛ فقد جاءته الرسل بالبيِّنات, ولكنَّه لم يحظ بشرف الاتّصاف بهذا المعنى الرابع؛ وهو العمل بعلمه, لذلك يُقال عنه: إنَّه غيرُ عاقلٍ عن
الله
U.

وقد وَصَفَ الله U في كتابه رِجالاً بالعقل, وأخبر في الوقت نفسه أنَّهم لم يستفيدوا منها؛ فقال: ]وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ[ [الأحقاف: 26].

فهؤلاء قد عَقَلُوا البيان الذي لزمتهم من أجله الحجَّة, لكنَّهم لم يعملوا بما عقلوا؛ فحالهم أنَّ لهم عقولاً يعرفون بها الحقَّ, ولكنَّ هواهم صدَّهم عن اتباع موجب العقل, فلا عقل لهم بهذا الاعتبار([62]).

وقد وصفهم I في موضعٍ آخر بالعقل الذي يميِّزون به, ويعقلون به أمورَ الدنيا كلَّها في الجليل والدقيق, لكنَّهم للآخرة لا يعقلون؛ فقال U: ]وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَذَانٌ لاَ يَسْمَعُون بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ[ [الأعراف: 179].

فهم "بالدنيا أهل بصرٍ وسمع وعقل. فلم يَعْنِ أنَّهم صُمٌّ خُرسٌ مجانين, وإنَّما عذَّبهم لأنَّهم يعقلون. ولو تدبَّروا ما يرون ويسمعون من الدلائل عليه؛ من آيات الكتاب, وآثار الصّنعة, واتصال التدبير, الذي يدلّ على أنَّه واحدٌ لا شريك له"([63])؛ أي لدلَّهم ذلك على أنَّه المعبود بحقّ وحدَه.

فالعاقل ـ كما قال سفيان بن عيينة([64]) (ت 198 هـ)ـ: ليس "الذي يعرف الخيرَ من الشرِّ, ولكنّ العاقل الذي يعرفُ الخيرَ فيَتَّبِعُهُ, ويعرِفُ الشرَّ فيَجْتَنِبُهُ"([65]).

لذلك لمّا وُصِفَ رجلٌ ـ ممتنعٌ عن الدخول في الإسلام ـ بالعقل أمام أحد العلماء, قال: "مَه, إنَّما العاقل مَنْ وَحَّدَ الله, وعَمِلَ بطاعتِهِ"([66]).

والله تعالى قد حكى عنهم قولَهم ـ وهم في النَّار ـ: ]وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ[ [الملك: 10].

"وقد كانت لهم عقولٌ وأسماع, لزمتهم بها الحجَّة لله U, وإنَّما عنى U أنَّها لم تعقِل عند الله فَهْمَاً لما قال؛ من عظيم قدرِه, وقدر عذابه, فندمت, وتأذَّت بالويل والندم, لا لأنَّها لم تكن تسمع ولا تعقل, ولا كانوا مجانين, ولكن يعقلون أمر الدنيا, ولا يعقلون عن الله ما أخبر عنه, وتوعَّد ووعد"([67]).

وليس عدم العقل في عدم الإيمان فحسب, بل عدم العقل في ارتكاب المعاصي, وتضييع الفرائض؛ فمن ضيَّع الفرائض, وارتكب المحرَّمات, لم يَعْقِلْ عظيم قدر الله في جلاله وهيبته, وعظيم قدر ثوابه وعقابه في القيام بفرائضه, وارتكاب معاصيه؛ فالعاقل من يَغلِبُ إيمانُه هواه, وحلمُه جهلَه. لذلك قال عامر بن عبد قيس([68]) (ت 55هـ): "إذا عَقَلَكَ عَقْلُكَ عمَّا لا ينبغي, فأنت عاقلٌ"([69]).

وسُئل أعرابيّ: "أي منافع العقل أعظم؟ قال: اجتناب الذنوب"([70]).

فالعملُ ثمرةُ العقل وفائدتُه, ولا عقلَ لمن لم يعمل بموجب ما دلَّه إليه عقلُهُ.

إذا تبيَّنْتَ هذا, فاعلم أنَّ العقلَ يُطلق على كلّ هذه المعاني الأربعة مجتمعةً؛ الغريزة, والعلوم الضروريَّة, والعلوم المكتسبة, والعمل بالعلم.

ويشهد لهذا قول ابن تيمية عن العقل: "هو علمٌ, أو عملٌ بالعلمِ, وغريزةٌ تقتضي ذلك"([71]).
فالعقل لا يُسمَّى به مجرَّد العلم الذي لم يَعمل به صاحبُه, ولا العمل بلا علمٍ؛ بل إنَّما يُسمَّى العلمُ الذي يُعملُ به, والعمل بالعلم, ولهذا قال أهل النَّار:
]لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا في أَصْحَابِ السَّعِيرِ[ [الملك: 10], وقال تعالى: ]أَفَلَمْ يَسِيرُوا في الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ أَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ[ [الحج: 46]([72]).

المسألة الثانية: منزلة العقل في الإسلام:

لقد امتنَّ الله U على الإنسان بأن منحه نعمة العقل الذي يُميِّزه عن سائر الحيوانات؛ فقال: ]قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ[ [الملك: 23]؛ فبالسمع تسمعون, وبالأبصار تُبْصِرون, وبالأفئدة تعقلون, ولكن قليلاً ما تشكرون([73]).

فالأفئدة هي محلّ العقول, كما قال I: ]أَفَلَمْ يَسِيرُوا في الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ[ [الحج: 46]؛ فجعل العقل في القلب, ثمّ أخبر أنَّه يُتغطَّى على هذا العقل الذي في الصدر.

يقول الإمام الشوكاني([74])(ت 1250هـ): "وأُسْنِدَ التعقُّلُ إلى القلوبِ لأنَّها محلُّ العقلِ, كما أنَّ الآذان محلّ السمع"([75]).

ويُستأنس لهذا بقول الفاروق عمر t عن ابن عبَّاس ـ رضي الله عنهما ـ: "ابن عبَّاس فتى الكهول, له لسانٌ سؤول, وقلبٌ عقول"([76]).

"وإضافة العربِ الشيءَ إلى الشيءِ, إمَّا لكونه هو هو, أو مكانَه. وليس القلبُ عقلاً بإجماعٍ, لم يبقَ إلا أنَّه محلُّ العقلِ, بإضافة الشيءِ إلى محلِّه. ومَنْ خَلَقَ العقلَ أعلمُ بمحلِّه: ]أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ[ [الملك: 14]"([77]).

فالعقل محلُّه القلب, وهو نعمةٌ, وهِبَةٌ من اللهِ, أعطاه عبادَه بلا عِوَضٍ.

وهذه النعمة هي التي ترفع صاحبها إلى مستوى التكاليف الشرعيَّة الإلهيَّة, وتؤهّله لإدراكها وفهمها؛ فالعقل مناط التكليف.

يقول أبو الوفاء بن عقيل([78]) (ت 513هـ) موضِّحاً معنى التكليف: "وهو المطالبة بالفعل أو الاجتناب له, وذلك لازمٌ في الفرائض العامَّة؛ نحو التوحيد, والنبوَّة, والصلاة, وما جرى مجرى ذلك, لكنِّ عاقلٍ, بالغٍ..."([79]). فالتكليف للعاقل.

ويقول الآمديّ([80]) (ت 631هـ): "اتفق العقلاء على أنَّ شرطَ المكلَّفِ أن يكون عاقلاً, فاهِماً للتكليف؛ لأنَّ التكليف خطابٌ, وخطابُ من لا عقلَ له ولا فهمَ مُحالٌ؛ كالجماد, والبهيمة"([81]).

ويقول الطُّوفيّ([82]) (ت 716هـ): "من شروط المكلَّف: العقلُ, وفهمُ الخطاب؛ أي: يكون عاقلاً, يفهمُ الخطابَ, ولا بُدَّ منهما جميعاً"([83]).

فالمكلَّف لا بُدّ أن يكون عاقلاً يفهم الخطاب. ومن هنا لم يُكلَّف المجنون؛ "لأنَّ مقتضى التكليف: الطاعة والامتثال. ولا يمكن إلا بقصد الامتثال. وشرط القصد: العلمُ بالمقصود, والفهمُ للتكليف؛ إذ مَنْ لا يفهم, كيف يُقال له: افْهَمْ, ومن لا يسمع, لا يُقال له: تكلَّم. وإن سَمِعَ ولم يفهم كالبهيمة, فهو كمن لا يسمع..."([84]).

فالعقلُ هو الذي يرفع الإنسان إلى مستوى التكاليف الإلهيَّة.

وليس ثمَّة عقيدة تقوم على احترام العقل الإنسانيّ, وتكريمه, والاعتزاز به, والاعتماد عليه في فهم النصوص, كالعقيدة الإسلاميَّة.

بل إنَّ العقيدة الإسلامية تدعو العقلَ إلى تشغيل طاقاته, وتستثيره ليؤدِّي دورَه الذي خلقه الله من أجله, وتُنبّهه ليتدبَّر, ويتفكَّر, وينظُرَ, ويتأمَّل؛ مدلِّلةً بذلك على أنَّ الدعوةَ إلى الإيمان قامت على الإقناع العقليّ.

ويبدو هذا واضحاً في آيات كثيرةٍ من كتاب الله الكريم, تكرَّرت عشرات المرَّات في السياق القرآن, مَدَحَ الله U من خلالها مسمَّى العقل, ورفع من شأنه([85]), من خلال توجيهه إلى النظر, والتفكُّر, والتدبُّر, والتأمُّل؛ مثل قوله I: ]كَذَلِكَ يُحْييِ اللهُ المَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ[ [البقرة: 73], وقوله U: ]إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْأَنَاً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ[ [يوسف: 2], وقوله Y: ]كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ الآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ[ [النُّور: 61], وقوله U: ] كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ[ [يونس: 24], وقوله I: ]وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقُهُونَ[ [الأنعام: 98], وقوله U: ]كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ[ [ص: 29], وقوله I: ]أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً[ [النساء: 82]. وغير ذلك من الآيات التي لا يُمكن حصرها في مكانٍ واحدٍ.

وقد اعتنى الإسلامُ بالعقلِ؛ فأمر Y بالمحافظة عليه, ونهى عن كلّ ما يضرُّ به, أو يُعطِّلُ عَمَلَهُ.

فحرَّم I المسْكِراتِ والمُخدِّراتِ لما لها من أثرٍ سيِّئٍ على عقلِ الإنسان؛ فالخمرُ سُمِّيَتْ خمراً بسبب تخميرِها العقلَ؛ أي ستره وتغطيتِه. يُقال: خَمَّر إناءَك, إذا طُلِبَ منك أن تُغطِّيه([86]).

من أجل ذا حرَّمها المولى Y في قوله: ]يَأَيُّها الَّذِين أَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَان أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ في الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدُّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ[ [المائدة: 90 ـ 91]. فالخمر في حال سترها للعقل تجعلُ متعاطيها أشبه بالسفيه الذي لا يُحسن التصرُّفَ, أو المجنون الذي لا يشعر بما يرتكب من جرائم تخلّ بالدين والشرف.

وأشدّ من الخمر في الفتك بالعقلِ: المخدِّراتُ, التي تُزيلَ العقلَ, وتُفسدَ القلبَ, وتجعلُ متعاطيها يعيش في غيبوبةٍ دائمةٍ, هارباً من واقعِهِ.

من أجل ذا حرَّمها الإسلامُ ـ كما حرَّم الخمر ـ, لجامع السّكْرِ في الاثنين؛ فرسولنا e [نَهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ ومُفَتِّرٍ]([87]), وأخبر أنَّ [ما أَسْكَرَ كثيرُهُ, فقليلُهُ حرامٌ]([88]), وأنَّ [كل مسكرٍ خمرٌ, وكلّ خمرٍ حرامٌ]([89]).

وقد قاس ابنُ تيمية حكمَ قليل "الحشيش" على قليل "المسكر", بجامع مُخامرة كلٍّ منهما للعقل, فقال: "وأمَّا قليلُ الحشيشة المسكرةِ, فحرامٌ عند جماهير العلماء, كسائر القليل من المسكرات"([90]).

والمخدِّراتُ كلُّها مُسكرةٌ, والوعيد المترتِّب على تعاطي الخمر, هو الوعيد المترتّب على تعاطي أنواع المخدِّراتِ المختلفة؛ بجامع اشتراك الكُلِّ في إزالةِ العقلِ, ولعمومِ نهيه e عن كُلِّ مُسْكِرٍ ومُفَتِّرٍ.

فكلُّ ما جاء في وعيد شارب الخمر, يأتي في مستعمِل شيء من هذه المذكورات؛ "لاشتراكهما في إزالة العقلِ المقصود للشارعِ بقاؤه؛ لأنَّه الآلةُ للفهمِ عن الله تعالى, وعن رسوله e, والمتميِّز به الإنسانُ عن الحيوان, والوسيلةُ إلى إيثار الكمالات عن النقائص. فكان في تعاطي ما يُزيله وعيد الخمر"([91]).

ولا ريب أنَّ النهي عن هذه الأشياء المضرَّة بالعقل, من أقوى الأدلَّة على عناية الإسلام به, ومحافظته عليه.

وعلينا أن لا ننسى أنَّ العقل واحدٌ من الضروريَّات الخمس التي عني الإسلام ـ كسائر الشرائع ـ بحفظِها.

فالشريعة الإسلاميَّة تدور أحكامها حول حماية خمسة أمور, هي أمَّهات لكلّ الأحكام الفرعيَّة, ويُسمُّونها الضروريَّات الخمس, وهي: حفظ الدين, حفظ النَّفس, حفظ العقل, حف العرض, حفظ المال.

وتتجلّى حماية الإسلام للعقل في([92]):

1 ـ تربيته على حُسْن المعرفة, والمنطق العلميّ, الفكر الاستدلاليّ, والمنهج التجريبيّ.

2 ـ النهي عن كلّ ما يضرّ به, أو يُعطِّل وظيفته؛ كالنهي عن المسكرات والمفترات ـ كما مرّ ـ.

3 ـ الأمر بتغذيته بالعلوم النافعة, واستعماله في الخير.

4 ـ النهي عن الاعتداء عليه بأيّ نوعٍ من أنوع الاعتداء؛ كالضرب ونحوه.

ولقد جعل الإسلامُ الديةَ كاملةً في حقِّ مَنْ ضَرَبَ آخر, فأذهب عقلَه.

يقول عبد الله([93]) ابن الإمام أحمد بن حنبل ـ رحمهما الله ـ: "سمعتُ أبي يقول: في العقلِ ديةٌ؛ يعني إذا ضُرِبَ, فذَهَبَ عَقْلُهُ"([94]). وهذا لا خلاف فيه بين علماء المسلمين([95])؛ لأنَّ العقل "أكبرُ المعاني قَدْراً, وأعظمُ الحواس نفعا؛ فإنَّ به يتميًّز من البهيمة, ويَعْرِف به حقائق المعلومات, ويهتدي إلى مصالحه, ويتَّقِي ما يضرُّه, ويدخل به في التكليف. وهو شرطٌ في ثبوت الولايات, وصحَّة التصرُّفات, وأداء العبادات, فكان بإيجاب الدية أحقّ من بقيَّة الحواس"([96]).

فأيّ تكريم أعظم من هذا التكريم!!.

المسألة الثالثة: مجالات العقل ومداركه في الإسلام:

من سمات التكريم التي حظيَ بها العقل في الإسلام, تلك المجالات التي حُدِّدت له ليخوضَ فيها, حتَّى لا يضلّ, ولا يزيغ, ولا يتخبَّط في الظلمات إذا ما نأى عنها, وخاض في غيرها.

والله U قد "جَعَلَ للعقولِ في إدراكها حدّاً تنتهي إليه لا تتعدَّاهُ, ولم يَجْعَلْ لها سبيلاً إلى الإدراك في كلّ مطلوبٍ"([97]).

وعقول البشر يعتريها ما يعتري البشر من ضعفٍ, وعَجْزٍ, ونقصٍ.

وهي متفاوتة, كما قال وَهبُ بنُ مُنَبِّه([98]) (ت 110هـ): "كما تتفاضَلُ الشجرُ بالأثمارِ, كذلك تتفاضلُ النَّاس بالعقلِ"([99]).

ويشهد لتفاوتها: قوله e للنِّساء: [ما رأيتُ من ناقصاتِ عقلٍ ودينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحازمِ من إحداكُنَّ]([100])؛ فقد دلَّ بمنطوقه عل النُّقصان, وبمفهومه على الزيادة, وهو معنى التفاوت.

وكذا الإجماع دلّ على التفاوت؛ فـ"كلّ النَّاس يقولون: عقلُ فلانٍ قليلٌ, وعقلُ فلانٍ أكثرُ من عقل فلان, وفلانٌ غيرُ عاقلٍ. قيل: هذا كلُّه يُراد به أكثر استعمالاً وتدبُّراً وتفكُّراً من الآخرَ. قيل: فذلك التدبُّر والتفكُّر علامةٌ على كثرة العقل؛ إذ لو كان مثلَ الآخر, لما تفكَّر أكثر, ولا تدبَّر"([101]).

وهذا التفاوتُ يتطرَّق إلى معاني العقل كلِّها, عدا المعنى الثاني؛ وهو العلومُ التي تُلازم الإنسان العاقل؛ فتقع في نفسه ابتداءً, ولا تنفكّ عن ذاته؛ "فإنَّ مَنْ عَرَفَ أنَّ الاثنين أكثرُ من الواحدِ, عَرفَ أيضاً استحالة كون الجسم في مكانين, وكون الشيء الواحد قديماً حادثاً.. إلخ"([102]).

وهذا كلُّه يتساوى فيه بنو البشر.

وتفاوت العقول يدلّ على أنَّ لكلِّ واحدٍ منها حدّاً وغاية ـ في إدراك الأشياء ـ ينتهي إليه, ولا يتعدَّاه.

فالعقلُ لا يُدرِكُ كلَّ ما جاء به الرسول e, أو أخبر عنه؛ فمدارِكُهُ ليست شاملة.

ومن أجل ذا قال الإمام أحمد بن حنبل (ت 240هـ): "ليس في السنَّة قياسٌ, ولا يُضرب لها الأمثال, ولا تُدرك بالعقول"([103]).

وقد عقَّب عليه ابن تيمية بقوله: "هذا قوله, وقول سائر أئمَّة المسلمين؛ فإنَّهم متفقون على أنَّ ما جاء به الرسول e لا تُدركه كلّ النَّاس بعقولهم, ولو أدركوه بعقولهم لاستغنوا عن الرسول"([104]), والله U يقول: ]وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً[ [الإسراء: 15].

والعلوم من حيث إدراك العقل لها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

1 ـ "قسم ضروريّ لا يمكن التشكيك فيه؛ كعلم الإنسان بوجوده, وعلمه بأنّ الاثنين أكثر من الواحد, وأنَّ الضدَّين لا يجتمعان,.."([105]).

2 ـ "وقسمٌ نظريّ يُمكن العلم, ويُمكن أن لا يُعلَم بِهِ؛ وهي النظريَّات. وذلك الممكنات التي تُعلم بواسطة, لا بأنفسها. إلاَّ أن يُعْلَمَ بها إخباراً"([106]).

3 ـ "وقسمٌ لا يعلمه البتة, إلاّّ أن يُعْلَمَ بِهِ, أَوْ يُجْعَلَ له طريقٌ إلى العلم به. وذلك كعلم المغيَّبات عنه؛ كانت من قبيل ما يعتاد علم العبد به أولاً؛ كعلمه بما تحت رجليه, إلاَّ أنّ مغيبه عنه تحت الأرض بمقدار شبرٍ؛ وعلمه بالبلد القاصي عنه, الذي لم يتقدَّم له به عهد. فضلاً عن علمه بما في السموات, وما في البحار, وما في الجنَّة أو النَّار على التفصيل. فَعِلْمُهُ بما لم يُجعَل له عليه دليلٌ غيرُ ممكن"([107]).

ويدخل في هذا القسم ـ الأخير ـ أغلبُ مسائل الاعتقاد؛ فلا تُعْلَمُ إلا عن طريق الخبر؛ إذ لا يُمكن للعقول أن تستقلَ بمعرفة هذه المسائل, لولا مجيء الوحي بها, وبأدلّتها العقليَّة. وما على العقل إلا فهمُها وتدبّرها.

"وأيضاً فإنَّ كثيراً من مسائل الاعتقاد ـ بعد معرفتها, والعلم بها عند العقول ـ لا تُدْرِكُ العقولُ حقيقتَهَا وكيفيَّاتِها"([108]).

ومن الأمثلة على ذلك:

1 ـ الروح, التي ليست من مدارك العقل؛ لذلك لمَّا سألت يهودُ رسولَ الله e عنها, لم يُبيِّنْ له ماهيَّتها, بل قال: هي من أمرِ ربِّي:

فقد أخرج الإمامان البخاريّ ومسلمٌ في صحيحيهما([109]) أنَّ اليهودَ مرّوا برسول الله e, وهو متكئ على عَسِيبٍ, فقال بعضهم لبعضٍ: سلُوه عن الروحِ, فسألوه. فأمسك رسول الله e. فلم يردّ عليهم شيئاً, حتَّى نزل عليه الوحي: ]وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّي وَمَا أُوتِيتُم مِنَ الْعِلْمِ إلاَّ قَلِيلاً[ [الإسراء: 85].

فهذه الروح التي تُوجد فينا, والتي توصف بصفات متعدِّدة, منها: الوجود, والحياة, والقدرة, والسمع, والبصر, والصعود, والنزل, وغير ذلك. وهي مخلوقةٌ, ومع ذلك فالعقول قاصرةً عن معرفة كيفيّتها, وتحديدها؛ لأنَّهم لم يُشاهدوا لها نظيراً, كما قال ابن تيمية: "والنَّاس لمَّا لم يشهدوا لها نظيراً, عَسُرَ عليهم التعبير عن حقيقتها"([110]).

2 ـ أمَّا عن صفات الله U, فللعقلِ دورٌ في تفهُّمِ معانيها؛ لأنَّا "بعقولنا نَعْتَبِرُ الغائبَ بالشاهِدِ, فتبقى في أذهاننا قضايا عامَة كليَّة, ثمَّ إذا خوطِبْنا بوصفِ ما غاب عنَّا, لم نفهمْ ما قِيلَ لنا إلا بمعرفةِ المشهودِ لنا"([111]).

وأمَّا حقيقةُ الصفاتِ وكيفيَاتُها: فلا يُدركها العقل, مع أنَّه لا يحيلها؛ إذ كيف يُدركُ ما يفتقِرُ إلى تصوّرِه.

ونحن لا نعلم كيفيَّة صفات ربِّنا U؛ "إذ العلمُ بكيفيَّة الصفة يستلزم العلم بكيفيَّة الموصوف, وهو فرعٌ له, وتابعٌ له. فكيف تُطالبني بالعلم بكيفيَّة سمعه, وبصره وتكليمه, واستوائه, وأنت لا تعلم كيفيَّة ذاته!. وإذا كنتُ تُقرّ بأنَّ له ذاتاً حقيقيَّة ثابتةً في نفس الأمر, مستوجبة لصفات الكمال, لا يُماثلها شيء؛ فسمعه, وبصره, وكلامه, ونزوله, واستواؤه ثابتٌ في نفس الأمر, وهو متّصفٌ بصفات الكمال التي لا يُشابهه فيها سمعُ المخلوقين وبصرهم, وكلامهم, ونزولهم, واستواؤهم"([112]).

لذلك لمَّا جاء رجلٌ إلى الإمام مالك بن أنس t؛ إمامِ دار الهجرة, فقال له: ]الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى[ [طه: 5], كيف استوى؟ أطْرَقَ الإمام مالكٌ برأسِه, وعَلَتْهُ الرَّحَضَاءُ([113]), ثمَّ رَفَعَ رأسَهُ, وقال: ]الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى[ كما وَصَفَ نفسَه, فلا يُقالُ: كيفَ, و"كيف" عنه مرفوعٌ, وقال للسائلِ: أنت صاحبُ بدعةٍ, وطلبَ من أصحابِهِ أن يُخرجوه من مجلسِهِ([114]).

فسببُ إنكار الإمام مالك ـ رحمه الله ـ على السائل, كونه أراد أن يخوض بعقله, ما ليس في متناول عقله؛ وهو إدراك كيفيَّة الصفة؛ لأنَّ الربَّ Y لا يُحيط به علماً أحدٌ من خَلْقِهِ.

3 ـ وكذلك ما أخبر الله I عنه من أمور الآخرةِ؛ كالجنَّة ونعيمها, والنَّار وجحيمها, وغير ذلك من المغيَّبات, ليس من مدارك العقل, ولا في متناوله, مع أنَّ العقل يُقرّ بها, ولا يُحيلها.

ولنأخذ على ذلك مثالاً بنعيم الجنَّة؛ فالله I أخبرنا عمَّا في الجنَّة من المخلوقات؛ "من أصناف المطاعم, والمشارب, والمناكح, والمساكن؛ فأخبرنا أنَّ فيها لبناً, وعسلاً, وخَمْراً, وماء, ولحماً, وفاكهة, وحريراً, وذهباً, وفضَّة, وحوراً, وقصوراً, وقد قال ابن عبَّاس ـ رضي الله عنهما ـ: ليس في الدنيا شيءٌ ممَّا في الجنَّة, إلاّ الأسماء([115])"([116]).

أمَّا الكيفيَّة, فمختلفة, ولا طاقة للعقل في إدراك كيفيَّة هذا النعيم المقيم, الذي أعدَّه الله للمتّقين, مع أنَّ وجودَه لا يتعارض معه بحال.

"ونحنُ إذا تدبَّرنا عامَّة ما جاء في أمر الدين؛ ـ من ذكر صفات الله U, وما تُعُبِّدُ النَّاس باعتقاده, وكذلك ما ظهر بين المسلمين وتداولوه بينهم, ونقلوه عن سلفهم, إلى أن أسندوه إلى رسول الله e؛ من ذكر عذاب القبر, وسؤال الملكين, والحوض, والميزان, والصراط, وصفات الجنَّة, وصفات النَّار, وتخليد الفريقين فيهما ـ أمورٌ لا تُدرَكُ حقائقُها بعقولنا, وإنَّما ورد الأمر بقبولها والإيمان بها. فإذا سمعنا شيئاً من أمور الدين, وعقلناه, وفهمناه, فلله الحمد في ذلك والشكر, ومنه التوفيق. وما لم يمكنَّا إدراكه وفهمه, ولم تبلغه عقولنا آمنَّا به وصدَّقْنا.."([117]).

وهذا راجعٌ إلى أنَ نصوص الكتاب والسُّنَّة لا تتعارض مع العقل الصريح.

يقول ابن تيمية: "فيأخذ المسلمونَ جميعَ دينهم ـ من الاعتقادات, والعبادات, وغير ذلك ـ من كتاب الله, وسنَّةِ رسولِهِ, وما اتفق عليه سلف الأمّة وأئمتها. وليس ذلك مخالفاً للعقل الصريح؛ فإنّ ما خالف العقل الصريح فهو باطلٌ.

وليس في الكتاب والسنَّةِ والإجماع باطل. ولكن فيه ألفاظ قد لا يفهمها بعضُ النَّاس, أو يفهمون منها معنى باطلاً, فالآفةُ منهم, لا من الكتاب والسُّنَّة"([118]).

وإذا كان كذلك, فإنّ العقلَ مُطالَبٌ بالتسليم للنصّ الشرعيّ الصريح, ولو لم يفهمه, أو يُدْرِكِ الحكمةَ التي فيه؛ لأنَّ الشارع نصَّ على كلِّ ما يَعْصِمُ من المهالك نصّاً قاطعاً للعذر, فلا حجَّة لأحدٍ بعد بيانه, كما ذكر ابن تيمية (ت 728) مستدلاًّ على ذلك بآياتٍ كثيرةٍ, منها([119]): قوله U: ]وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمَاً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[ [التوبة: 115], وقوله: ]الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً[ [المائدة: 3].

وقول أبي ذر الغفاري t: "لقد تركنا رسول الله e, وما يَتَقلَّبُ في السماء طائرٌ, إلا ذكرنا منه علماً"([120]), وقول سلمان الفارسي t حين قيل له: قد عَلَّمكم نبيُّكم كلَّ شيءٍ حتَّى الخِراءة([121])؟: "أَجَلْ؛ لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائطٍ أو بولٍ, أو نستنجيَ باليمين, أو أن نستنجيَ بأقلَ من ثلاثة أحجارٍ, أو أن نستنجيَ برجيعٍ أو بعظمٍ"([122]).

فهل يُعقل أن يُعلِّمهم e هذه الأمور, ويُهمل ما كان أعظم منها؟!

والجواب لا. وفي هذا دليلٌ على أنَّه e ترك أمَّته على مثل البيضاء, فوجب الامتثال لأمره, والانقياد لحكمه.

وعلينا أن لا ننسى أنَّ أوَّلَ ذنبٍ عُصِيَ الله I به, كان سببه عدم الامتثال لأمر الله U؛ وذلك حين أمر الله I إبليسَ بالسُّجودِ لآدم u: ]وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لأََِدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ[ [البقرة: 24, الإسراء: 61, الكهف: 50, طه: 116], لم يمتثل الأمر؛ فكان أوَّل مَنْ قاسَ([123]), إذ رَكَنَ إلى عقلِهِ, فلم يهدِهِ إلى السبب الذي لأجله يسجد الفاضل للمفضول ـ على حسب ظنِّه ـ, فعصَى, فعُوقِب: ]قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ[ [الأعراف: 12, وأيضاً ص: 76].

وهذه أوَّل شبهةٍ وَقَعَتْ في الخليقة؛ كما قال الشهرستاني([124]) (ت 548هـ): "اعْلَم أنَّ أوَّل شبهةٍ وقعت في الخليقةِ: شبهةُ إبليسَ لعنه الله, ومصدرها استبداده بالرأي في مقابلة النصّ, واختياره الهوى في معارضة الأمر واستكباره بالمادة التي خُلِقَ منها؛ وهي النَّارُ, على مادة آدم u؛ وهي الطين"([125]).

فما أخبرنا عنه الله U في كتابه, أو على لسان رسوله e, آمَنَّا به وصدَّقْناهُ, وما سَكَتَ عقولنا في البحث عن كيفيّته, أو تكلُّفِ ما لا يُقدَرُ عليه؛ لأنَّ عقول البشر لا تستقلّ بمعرفة أصول الدينِ على سبيل التفصيلِ, لعَجْزِها وقصورِها, ولو كانت تستقلُّ بمعرفة ذلك, لما أرسلَ اللهُ الرٌّسلَ, وأنزل الكتبَ.

يقول السفاريني([126]) (ت 8811 هـ): "لو كانت العقولُ مستقلَّةً بمعرفة الحقِّ وأحكامِهِ, لكانت الحجَّةُ قائمةً على النَّاس قبل بَعَثِ الرّسل, وإنزال الكتب. واللازم باطلٌ بالنصِّ: ]وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً[ [الإسراء: 15], فكذا الملزوم"([127]).

لكن ليس النفي على إطلاقِهِ, بل نقولُ: لا تستقلُّ العقولُ على سبيلِ التفصيلِ. أمَّا على سبيل الإجمالِ؛ فإنَّ الله I فَطَرَ الخلقَ على مِلَّةِ التوحيدِ:

يقول ابن تيمية: ".. الله سبحانه فوق مخلوقاته, عالٍ عليها؛ قد فَطَرَ الله على ذلك العجائز, والأعراب, والصبيان في الكُتَّاب, كما فطرهم على الإقرار بالخالق تعالى... والرُّسُل بُعِثُوا بتكميل الفطرة وتقريرها, لا بتحويلِ الفطرة وتغييرها"([128]).

والله I قد وَهَبَ عباده عقولاً يهتدون بها إلى الحقِّ. والوصول إلى الحقّ يُمكن من طريقين؛ طريق الوحي, وطريق التجربة التي تجمع بين الحسّ والعقل.

وقد أشار القرآن الكريم في غير ما آية إلى الطريقة الثانية, ومن ذلك قوله I: ]أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآَخِرَةِ خَيْرُ لِّلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلاَ تَعْقِلُونَ[ [يوسف: 109].

"فبالسير في الأرض تتكوَّنُ الصور الحسيَّة لآثار السابقين؛ من خراب الديار, ودروس العمَّار, بعد أن كانوا أكثر قوَّةً وجمعاً. وهذا هو عطاءُ الحسّ, ثمَّ تأتي مهمَّة العقل, وذلك بالنظر في هذا العطاء الحسِّي؛ فيفحصه مرتّباً له, ورابطاً لأجزائه بعضها ببعض؛ يقيس الغائب على الشاهد, ويُلحق الشيءَ بنظيره, والفرعَ بأصله, والملزوم بلازمه, إلى غير ذلك من الأعمال العقليَّة, ثمَّ يخرج بالنتيجة؛ وهي صلاح الدار الآخرة, وتقديمها على الدار الفانية"([129])

وهكذا تبدأ معطيات الحسّ تردُ على العقل عبر رسله ـ السمع, والبصر, ونحوهما ـ, ويبدأ العقل بأداء دوره في التفكُّر فيها, إلى أن ينتهي إلى نتيجة تهديه إلى الحقّ.

وبهذا يتّضح أنَّ الشريعة الإسلاميَّة لم تُهْمِلِ العقلَ, ولم تلغِ دورَه, ولم تأمرْ أتباعَها بتعطيلِهِ وعدمِ تشغيلِهِ, كما فعلت باقي الديانات المحرَّفة, التي كانت تأمرُ أتباعَها بالتسليمِ الأعمى.

فالحمدُ لله الذي هدانا لهذا الدين, وجعلَنَا من أمَّة محمَّدٍ سيِّد الأنبياء والمرسلين. وصلى الله على نبيِّنا محمَّدٍ, وعلى آله وأصحابِهِ أجمعين.

فهرس المصادر والمراجع :

(1) ـ الآمدي, عليّ بن أبي علي بن محمد, (1388هـ), الإحكام في أصول الأحكام, (د. ن).

(2) ـ الإمام أحمد, أحمد بن محمد بن حنبل, (1413هـ ـ 1993م), مسند الإمام أحمد بن حنبل, بيروت: المكتب الإسلاميّ.

(3) ـ الإمام أحمد, أحمد بن محمد بن حنبل, (1408هـ ـ 1988م), مسائل الإمام أحمد, رواية ابنه عبد الله, بيروت: المكتب الإسلاميّ.

(4) ـ الأصفهاني, عبد الله بن محمد, (1408هـ), الذريعة, القاهرة: مكتبة التوعية الإسلاميَّة.

(5) ـ الألباني, محمد ناصر الدين, (1408هـ ـ 1988م), صحيح سنن الترمذي, الرياض: مكتبة التربية العربي لدول الخليج.

(6) ـ الألباني, محمد ناصر الدين, (1409هـ ـ 1989م), صحيح سنن أبي داود, الرياض: مكتبة التربية العربي لدول الخليج.

(7) ـ الألباني, محمد ناصر الدين, (1408هـ ـ 1988م), صحيح سنن ابن ماجه, الرياض: مكتب التربية العربي لدول الخليج.

(8) ـ امرؤ القيس, (1403هـ ـ 1983م), ديوان امرئ القيس, بيروت: دار الكتب العلميَّة.

(9) ـ أنيس, إبراهيم أنيس, ورفاقه, (1392هـ ـ 1972م), المعجم الوسيط, بيروت: مؤسسة الرسالة.

(10) ـ البخاري, محمد بن إسماعيل, (1400هـ), الجامع الصحيح "صحيح البخاري", القاهرة: المطبعة السلفيَّة.

 (11) ـ البغدادي, الخطيب, (د. ت), تاريخ بغداد, بيروت: دار الكتاب العربي.

 (12) ـ البيهقي, أحمد بن الحسين, (1413هـ ـ 1993م), كتاب الأسماء والصفات, جدة: مكتبة السوادي.

(13) ـ الترمذي, محمد بن عيسى بن سورة, (1398هـ ـ 1978م), الجامع الصحيح, المعروف بـ"سنن الترمذي", القاهرة: مكتبة ومطبعة البابي الحلبي.

(14) ـ ابن تيمية, أحمد بن عبد الحليم, (1408هـ ـ 1998م), بغية المرتاد في الردّ على المتفلسفة والقرامطة والباطنية, المدينة المنورة: مكتبة العلوم والحكم.

(15) ـ ابن تيمية, أحمد بن عبد الحليم, (1408هـ ـ 1987م), تفسير سورة الإخلاص, القاهرة: دار الريان للتراث.

(16) ـ ابن تيمية, أحمد بن عبد الحليم, (1410), الجواب الفاصل بتمييز الحقّ من الباطل, الرياض: ضمن مجلة البحوث الإسلاميَّة, ع 29, ص 279 ـ 313.

(17) ـ ابن تيمية, أحمد بن عبد الحليم, (1399هـ ـ 1979م), درء تعارض العقل والنقل, الرياض: جامعة الإمام محمَّد بن سعود.

(18) ـ ابن تيمية, أحمد بن عبد الحليم, (1405هـ ـ 1985م), الرسالة التدمرية, الرياض: شركة العبيكان.

(19) ـ ابن تيمية, أحمد بن عبد الحليم, (1414هـ ـ 1993م), شرح حديث النزول, الرياض: دار العاصمة.

(20) ـ ابن تيمية, أحمد بن عبد الحليم, (1404هـ), مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية, مكة المكرمة: مكتبة النهضة الحديثة.

(21) ـ ابن تيمية, أحمد بن عبد الحليم, (1405هـ ـ 1985م), النبوات, بيروت: دار الكتب العلمية.

(22) ـ الجوهري, إسماعيل بن حمَّاد, (1403هـ ـ 1983م), الصحاح, (د. ت).

(23) ـ ابن حجر, أحمد بن علي, (1406هـ), تقريب التهذيب, حلب: دار الرشيد.

(24) ـ الحربي, إبراهيم بن إسحاق, (1405 ـ 1985م), غريب الحديث, جدة: دار المدني.

(25) ـ ابن حسن, عثمان بن علي, (1412هـ ـ 1992م), منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنَّة والجماعة, الرياض: مكتبة الرشد.

(26) ـ ابن خلكان, أحمد بن محمد, (د. ت), وفيات الأعيان, بيروت: مطبعة الغريب.

(27) ـ أبو داود, سليمان بن الأشعث السجستاني, (1388هـ ـ 1969م), سنن أبي داود, بيروت: دار الكتب العلميَّة.

(28) ـ ابن أبي الدنيا, عبد الله بن محمد بن عبيد, (1409هـ ـ 1989م ), كتاب العقل وفضله, الرياض: دار الراية.

(29) ـ الذهبي, محمد بن أحمد بن عثمان, (1402هـ ـ 1982م), سير أعلام النبلاء, بيروت: مؤسسة الرسالة.

(30) ـ الذهبي, محمد بن أحمد بن عثمان, (1388هـ ـ 1968م), العلوّ للعليّ الغفَّار, بيروت: دار الفكر.

(31) ـ الرازي, محمد بن أبي بكر, (1973م), مختار الصحاح, القاهرة: دار المعارف.

(32) ـ الزبيدي, محمد مرتضى, (1306هـ), تاج العروس وجواهر القاموس, بيروت: مكتبة الحياة. مصور عن ط1 بمطبعة الخيرية الجمالية بالقاهرة.

(33) ـ الزركلي, خير الدين, (1984م), الأعلام, بيروت: دار العلم للملايين.

(34) ـ الزمخشري, محمود بن عمر, (1409هـ ـ 1989م), أساس البلاغة, بيروت: دار الفكر.

(35) ـ السفاريني, محمد بن أحمد, (1405هـ ـ 1985م), لوامع الأنوار البهيَّة وسواطع الأسرار الأثريَّة, الرياض: مكتبة أسامة.

(36) ـ السلمي, أبو عبد الرحمن, (1380هـ), طبقات الصوفيَّة, القاهرة: مطابع الشعب.

(37) ـ السيوطي, جلال الدين, (1366هـ ـ 1947م), صوان المنطق والكلام عن فنّ المنطق والكلام, بيروت: دار الكتب العلميَّة.

(38) ـ الشاطبي, إبراهيم بن موسى, (1405هـ ـ 1985م), الاعتصام, بيروت: دار المعرفة.

(39) ـ الشهرستاني, محمد عبد الكريم, (1977م), الملل والنحل, بيروت: دار الفكر.

(40) ـ الشوكاني, محمد بن علي, (1383هـ ـ 1964م), فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير, القاهرة: مكتبة ومطبعة البابي الحلبي.

(41) ـ الطبري, محمد بن جرير, (1412هـ ـ 1992م), جامع البيان في تأويل آي القرآن, المسمَّى "تفسير الطبري", بيروت: دار الكتب العلميَّة.

(42) ـ الطوفيّ, سليمان بن عبد القوي, (1419هـ ـ 1998م), شرح مختصر الروضة, الرياض: توزيع وزارة الشؤون الإسلاميَّة والأوقاف والدعوة والإرشاد.

(43) ـ ابن عبد البر, يوسف بن عبد الله, (1398هـ ـ 1978م), الاستيعاب في أسماء الأصحاب, بيروت: دار الفكر.

(44) ـ ابن عبد ربه, أحمد بن محمد, (1404هـ ـ 1983م), العقد الفريد, بيروت: دار الكتب العلميَّة.

(45) ـ ابن عقيل, علي بن عقيل, (1420هـ ـ 1999م), الواضح في أصول الفقه, بيروت: مؤسسة الرسالة.

(46) ـ الغزالي, محمد بن محمد, (1406هـ ـ 1986م), شرف العقل وماهيته, بيروت: دار الكتب العلميَّة.

(47) ـ ابن فارس, أحمد بن فارس, (390هـ), اللفيف في معركة كلّ معنى لطيف, القاهرة: مكتبة ومطبعة البابي الحلبي.

(48) ـ ابن فارس, أحمد بن فارس, (389هـ), معجم مقاييس اللغة, القاهرة: مكتبة ومطبعة البابي الحلبي.

(49) ـ الفيروزآبادي, محمد بن يعقوب, (1403هـ ـ 1983م), بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز, بيروت: المكتبة العلميَّة.

(50) ـ الفيروزآبادي, محمد بن يعقوب, (1407هـ ـ 1987م), القاموس المحيط, بيروت: مؤسسة الرسالة.

(51) ـ ابن قدامة المقدسي, عبد الله بن أحمد, (1404هـ ـ 1984م), روضة الناظر وجنّة المناظر, مع شرحها نزهة الخاطر العاطر, الرياض: مكتبة المعارف.

(52) ـ ابن قدامة المقدسي, عبد الله بن أحمد, (1406هـ ـ 1986م), المغني, القاهرة: دار هجر.

(53) ـ الكلوذاني, محفوظ بن أحمد, (1406هـ ـ 1985م), التمهيد في أصول الفقه, مكة المكرمة: جامعة أم القرى "مركز البحث العلمي".

(54) ـ الماوردي, علي بن محمد بن حبيب, (1407هـ ـ 1987م), أدب الدنيا والدين, مكة المكرمة: دار الباز للنشر والتوزيع.

(55) ـ المحاسبي, الحارث بن أسد, (1406هـ ـ 1986م), شرف العقل وماهيته, بيروت: دار الكتب العلميَّة.

(56) ـ مسلم بن الحجاج النيسابوري, (1374هـ ـ 1954م), صحيح مسلم, بيروت: دار إحياء التراث العربي.

(57) ـ النابغة الذبياني, زياد بن معاوية, (1405هـ ـ 1984م), ديوان النابغة, بيروت: دار الكتب العلميَّة.

(58) ـ النحلاوي, عبد الرحمن, (1399هـ ـ 1979م), أصول التربية الإسلاميَّة وأساليبها في البيت والمدرسة والمجتمع, دمشق: دار الفكر.

(59) ـ الهيتمي, ابن حجر, (د. ت), الزواجر عن اقتراف الكبائر, القاهرة: مكتبة ومطبعة البابي الحلبي.

(60) ـ ابن أبي يعلى الحنبلي, (د. ت), طبقات الحنابلة, بيروت: دار المعرفة.



(*) باحث من السعودية.

([1])  الزمخشريّ, 1409هـ, مادة "عقل".

([2]) هو غَيْلانُ بن عُقبة, أبو الحارث العدويّ. من فحول الطبقة الثانية. وأكثر شعره تشبيبٌ وبُكاءٌ على الأطلال. مات سنة 117هـ. (الزركلي, 1984, 5/124).

([3]) الحربي, 1405هـ, 3/1232, قوله "جعل دية المقتولة على عاقلة القاتلة".

([4]) الفيروزآبادي, القاموس المحيط, 1407هـ, مادة "العَقْلُ".

([5]) الجوهري, 1402, مادة "عقل".

([6]) أخرجه الترمذي في جامعه, ك القيامة, باب رقم 60, من حديث أنس t, وقال: "هذا حديثٌ غريبٌ من حديث أنس, لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقد صححه الألباني في "صحيح سنن الترمذي", 1408هـ, 2/309, ح 2044.

([7]) الجوهري, مصدر سابق, مادة "عقل".

([8]) أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي موسى الأشعري t. (البخاري, كتاب فضائل القرآن, باب استذكار القرآن وتعاهده. ومسلم, صلاة المسافرين, باب فضائل القرآن).

([9]) الزمخشري, مصدر سابق, مادة "عقل".

([10]) الحربي, مصدر سابق.

([11]) هو زياد بن معاوية بن ضباب, أبو أمامة الذبياني. شاعرٌ جاهليّ من الطبقة الأولى من أهل الحجاز. له شعرٌ كثيرٌ, وعُمِّرَ طويلاً. (الزركلي, مرجع سابق, 3/45 ـ 55).

([12]) النابغة: ديوانه, 1405هـ, ص 129.

([13]) الجوهريّ, مصدر سابق, مادة "عقل".

([14]) أي أمرهم الذي كانوا عليه. (الفيروزآبادي, مصدر سابق, ص 928 ـ 929).

([15]) أخرجه أحمد في المسند 1/271 من حديث ابن عباس, و2/204 من ابن عمرو t.

([16]) الزمخشري, مصدر سابق, مادة "عقل".

([17]) الفيروزآبادي, القاموس المحيط, مصدر سابق, مادة "العقل".

([18]) أخرجه أبو داود في سننه, كتاب الديات, باب دية الجنين. وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود", 1409هـ, 3/865, ح 3826.

([19]) الجوهري, مصدر سابق, مادة "عقل.

([20]) الحربي, مصدر سابق, قوله [اعقلها وتوكَّل].

([21]) هو امرؤ القيس بن حجر بن الحارث الكندي. أشهر شعراء العرب, وأحد شعراء المعلَّقات. ولد بنجد, ومات بأنقرة ـ في تركيا ـ. (الزركلي, مرجع سابق, 2/11 ـ 12).

([22]) امرؤ القيس: ديوانه, 1404هـ, ص 30.

([23]) ابن فارس, معجم مقاييس اللغة, 1366هـ, مادة "ع ق ل".

([24]) المحاسبيّ, 1406هـ, ص 24.

([25]) صحيح مسلم, كتاب الحدود, باب رجم الثيّب في الزنى.

([26]) الفيروزآبادي, القاموس المحيط, صدر سابق, مادة "العقل".

([27]) ابن حسن, 1412هـ, 1/157 ـ 158.

([28]) هو محمّد بن محمّد الطوسيّ, أبو حامد الغزالي, اشتغل بعلم الكلام ردحاً من الزمن, ثمَّ كانت خاتمة أمره الإقبال على الحديث ومجالسة أهله. مات سنة خمسٍ وخمسمائة. (ابن خلكان, د. ت, 4/216 ـ 219. والذهبي, سير أعلام النبلاء, 1402هـ, 19/322 ـ 346).

([29]) الغزال ي, 1406هـ, ص 58.

([30]) علي بن محمد, أبو الحسن الماوردي. من العلماء الباحثين, والمؤلّفين المكثرين. أقضى قضاة عصره. مات سنة 450هـ. (الزركلي, مرجع سابق, 4/327).

([31]) الماوردي, 1407هـ, ص 6.

([32]) أبو عبد الله. من شيوخ الصوفيَّة. كان ينتسب إلى قول ابن كُلاَّب في نفي الصفات الاختياريَّة. مات ببغداد سنة 243هـ. (الخطيب البغدادي, د. ت, 2/214 ـ 216. والسلميّ, 1380هـ, ص 56 ـ 60).

([33]) المحاسبيّ, مصدر سابق, ص 17.

([34]) المحاسبيّ, مصدر سابق, ص 18.

([35]) هو أيوب بن زيد الهلالي, المعروف بابن القِرِّيَّة, والقِرِّيَّة أمُّه. معدودٌ من جملة خطباء العرب المشهورين بالفصاحة والبلاغة. قتله الحجَّاج بن يوسف سنة 84هـ. (الزركلي, مرجع سابق, 2/37).

([36]) ضَعُفَ, وجَبُنَ, وفَزِعَ. (أنيس ورفاقه, 1972م, ص 1060).

([37]) ابن أبي الدنيا, 1409هـ, ص 47.

([38]) ابن تيمية, مجموع الفتاوى, 1404هـ, 9/287.

([39]) ابن عبد ربه, 1404هـ, 2/106.

([40])  المحاسبي, مصدر سابق, ص 19.

([41])  ابن تيمية, مجموع الفتاوى, مصدر سابق, 3/338.

([42])  المحاسبي, مصدر سابق, ص 19.

([43])  ابن تيمية, مجموع الفتاوى, مصدر سابق, 3/339.

([44])  الغزالي, مصدر سابق, ص 59.

([45])  الماوردي, مصدر سابق, ص 7.

([46])  ابن حسن, مرجع سابق, 1/159.

([47])  الفيروزآبادي, بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيو, 1403هـ, 4/85.

([48])  الماوردي, مصدر سابق, ص 7.

([49])  الغزالي, مصدر سابق, ص 60.

([50])  الماوردي, مصدر سابق, ص 7 ـ 8.

([51])  ابن أبي الدنيا, مصدر سابق, ص 52.

([52])  المصدر نفسه, ص 50.

([53])  ابن عبد ربه, مصدر سابق, 2/109.

([54])  ابن أبي الدنيا, مصدر سابق, ص 50.

([55])  ابن عبد ربه, مصدر سابق 2/108.

([56])  ذكر ابن فارس في كتابه "اللفيف في معرفة كلّ معنى لطيف" ص 69, أنَّ "نخيزة" من مرادفات كلمة "طبيعة".

([57])  الأحمق. (الزمخشري, مصدر سابق, ص 658).

([58])  الماوردي, مصدر سابق, ص 14 ـ 15.

([59])  ابن تيمية, بغية المرتاد, 1408هـ, ص 250 ـ 251.

([60])  ابن تيمية, مجموع الفتاوى, مصدر سابق, 6/336.

([61])  المصدر نفسه.

([62]) ابن تيمية, مجموع الفتاوى, مصدر سابق, 16/337.

([63]) المحاسبي, مصدر سابق, ص 31.

([64]) ابن أبي عمران؛ ميمون الهلالي. إمام, حجّة, ثقة, حافظ, فقيه. مات سنة ثمانٍ وتسعين ومائة, وله إحدى وتسعون. (ابن حجر, 1406هـ, ص 245).

([65]) ابن أبي الدنيا, مصدر سابق, ص 59.

([66]) الأصفهاني, 1408هـ, ص 96.

([67]) المحاسبيّ, مصدر سابق, ص 31.

([68]) هو عامر بن عبد الله, المعروف بابن عبد قيس العنبريّ. تابعيّ من العُبَّاد. مات ببيت المقدس في خلافة معاوية t. (الزركلي, مرجع سابق, 3/252 ـ 253).

([69]) الماوردي, مصدر سابق, ص 9.

([70]) ابن عبد ربه مصدر سابق, 2/111.

([71]) ابن تيمية, درء تعارض العقل والنقل, 1402هـ, 10/302.

([72]) ابن تيمية, مجموع الفتاوى, مصدر سابق, 9/286 ـ 287.

([73]) ابن جرير الطبري, 1412هـ, 12/172.

([74]) هو محمد بن علي بن محمد الشوكاني. فقيهٌ, مجتهد, عالمٌ من كبار علماء اليمن. مات سنة 1250. (الزركلي, مرجع سابق, 6/298).

([75]) الشوكاني, 1383هـ, 3/459.

([76]) ابن عبد البر, 1398هـ, 2/352.

([77]) ابن عقيل الحنبليّ, 1420هـ, 1/27.

([78]) هو عليّ بن عقيل بن محمَّد البغدادي الحنبليّ. من متكلِّمي الحنابلة. مات سنة 513هـ. (الذهبي, السير, مصدر سابق, 19/443 ـ 451. الزركلي, مرجع سابق, 4/313).

([79]) ابن عقيل, مصدر سابق, 1/68.

([80]) علي بن أبي محمد بن سالم, أبو الحسن الآمديّ. أصوليّ, من رؤوس الأشعريَّة. توفي سنة 631هـ. (الذهبي, السير, مصدر سابق, 22/364. والزركلي, مرجع سابق, 4/332).

([81]) الآمديّ, 1388هـ, 1/150.

([82]) هو سليمان بن عبد القويّ بن عبد الكريم الطوفيّ, أو الربيع الصرصريّ. من فقهاء الحنابلة. مات سنة 716هـ. (الزركلي, مرجع سابق, 3/127 ـ 128).

([83]) الطوفيّ, 1419هـ, 1/180.

([84])  ابن قدامة المقدسي, روضة النَّاظر, 1404هـ, 1/137.

([85])  ابن تيمية, النبوات, 1405هـ, ص 93.

([86])  الرازي, 1973م, ص 189.

([87]) سنن أبي داود, كتاب الأشربة, باب في النهي عن المسكر. وأحمد في المسند 4/273.

([88]) سنن أبي داود, كتاب الأشربة, باب في النهي عن المسكر. وسنن ابن ماجه, كتاب الأشربة, باب ما أسكر كثيره فقليله حرامٌ. وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود, مرجع سابق, 2/702, ح 3128, وصحيح ابن ماجه, 1408هـ, 2/245, ح 3393.

([89]) صحيح البخاري, كتاب المغازي, باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن. وكتاب الأدب, باب ما لا يستحيا من الحقّ, وكتاب الأحكام, باب أمر الوالي إذا وجّه أميرين إلى موضع. وصحيح مسلم, كتاب الأشربة, باب بيان أنّ كل مسكر خمر.

([90]) ابن تيمية, مجموع الفتاوى, مصدر سابق, 34/254.

([91]) الهيتمي, (د. ت), 1/212.

([92]) النحلاوي, 1399هـ, ص 67.

([93]) هو عبد الله بن أحمد بن محمَّد بن حنبل, أبو عبد الرحمن الشيباني. إمام, حافظ, ناقدٌ, محدِّث بغداد. مات سنة تسعين ومائتين, عن سبعٍ وسبعين سنة. (الخطيب البغدادي, مصدر سابق, 9/375 ـ 376. والذهبي, السير, مصدر سابق, 13/516 ـ 526).

([94]) الإمام أحمد, المسائل برواية عبد الله, 1408هـ, ص 417.

([95]) نصَّ على ذلك الإمام ابن قدامة المقدسي في كتابه "المغني", 1410هـ, 12/151.

([96]) ابن قدامة, المغني, مصدر سابق, 12/152.

([97]) الشاطبي, 1405هـ, 2/318.

([98]) ابن كامل, أبو عبد الله اليماني الصنعاني. تابعي ثقة. مات سنة عشر ومائة. (الذهبي, السير, مصدر سابق, 4/544).

([99]) ابن أبي الدنيا, مصدر سابق, ص 49.

([100]) صحيح البخاري, كتاب الحيض, باب ترك الحائض الصوم. وصحيح مسلم, كتاب الإيمان, باب بيان نقصان الإيمان بنقصان الطاعات. واللفظ للبخاريّ.

([101]) الكوذانيّ, 1406هـ, 1/55 ـ 56.

([102]) الغزالي, مصدر سابق, ص 66.

([103]) ابن أبي يعلى, (د. ت), 1/241.

([104]) ابن تيمية, درء تعارض العقل والنقل, مصدر سابق, 5/297.

([105]) الشاطبي, مصدر سابق, 2/318.

([106]) الشاطبي, مصدر سابق, 2/319.

([107]) الشاطبي, مصدر سابق, 2/318 ـ 319.

([108]) ابن حسن, مرجع سابق, 1/178.

([109]) صحيح البخاري, كتاب التفسير, باب: ]ويسألونك عن الروح[. وصحيح مسلم, كتاب صفات المنافقين, باب سؤال اليهودِ النبيَّ e عن الروح.

([110]) ابن تيمية, تفسير سورة الإخلاص, 1408هـ, ص 202.

([111]) ابن تيمية, شرح حديث النزول, 1414هـ, ص 104.

([112]) ابن تيمية, الرسالة التدمريَّة, 1405هـ, ص 44 ـ 45.

([113]) الرّحَضاءُ: عرقٌ يغسل الجلدَ لكثرتِهِ. (الزبيديّ, 1306هـ, 5/32).

([114]) البيهقي, 1413هـ, 2/304 ـ 305, ح 86. ووصف الإمام الذهبي في كتابه "العلوّ, 1388هـ, ص 103 "هذا الإسناد بأنَّه صحيح, وقال: "هذا ثابتٌ عن مالك".

([115]) أثر ابن عباس أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره, مصدر سابق, 1/210.

([116]) ابن تيمية, الرسالة التدمريَّة, مصدر سابق, ص 46.

([117]) السيوطي, 1366هـ, ص 182.

([118])  ابن تيمية, مجموع الفتاوى, مصدر سابق, 11/490.

([119])  ابن تيمية, درء تعارض العقل والنقل, مصدر سابق, 1/73 ـ 74.

([120])  أخرجه ا لإمام أحمد في مسنده 5/210, ح 21429, مسند "أب ذر الغفاري".

([121])  أي: حتَّى آداب قضاء الحاجة؛ كما هو وضاحٌ من تفسير سليمان t.

([122])  صحيح مسلم, كتاب الطهارة, باب الاستطابة.

([123])  ابن تيمية, مجموع الفتاوى, مصدر سابق, 6/300.

([124])  هو محمَّد بن عبد الكريم, أحد أئمة الأشعريَّة. له تصانيف, منها: الملل والنحل, ونهاية الإقدام.

([125])  الشهرستاني, 1977, ص 14.

([126])  هو محمَّد بن أحمد بن سالم السفاريني الحنبليّ. شيخٌ, إمامٌ, صاحب التآليف الكثيرة, ولد بقرية "سفارين" من قرى "نابلس" سنة 1114هـ, وتوفي سنة 1188هـ. (الزركلي, مرجع سابق, 6/240).

([127])  السفاريني, 1405هـ, 1/105.

([128])  ابن تيمية, الجواب الفاصل, مجلة البحوث الإسلامية, ع 29, ص 303 ـ 305.

([129])  ابن حسن, مرجع سابق, 1/165.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244