مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 97 - السنة الرابعة والعشرون - آذار 2005 - آذار 1425
Updated: Tuesday, May 10, 2005 01:56 PM
فهرس العدد
 
هذا المخطوط هو: "الدعوات والفصول" للواحدي وليس " تحفة الظرفا وفاكهة اللطفا"، للثعالبي ـــ د.عادل فريجات(*)

هذا المخطوط هو: "الدعوات والفصول" للواحدي وليس " تحفة الظرفا وفاكهة اللطفا"، للثعالبي ـــ د.عادل فريجات(*)

من بين مخطوطات عارف حكمت، في المدينة المنورة، مخطوط ذكره عمر رضا كحالة في كتابه "المنتخب من مخطوطات المدينة المنورة"([1]) وسماه "تحفة الظرفا وفاكهة اللطفا"، وعزاه لأبي منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل (429 هـ). وقال عن عدد صفحاته 103 صفحات، وهو نسخة مضبوطة بالشكل. وهذه المعلومات، جلها مغلوط ومضلل. وقد انحدر إليها الغلط والتضليل، وخاصة في عنوان المخطوط واسم مؤلفه، من السيد (محمد سعيد مولوي)، وهو باحث سوري معاصر، كتب بخط يده، وعلى صفحة الغلاف الأولى غير الأصلية، وبخط مغاير لخط المخطوطة، ودون أي دليل، العبارات التالية:

كتاب في المحاضرات والمحاورات، هذا كتاب تحفة الظرفا وفاكهة اللطفا، لأبي منصور الثعالبي، وقد اكتشفتُ اسمَهُ وحقيقتَه وصورته"

ثم وُقعَ اسمه وهو (محمد سعيد مولوي)، كما ذكرنا من قبل.

وكذلك وجدت هذا الخطأ يمتد إلى مكتبة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية بالرياض، فقد طلبت معلومات عن هذه المخطوطة، حين قمت بزيارة إلى هذا المركز، في نيسان من العام 2004. وإذا بالقيّم على مخطوطات هذا المركز يزودني بالمعلومات التي سطرها عمر رضا كحالة، والمذكورة من قبل، مع ذكر لبداية المخطوط ونهايته، وتصحيح لعدد أوراقه فهي (104) وليست (103)، وتحديد لتاريخ النسخ بالقرن التاسع الهجري، واسم الناسخ، وهو إبراهيم غلام الله المارديني، وذكر لعدد الأسطر في كل صفحة، وهو 15 سطراً. مع إشارة إلى أن النسخة كاملة، وإن كانت بعض العبارات فيها غير واضحة، وعليها أختام وقف في أولها وآخرها باسم أحمد عارف حكمت. ويوجد على الصفحة الأولى أيضاً إشارات إلى مَنْ تَمَّلكه، فقد دخل في نوبة العبد... أحمد بن يوسف، وانتظم في عقد الفقير الخاطئ والساهي محمد الشهير شابي (كذا) حُفَّ باللطف الإلهي. وهناك ختمان لا يمكن قراءة ما كتب عليهما، إضافة إلى دوائر دُوِّن في إحداها نمرة 702، ودائرة دوّن عليها 797، وعبارة بخط مغاير لخطوط العبارات السابقة تقول: مِنْ كُتُب الدواوين، ثم إشارة مآلها: نمرة 679.

وقد جذبني عنوان هذه المخطوطة منذ سنوات، فطلبتُ الحصول على صورة ورقية عن (الفيلم) الدقيق الخاص به، والموجود في مكتبة الأسد الوطنية، فأُجِبْتُ لطلبي، وشرعت في نسخ المخطوطة تمهيداً لتحقيقها، ونشرها. وفي أثناء النسخ، وبعده، اكتشفتُ أن نسبتها إلى الثعالبي خطأ محض، كما شككت في عنوانها، لأن محتوياتها لا تدخل في باب الظرف والظرفاء، ولا تختص بسننه التي ذكرها أبو الطيب الوشاء (325 هـ) في كتابه "الظرف والظرفاء"، إذ يقول: "اعلمْ أن عماد الظرف عند الظرفاء وأهل المعرفة والأدباء: حِفْظ الجوار، والأنفة من العار، وطلب السلامة من الأوزار، والوفاء للذمار". ويضيف في موضع آخر: "وأخبرني أحمد بن عبيد قال: قال الأصمعي وابن الأعرابي: لا يكون الظرف إلا في اللسان". وفي موضع ثالث: "وقال بعض المشيخة: الظريف الذي قد تأدب وأخذ من كل العلوم، فصار وعاء لها، فهو ظرف". وفي موضع رابع قال بعض الأدباء: "الظرف ظلف النفس ورقة الطبع وصدق اللهجة وكتمان السر"([2]). ونصوص كتابنا، الذي نتحدث عنه، لا تدخل في إطار هذه التعريفات، إلا عرضاً، ولماماً، وإنْ كان للثعالبي كتب أخرى تقترب في موضوعاتها من اللطف واللطفاء، والظرف والظرفاء، كما سنرى. ونظراً لما تقدم، أحجمت عن نشر هذه المخطوطة فترة طويلة من الزمن.

والحقيقة أن السبب في نفيي عزو تأليف هذا الكتاب للثعالبي، يعتمد على أدلة خارجية، وأدلة داخلية، وفيما يلي بسط لذلك:

آ ـ الأدلة الخارجية:

لقد راجعت ما كتبه فؤاد سزكين عن آثار الثعالبي المطبوعة والمخطوطة، فلم أعثر بينها على كتاب بعنوان "تحفة الظرفا وفاكهة اللطفا"([3]). وكذلك راجعت القائمة التي أدرجها ( صادق النقوي) وهو محقق كتاب " خاص الخاص" للثعالبي، وهي أكمل قائمة لمؤلفات الثعالبي، فلم أعثر على كتاب للثعالبي بعنوان " تحفة الظرفا وفاكهة اللطفا". وقائمة النقوي تربو على قائمة حبيب الراوي وابتسام مرهون الصفار، الواردة في مقدمة تحقيقهما لكتاب الثعالبي" تحفة الوزراء" البالغة مئة كتاب وكتاباً. وتزيد كثيراً على قائمة عبد الفتاح الحلو المثبتة في مقدمة تحقيقه لكتاب الثعالبي: "التمثيل والمحاضرة".

ثم إنني طالعت ما نشره الدكتور (شاكر الفحام) من ترجمة للثعالبي، في مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق([4])، وقد نقله عن كتاب "الوافي بالوفيات"، للصفدي، فلم أقع بين كتب الثعالبي المذكورة في ذاك الموضع، والبالغة (67) كتاباً، على كتاب بعنوان "تحفة الظرفا وفاكهة اللطفا"، وإن كانت تحوي عناوين قريبة من العنوان الموضوع لمخطوطتنا التي نتحدث عنها، مثل: الظرائف واللطائف، ولطائف الظرفاء، والملح والطرف. وقد نبَّهَ الدكتور (الفحام) إلى أن من عادة الثعالبي أن يعيد تأليف كتبه، ويختار لها أسماء جديدة، فكتابه "فقه اللغة" هو ذاته "سر الأدب في مجاري كلام العرب"، وكذلك فإن كتابه "نسيم السحر"، هو جزء مقتطع من كتابه "فقه اللغة"([5]).

ومما ينسب إلى الثعالبي، مخطوط بعنوان "الشكوى والعتاب" (من مخطوطات دار الكتب المصرية ـ رقم 1973). وقد ضلّل هذا العنوان كلاً من (كارل بروكلمان) و(جرجي زيدان) فنسباه إلى الثعالبي. وحين نهضت الدكتورة (إلهام عبد الوهاب المفتي) لتحقيق هذا المخطوط، حررت نسبته، وكشفت حقيقته، فإذا هو قطعة من كتاب "ربيع الأبرار"، للزمخشري، وليس "الشكوى والعتاب" للثعالبي([6]).

وكذلك عزي للثعالبي كتاب بعنوان: "المنتخب في محاسن أشعار العرب". وأصله المخطوط في مكتبة المتحف البريطاني. وبعد أن فحصه ومحصه الدكتور الباحث (عادل سليمان جمال) اكتشف أنه ليس للثعالبي. وكان سبب الخطأ في نسبته إليه، هو أن أحد مالكي المخطوطة المعنية كتب على هامشها عبارة تقول: "صاحب اليتيمة أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي توفي 429 هـ". وكان غرض هذا المالك أن يحدد مؤلف كتاب "اليتيمة"، لا أن يذكر اسم مصنف كتاب "المنتخب"، الذي أخرجه الدكتور (جمال) في القاهرة في العام 1994. وقد أوهم هذا بعضهم فنسبوا الكتاب، خطأ إلى الثعالبي. وقد كان لهذا المحقق أدلته المقنعة في نَفْي تلك النسبة بسطها في مقدمة التحقيق.

ووقعت على إشارة إلى كتاب للثعالبي، بعنوان "تحفة الأرواح وموائد السرور والأفراح" وردت في كتاب إسماعيل باشا البغدادي "إيضاح المكنون عن أسامي الكتب والفنون"([7]).

ولكن عنوان هذا الكتاب مختلف عن عنوان كتابنا، ولا علاقة له بمضومنه كما سنرى. كذلك حصلت من معهد المخطوطات العربية بالقاهرة على صورة لكتاب للثعالبي، عنوانه: "التحف والأنوار"، وطالعته، فوجدته مقطوع الصلة بالمخطوط الذي نتحدث عنه.

ولم أغفل عن أنّ الباحث في مؤلفات الثعالبي، ومخطوطات كتبه، يقع على كثير من الخلط في نسبتها إليه، وإلى غيره من المؤلفين، فقد وهم (لويس شيخو) عندما نشر كتاباً بعنوان "مكارم الأخلاق" في بيروت في العام 1900ونسبه إلى الثعالبي. وهو في حقيقة الأمر، للأهوازي المتوفى سنة 428 هـ. والمعروف أن كتاب "الفرائد والقلائد"، المطبوع على هامش كتاب الثعالبي "نثر النظم" في القاهرة العام 1327 هـ قد نسب، غلطاً، إلى الثعالبي. وهو للأهوازي المذكور سابقاً.

وورد في مجلة (المورد) البغدادية([8])، أن الثعالبي ينقل في كتابه "سحر البلاغة وسر البراعة" (23) نصاً عن أبي الحسين محمد بن الحسن الأهوازي، وكلها موجودة في كتاب "الفرائد والقلائد"، للأهوازي نفسه. وهذا يشير إلى مقدار الخلط الذي وقع في بعض الكتب المنسوبة إلى الثعالبي. وهاهنا يبرز السؤالان الأساسيان، وهما: من هو مؤلف المخطوط الذي نتحدث عنه؟ وإن لم يكن عنوانه "تحفة الظرفا وفاكهة اللطفا" فما هو عنوانه الحقيقي؟

والجواب الذي نطلقه، أن الكتاب الذي نتحدث عنه الموصوف سابقاً، هو: كتاب "الدعوات والفصول". ومؤلفه هو: الواحدي علي بن أحمد، المتوفى في العام (468 هـ). وهذا ينقلنا إلى الأدلة الداخلية على مزاعمنا السابقة.

ب ـ الأدلة الداخلية:

ومن هذه الأدلة ما يدفع نسبته إلى الثعالبي من جديد، ومنها ما يقدم نوافذ للبحث عن اسم مؤلفه الحقيقي.

فمن الأدلة الأولى أن مؤلف الكتاب يقول: "قرأتُ على الشيخ أبي منصور الثعلبي (والصواب الثعالبي) قوله:

هُنّئتَ هذا العيدَ يا من غدتْ

 

أيامُهُ في الحُسْنِ أعيادا

فلا تزلْ ترفلُ في نعمةٍ

 

تأتيكَ أزواجاً وأفرادا([9])

وكذلك يعزو شعراً لأبي منصور الثعالبي، وهنا لا يخطئ الناسخ، فيرسمه على الصواب (الثعالبي)، وهو قوله:

صحَّتْ بصحتكَ المكارمُ والعُلُى

 

وتباشرتْ بكَ مهجةُ الإسلامِ

فلنشكرنَّ الله جَلَّ جلالُهُ

 

مدَّ الكلام وطاقةَ الأقلامِ([10])

ويقول المؤلف: "وأنشدني أبو منصور الثعلبي (والصواب الثعالبي) في تهنئة الأمير محمود:

نثرتْ عليكَ سعودَها الأفلاكُ

 

وعنتْ لعزةِ وجهكَ الأملاكُ

زُوِّجْتَ بالدنيا لأنَّكَ كفؤها

 

فاسعدْ بها وليهنكَ الإملاكُ

فالأرضُ دارُك والورى لكَ أَعْبُدٌ

 

والبدرُ نَعْلُكَ والسماكُ شِراكُ([11])

ودفعاً للبس قد يقع بين الثعلبي، والثعالبي، فإننا نشير إلى أن هذه الأبيات الثلاثة قد وردت في ديوان الثعالبي([12]).

ومما استشهد به المؤلف: "... قول الشيخ أبي منصور الثعالبي:

أَوْفَى على شرفِ الزمانِ بِمجدِهِ

 

واللهُ يصرفُ عنهُ عينَ كمالِهِ"([13])

ويضيف المؤلف في الورقة ذاتها "وله.."، أي للثعالبي، ويسوق هنا أربعة أبيات على الراء، منها بيتان جاءا في ديوان الثعالبي([14]).

وذِكْرُ كنية الشاعر في عزو الأبيات السابقة جميعها، وهي أبو منصور، ينفي كونها للثعلبي (أبي اسحق) المتوفى في العام 427 هـ. وهذا الأخير هو أستاذ الواحدي، الذي لازمه زمناً طويلاً، كما أن الثعالبي كان شيخاً من شيوخ مؤلف هذا المخطوط، كما يصرح هو بذلك.

وكل ما تقدم يعني أن مؤلف المخطوط، الذي نتكلم عنه، ليس الثعالبي أبا منصور، إذ لا يعقل أن يقول الثعالبي عن نفسه "وأنشدني الثعالبي" أو أن يقول: "قرأتُ على الشيخِ أبي منصور". وقد كان من عادة الثعالبي حين يسوق بعض أشعاره، في كتبه، أن يقول: "وقال بعض أهل العصر" أو "قال مؤلف الكتاب".

وكل ما قاله السيد (مولوي)، من مزاعم سابقة، فيه نظر، والدليل فيما يأتي مباشرة:

ذكرنا من قبل أن في المخطوط، الذي نعنى به، صوى عامة، ونصوصاً محددة، تشير إلى زمن مؤلفه، وتعين على معرفة صاحبه. ومن تلك الصوى، سماعه عن الثعالبي (429 هـ) أولاً، وثانياً: إن الأعلام الذي نقل عنهم المؤلف نصوصاً معينة، سواء كانت نثراً أم شعراً، لا تتجاوز وفاة أكثرهم حداثة، العام 460 هـ. وقد عرفت ذلك بعد أن فهرستُ أولئك الأعلام، وعرفت سني وفياتهم. ثم إن المؤلف يقول: "أنشدني الحسن بن أبي الطيب الباخرزي لنفسه:

إذا شئت أن لا تبتلى بالدمامل                   فعن كل شيء مفسد للدمامل([15])

والحسن الباخرزي المذكور هنا، هو والد علي الباخرزي أبي الحسن (أو أبي القاسم) مؤلف كتاب: "دمية القصر وعصرة أهل العصر"، وقد توفي في العام (427 هـ). أما ابنه علي فقد توفي في العام (467هـ).

ويقول المؤلف أيضاً: "سمعتُ عبد الصمد بن علي الطبري يقول للإمام الموفق رحمه الله عند فَصْدِه: "فَصَدْتَ، فصِدْتَ العافية"([16]).

وجاء في معجم الأدباء لياقوت الحموي([17]) أن الشيخ علي بن الحسن الباخرزي والكندري كانا في مجلس الإفادة من الإمام الموفق النيسابوري، في السنة أربع وثلاثين وأربعمائة. ولما كان الشيخ الكندري، وهو أبو نصر منصور بن محمد، قد توفي في العام (459هـ)([18])، أي قبل وفاة الباخرزي بثماني سنوات، فهذا يعني أن صاحبَ مخطوطنا، الذي سمع عبد الصمد بن علي الطبري، والإمام الموفق، الذي التقاه الكندري، وحضر مجلسه، كان من رجال القرن الخامس الهجري. يضاف إلى ذلك سماعه عن الشيخ أبي منصور الثعالبي، المتوفى في العام (429هـ). وبناء عليه، فإن المؤلف هو من تلاميذ الثعالبي، ومن رجال القرن الخامس الهجري يقيناً.

ولكن النافذة الأقوى، التي نفذنا منها إلى معرفة اسم مؤلف الكتاب، جاءت من خلال قصيدة للمؤلف وردت في المخطوط، فهو يقول: "ومن جيِّد ما قُلْتُهُ نَظْماً في هذا الباب قَوْلي":

1 ـ أيا قادماً مِنْ مصرَ أهلاً ومرحباً

 

بقيتَ على الأيامِ ما هبَّتِ الصَّبا

2 ـ لعمري لقدْ أحيا قدومك مُدْنفاً

 

بُحبِّكَ صَبّاً في هواكَ مُعذَّبا

3 ـ يظلُّ أسيرَ الوجدِ نهبَ صبابةٍ

 

ويمسي على جمرِ الغضا مُتقلّبا

4 ـ وكمْ فاضَ من عيني لبعدِكَ أَدْمعٌ

 

حكى غزرها جُوْدُ الربيعِ وصيِّبا

5 ـ وعاد النهارُ الطلْقُ أسودَ مظلماً

 

وعاد سنا الإصباحِ بعدَكَ غَيْهبا

6 ـ وأقسم لو أبصرتَ طرفي باكياً

 

لشاهدْتَ دمعاً بالدماءِ مُخضّبا

7 ـ مسالك لهوٍ سدَّها الوجدُ والجوى

 

وروض سرور عادَ بعدكَ مُجْدِبا

8 ـ فداؤك روحي يا ابنَ أكرمِ والدٍ

 

ويا من فؤادي غير حُبِّيْه قد أبى

9 ـ عليكَ دليلٌ للنجابةِ ماثلٌ

 

وإنَّ أباً أنتَ ابنُهُ بكَ أنجبا

10 ـ ولا زِلْتَ تسمو في معاليكَ دائباً

 

إلى أنْ تُرَى في بُعْدِ مجدَك كوكبا([19])

وقد صار جلُّ وكْدي، أن أعثر على القصيدة، أو على بعضٍ منها، وقد عُزِيت لقائلٍ بعينه. فإنْ وقعْتُ على ذلك، عرفتُ أن مؤلف الكتاب، هو قائل القصيدة البائية، التي ساق منها عشرة أبيات في كتابه، الذي بقي عنوانه مجهولاً، قبل اكتشافي، الذي سعيت إليه، ووقعت عليه.

وهكذا ضاقت الدائرة شيئاًَ فشيئاً، وبدأ اسم المؤلف يتبرقع، ولكنه لم يسفر. ففي القرن الخامس الهجري شعراء ومصنّفون كثيرون جداً جداً. ومن حسن الحظ أن بعض معاصريهم قد ترجموا لهم، مثل الثعالبي في كتابيه: يتيمة الدهر، وتتمة اليتيمة، والباخرزي في: دمية القصر وعصرة أهل العصر. وهما كتابان وصلا إلينا، وطبعا في زماننا. ومثل الحسن بن المظفر (442هـ) في كتابه ذيل تتمة اليتيمة، والبيهقي في كتابه وشاح الدمية. وهما كتابان لم يصلا إلينا كاملين زِدْ على ذلك ما صنفه الأسلاف في كتب التراجم والرجال، وهو كثير كثير، يكاد لا يقع تحت حصر. وبعضه نقل عن كتب ضاعت، ولم تصل إلينا.

والحقيقة أنني بعد أن تفحصت كتاب يتيمة الدهر للثعالبي، وخرجت بنتيجة سلبية، ركزت اهتمامي على كتاب دمية القصر للباخرزي، فطالعتُهُ صفحةً صفحةً، ولا أقول كلمةً كلمةً. وكانت عيني على الأشعار التي يسوقها الباخرزي لمن يترجم لهم. ومرت ترجمة الواحدي في هذا الكتاب([20])، وذُكرت له هناك أشعار، ولكنها لم تكن تمت بصلة للقصيدة البائية السابقة المذكورة في كتابنا. لكن، والحق يقال، استنتجتُ أن بعض الكتب، عند معاينتها وتمحيصها، لغرض من الأغراض، تصدر ذبذبات خاصة ينبغي على الباحث أن يلتقطها. ومن هذه الذبذبات أن كثيرين من ترجم لهم الباخرزي، مدحوا الوزير السلجوقي (نظام الملك) المتوفى (485هـ). فافترضت أن يكون مؤلف الكتاب، الذي مازال مجهولاً لدي، قد امتدح هذا الوزير، مثله مثل معاصريه. فاتجهت في فجر يومٍ ما إلى اكتشاف ما ذكره ياقوت الحموي عن (نظام الملك) في جميع صفحات كتابه "معجم الأدباء"، فوجدته يذكره في عشرين موضعاً. وهنا بزغ الفجر، وانجلت الظلمة، وشعرت بنشوة الاكتشاف، إذ عرفت اسم مؤلف المخطوط. فقد وجدت ياقوت يقول في معجم الأدباء في معرض ترجمته للواحدي علي بن أحمد بن محمد بن علي: "وقعد للإفادة والتدريس، وتخرج به طائفة من الأئمة، سمعوا منه وقرأوا عليه، وبلغوا محل الإفادة، وعاش ملحوظاً من النظام وأخيه بعين الإعزاز والإكرام، وكان حقيقاً بكل احترام وإكرام". ويضيف ياقوت في الترجمة ذاتها: "ذكره الحسن بن المظفر النيسابوري، فقال: أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري هو الذي قيل فيه:

قد جمع العالم في واحد

 

عالمنا المعروف بالواحد([21])

ويتابع ياقوت ترجمته للواحدي فيقول: "قال: ومن غرر شعره:

1 ـ أيا قادماً من طوسَ أهلاً ومرحباً

 

بقيتَ على الأيام ما هبّتِ الصَّبا

2 ـ لعمري لئن أحيا قدومُكَ مُدْنفاً

 

بحبّكَ صَبّاً في هواكَ مُعذَّبا

3 ـ يظل أسير الوجدِ نهبَ صبابةٍ

 

ويمشي على جمر الغضا مُتَقلّبا

4 ـ فكمْ زفرةٍ قد هجتها لو زفرتها

 

على سدّ ذي القرنين أمسى مُذوبَّا

5 ـ وكمْ لوعةٍ قاسيتُ يومَ تركتَني

 

ألاحظ منك البدرَ حين تغيَّبا

6 ـ وعاد النهارُ الطلْق اسودَ مظلماً

 

وعادَ سنا الإصباحِ بعدَكَ غَيْهبا

7 ـ وأصبحَ حُسْنُ الصبرِ عني ظاعنَا

 

وحدّد نحوي البينْ ناباً ومخْلبا

8ـ فأقسمُ لو أبصرتَ طرفي باكياً

 

لشاهدْتَ دمعاً بالدماءِ مُخَضَّبا

9 ـ مسالكُ لهو سدّها الوجد ُوالجوى

 

وروض سرور عادَ بعدك مُجْدبا

10 ـ فداؤك روحي يا ابنَ أكرمِ والدٍ

 

ويا من فؤادي غيرَ حُبّيْهِ قد أبى([22])

وواضح هنا أن الأبيات: 1 و2 و3 و6 و7 و8 في قصيدة مخطوطتنا، غير المعزوة لشخص بعينه، قد وردت في قصيدة معجم الأدباء، معزوة للواحدي. وهذا دليل قوي، وبرهان ساطع، على أن صاحب القصيدتين واحد، وهو في الوقت نفسهُ مصنِّف المخطوطة التي نفحص شأنها، وهو: الواحدي علي بن محمد، المتوفى في العام (468 هـ).

ولا يجوز أن تحول الخلافات الطفيفة في رواية الأبيات الستة، المشتركة بين القصيدتين، دون وصولنا إلى النتيجة التي وصلنا إليها. فهذا شأن كثير الشيوع في روايات الشعر العربي القديم. وقد كانت بعض روايات المخطوط أفضل أحياناً، وكانت بعض روايات معجم الأدباء أفضل أحياناً أخرى. والراجح لدينا أن يكون المخاطب في البيت الأول قادماً من (طوس)، وليس من (مصر). كما نرجح أن يكون المخاطب في هذا البيت هو (نظام الملك) ـ الوزير السلجوقي الذي عاش الواحدي في كنفه "ملحوظاً بعين الإعزاز والإكرام، وحقيقاً بكل احترام وعظام". ومرجحات ذلك، سياق النص الذي وردت فيه ترجمة الواحدي، وكون نظام الملك من (طوس). وكان بين طوس ونيسابور عشرة فراسخ، كما يقول ياقوت الحموي([23]).

وقدومه من (طوس) إلى نيسابور، أكثر توقعاً، وأقوى احتمالاً، من قدومه من (مصر) إلى نيسابور. ثم إن (نظام الملك) كان وزير السلطان ألب أرسلان لعشرين عاماً، وكانت أيامه دولة أهل العلم. وقد توفي في السنة (485 هـ). وهو من أولياء نعمة الواحدي. والواحدي من أصحاب الحظوة لديه. ولا غرابة في أن يرحِّب به الواحدي، ويمتدحه، حين يأتي من (طوس) إلى (نيسابور) حيث يقيم الواحدي. ويدعم هذه الترجيحات حاشية سطرها ناسخ المخطوطات، أو غيره، بموازاة البيت الأول من القصيدة البائية تقول: (طوس). وفوقها كلمة (صح). وهي بديل كلمة (مصر).

وقد أبعد اكتشافي هذا، الافتراض الذي تصورته، بداية، لعنوان الكتاب، ولاسم مؤلفه، وهو: كتاب "جونة الند" للأديب أبي يوسف يعقوب بن أحمد الكردي النيسابوري 474 هـ). وهو المختص بكتب شيخه الثعالبي، والمأخوذ عليه فرط عنايته بها([24]). ولكني عرفت، فيما بعد، أن "جونة الند" كتاب في الاختيارات الشعرية([25])

والكتاب الذي بين يدي يحوي شعراً ونثراً معاً. كما استبعد هذا الاكتشاف أن يكون واحداً من كتب أبي عامر الجرجاني (كان حياً سنة 458هـ) وهي: سلوة الغرباء، وقلائد الأشراف، وعروق الذهب([26]). أو أحد كتب الزوزني (492 هـ)، وهو من أصحاب الباخرزي... الخ.

وسهل علي، بعد معرفة صاحب مخطوطتي، أن أعرف عنوانها. فكتب الواحدي معروفة مشهورة. منها ما هو مطبوع، ومنها ما هو مخطوط. وكتابنا هذا هو أحد كتب الواحدي المخطوطة التي ظُلمت زمناً ونسخته هذه نسخة فريدة لا ثانية لها، في حدود علمي. ولكنها لحسن الحظ، لم تُفْتَقد. وقد قطعنا بأن عنوانها هو "الدعوات والفصول"، لأنه لا يوجد أي كتاب للواحدي، ينطبق عنوانه على مضمون مخطوطتنا، مثل كتابه هذا "الدعوات والفصول".

وعلى الرغم من كون ناسخ مخطوطتنا، قد وقع في أخطاء كثيرة في نسخها، جهلاً وسهواً، وتصرف في بعض المواضع فيها، دونما سند أو رواية أو دراية، وأن بعض المعاصرين قد جنى عليها، فها هي ذي تبعث حية من جديد، وتقدم إضافة معرفية للمهتمين بآثار الواحدي خاصة، وكنوز التراث عامة.

والحقيقة أن ما أصاب هذه المخطوطة، في رحلتها التي استمرت ستمئة عام، وهو فقدان الورقة الأولى فيها، التي تحمل العنوان واسم المصنف، هو ذاته ما أصاب مخطوطة لأسامة بن منقذ عنوانها "المنازل والديار". ولكن مع الفارق، فالأخيرة لم ينتحل لها عنوان، في حين أقحم على المخطوطة الأولى عنوان ليس لها، فعقَّدَ أمرَها. ولما عاين (كراتشكوفسكي) مخطوطة ابن منقذ، ومحص مقدمتها، عرف اسمها، واسم مؤلفها، الذي كان قد أشار إلى زلزال ضخم خرب ديار ذويه في منطقة شيزر في العام (1157م). فربط (كراتشكوفسكي) بين تاريخ وقوع ذاك الزلزال، وتاريخ حياة ابن منقذ، إضافة إلى مرتكزات أخرى، وانتهى إلى أن اسم مخطوطه القابع في إحدى خزائن مدينة (ليننغراد) في روسيا، هو "المنازل والديار"([27]). ولكن كراتشكوفسكي، اعترف بموضوعية وأمانة، أنه اعتمد في اكتشافه هذا على إشارة، سبق إليها قبل مئة عام من إنجازه السابق، وهي إشارة (فرين) إلى أن هناك مؤلفاً بخط أسامة بن منقذ هو كتاب المنازل والديار مخزون مع مخطوطات المتحف الآسيوي، في ليننغراد، المعروفة سابقاً باسم (سان بطرسبورغ). وقد افتقدنا نحن مثل هذه الإشارة في عملنا هذا، بل وقفنا على إشارة مضللة ومناقضة، تخطئ في اسم المخطوط، وفي اسم مؤلفه.

ولو عدنا إلى مخطوطتنا، نزيح عنها بعض أسداف الظلمة المحيطة بها، أمكننا أن نستنتج، ترجيحاً، مما نقله ياقوت الحموي في ترجمة الواحدي، عن الحسن بن المظفر النيسابوري من معلومات، التاريخ الذي ألف فيه الواحدي كتابه "الدعوات والفصول". فياقوت ينقل نص القصيدة التي كانت مفتاح الأبواب الموصدة دون حقيقة المخطوطة، عن أحد كتب الحسن بن المظفر النيسابوري. والراجح أنه ينقلها عن كتاب هذا الأديب المعروف بـ "ذيل تتمة اليتيمة". ولما كان الحسن بن المظفر قد مات في السنة (442هـ)([28]) فإن كتاب "الدعوات والفصول" الذي حوى هذه القصيدة المفتاح، يكون مؤلَّفاً قبل العام (442هـ). ويقوي هذا الترجيح، الشبه القوي بين تقديم الواحدي لقصيدته، ونصه: "ومن جيد ما قلته نظماً" وتقديم الحسن بن المظفر للقصيدة ذاتها، ونصه: "ومن غرر شعره"([29]).

وقد ذكر هذا الكتاب للواحدي ياقوت الحموي في معجم الأدباء وسماه هناك "الدعوات والمحصول". ولكن المحقق المرحوم إحسان عباس أشار في الحاشية الخامسة من الصفحة ذاتها إلى أن (المحصول) في (ك): هي (الفصول). و(ك) عند عباس، هي رمز لـ (كوبريللي). أي أن العنوان الوارد في مخطوطة كوبريللي لمعجم الأدباء، هو "الدعوات والفصول". ونحن مِلْنا إلى ذلك، لأن الكتاب الذي بين أيدينا قائم على الدعوات المتباينة والفصول المتنوعة. وعنوانه في مخطوطة كوبريللي، أَلْيَق ما يكون بمضمونه، ولهذا اعتمدناه.

وقد ذكر كتابنا هذا بعنوان: "الدعوات" فقط. وهو اختصار شائع لأسماء الكتب القديمة، في مصادر متعددة، فهو "الدعوات" في سير أعلام النبلاء([30]) للذهبي (748هـ)، وطبقات الشافعية([31]) لابن قاضي شهبة (851 هـ) وطبقات المفسرين([32]) للداودي (945هـ)، وكشف الظنون([33]) لحاجي خليفة (1067 هـ)، وشذرات الذهب([34]) لابن العماد الحنبلي (1089هـ).

ولا غرابة في أن يؤلف الواحدي كتاباً بعنوان "الدعوات". فهو حين فعل ذلك، جرى على ما جرى عليه سابقوه ولاحقوه. فقد ذكر حاجي خليفة في كشف الظنون كتباً، عنوان كل منها "الدعوات" ونسبها إلى كل من: الحسين بن إسماعيل المحاملي (330هـ)، والطبراني (360 هـ)، والإمام جعفر بن محمد المستغفري الشافعي (432هـ)، والإمام البيهقي (458هـ)، وأبي دواد الحافظ، وشمس الأئمة الحلواني([35]). وثمة فصول (للأدعية) وردت في كتب أدبية كثيرة، مثل: كتاب زهر الآداب للقيرواني، ومحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء للراغب الأصفهاني، والتذكرة الحمدونية، لابن حمدون... الخ.

وكتاب الدعاء (الدعوات) للمحاملي وصل إلينا، وطبع في مكتبة ابن تيمية، وكذلك طبع كتاب الطبراني "الدعاء" في دار الكتب العلمية ببيروت. ومن كتب الأدعية المطبوعة: الدعوات المستجابة لأبي حامد الغزالي ( ط ـ مكتبة القرآن)، والدعوات المستجابة لابن القيم الجوزية (ط ـ مكتبة التراث)، وسهام الإصابة في الدعوات المستجابة (ط ـ دار البشير). وثمة إشارة إلى مخطوطة أخرى بعنوان "أدعية مختارة" لأحمد بن محمد بن محرز (516) في فهرس مخطوطات دار الكتب الظاهرية([36]).

وبعد، فما هو منهج هذا الكتاب، وما هي أهم مزاياه؟

إن كتاب الواحدي هذا "الدعوات والفصول" من كتب الأدب العامة التي شاع تأليفها بدءاً من القرن الثالث الهجري، كعيون الأخبار لابن قتيبية (276هـ)، والعقد الفريد لابن عبد ربه (322 هـ) وروضة العقلاء ونزهة الفضلاء لأبي حاتم البستي (354)، وتحفة الوزراء للثعالبي، وسر البلاغة وسحر البراعة المنسوب إلى الثعالبي (429 هـ)، وأدب الدنيا والدين للماوردي (450هـ)، ومحاضرات الأدباء للراغب الأصبهاني (502 هـ)، ولباب الآداب لأسامة بن منقذ (584). والتذكرة الحمدونية لابن حمدون (562هـ) وطرف الأصحاب وتحف الأحباب لليافعي (768هـ)، والمستطرف للأبشيهي (854 هـ)، والمحاضرات والمحاورات للسيوطي (911هـ).

والطابع العام لهذه الكتب، مع تفاوت فيما بينها، هو التعويل على أركان الثقافة العربية، تمتح منها، وتستشهد بنصوصها. وأركان الثقافة العربية، عامة، هي: القرآن الكريم، والحديث الشريف، والشعر العربي القديم، والمأثور من أقوال الحكماء والكتاب. ولما كان الواحدي، قد عرف بأنه مُفسِّر للقرآن وعالم بالحديث، فقد غلب على كتابه الاستشهاد بآيات من القرآن، ونصوص من الحديث الشريف. ولكنه لم يهمل الشعر القديم، ولا نثر الكتاب الذين سبقوه، أو عاصروه.

فالواحدي مثلاً تحت عنوان (فصول التهنئة بالعيد، وما تختص به من الأدعية) يقول: "قال أنس: قدم النبي (r) المدينة، ولهم يومان من السنة، فقال النبي (r): قدمت عليكم، ولكم يومان تلعبون فيهما. وإن الله أبدلكم بهما خيراً منهما: يوم الفطر ويوم النحر"([37]).

ويسوق بعد ذلك ما كتبه أبو الفرج بن هندو مما يناسب المقام. وينشد بعد ذلك أبياتاً في هذا المعنى للصابي، كقوله:

عيد إليك بما نحب يعود

 

بطوالع أوقاتهن سعود

متباريات كل طالع ساعة

 

يوفى على ما قبله ويزيد

قد صمت شهر الصوم بالنسك الذي

 

هو منك معروف لـه معهود

ويضيف: "وقرأت على الشيخ أبي منصور الثعالبي قوله:

قدم العيد صاحباً مودوداً

 

ومضى الصوم صاحباً محموداً

ويلي ذلك فصل يختص بالأضحى، فيه شرح لمعنى الأضحاة والتضحية. وحديث شريف يناسب المقام، ثم ألفاظ صالحة للتهنئة بهذا العيد.

وتحت عنوان "فصول الأدعية" يذكر ما يلي: فصل في فضاء الدعاء، ويستشهد هنا بالآية الكريمة "ادعوني، استجب لكم"([38]). ويأتي بفصل من كلام البلغاء في الدعاء، ومن أولئك البلغاء: أبو بكر الخوارزمي، والشيخ أبو بكر القهستناني. ثم يسوق بعد ذلك أبياتاً في الأدعية، منها قول البحتري:

كان لـه الله حيث كان، ولا

 

أخلاه من عزه ومن نعمه

حاجاتنا أن تطول مدته

 

وسؤْلنا أنْ يعاذ من عدمه

ويعقبها بأبيات أخرى، في المعنى ذاته، لكل من أبي فراس الحمداني، وابن المعتز، وعلي بن حسن الكاتب... الخ.

ومن الجدير ذكره أن أهمية هذا الكتاب تكمن في احتوائه على نصوص شعرية ونثرية لا توجد في غيره من كتب الأدب، في حدود عملي. ومنها نصوص شعرية لكل من: أبي منصور الثعالبي، وابن المعتز، والصاحب بن عباد، وابن الرومي، وكشاجم، وأبي الفضل الميكالي... الخ. ومنها نصوص نثرية لكل من: القاضي منصور بن أبي منصور الأزدي، وبديع الزمان الهمذاني، وأبي العلاء حسول، وأبي إسحق الصابي، والصاحب بن عباد، وابن هندو، وأبي بكر القهستاني... الخ. والملاحظ أيضاً أن ظاهرة السجع قد شاعت في ثنايا النصوص النثرية الواردة في هذا الكتاب. وهي ظاهرة طبعت الكثير من كتب الأدب التي ألفها علماء من القرنين الرابع والخامس الهجريين أمثال الصاحب بن عباد في كتابه "الفصول" وبديع الزمان الهمذاني في "مقاماته"، وابن العميد فيما أثر عنه من نثر، والثعالبي في كثير من كتبه... ومن أمثلة ذلك ما ساقه الواحدي في فصل "التهنئة بتعليم الولد الأدب" ونصه: "الأدب أشرف مكسب، وأفضل منتسب، وأقوى سبب إلى أشرف رتب، وأرفع علم لأصحابه، وأزينه لأربابه، وأعلاه لصاحبه إلى معالي الأمور، ورفع محله فوق الجمهور. به يتقرّب إلى الأكابر، ويرام صعود المنابر. يسمو بصاحبه فوق النظراء، ويطرّق له مجالس السادة الكبراء، والملوك والأمراء، ويحظّيه عند الكتاب والوزراء"([39]).

* * * *

وعلى الرغم من أن الواحدي معروف للكثيرين من المعنيين التراث، وأعلامه، فلابد من تقديم تعريفٍ وافٍ به، وبكتبه التي تركها.

الواحدي:

ترجم للواحدي مجموعة كبيرة من العلماء، بدءاً من معاصريه: الحسن بن المظفر النيسابوري في "ذيل تتمة اليتيمة"، والباخرزي في "دمية القصر". وانتهاءً بمعاصرينا مثل: الزركلي في "الأعلام" وكارل بركلمان في "تاريخ الأدب العربي"([40])، وعمر رضا كحالة في "معجم المؤلفين"([41]). ومروراً بعبد الغافر (529هـ) في السياق([42]) والقفطي (624هـ) في إنباه الرواة على أنباء النحاة([43])وياقوت الحموي (626 هـ) في معجم الأدباء([44])، وابن خلكان (681 هـ) في وفيات الأعيان([45])، والذهبي (748 هـ) في سير أعلام النبلاء([46])، واليافعي (768هـ) في مرآة الجنان وعبرة اليقظان([47])، وابن قاضي شهبة (851 هـ) في طبقات الشافعية([48]) وابن تغردي بردي (874هـ) في النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة([49])، والسيوطي (911هـ) في بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة([50])، وابن العماد الحنبلي (1089 هـ) في شذرات الذهب([51])، وعلماء أخر كثرين.

وتناولت المعلومات المتصلة به اسمه وكتبه وأسرته ومولده ومكان عيشه وعلمه وشيوخه وتلاميذه ومؤلفاته.

فقد ولد الإمام العلامة أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن محمد بن علي بن متويه الواحدي النيسابوري الشافعي في السنة 398 هـ في نيسابور ونشأ بها. وحددنا هذه السنة تاريخاً لمولده، لأن الذهبي يقول في أحداث السنة (468 هـ): وفيها مات الواحدي، وكان من أبناء السبعين([52]). وأصل الواحدي من ساوة، وساوة بين الري وهمدان. وأهله من التجار. وعرف بـ (الواحدي) نسبة إلى جده الواحد بن مهرة([53]). (أما اسم جده (متويه) فيشير إلى أصوله المسيحية الآرامية الإيرانية ـ كما يقول (بروكلمان)([54]). وكان للواحدي أخ يدعى عبد الرحمن، توفي في العام 487 هـ. أما أبو الحسن علي بن أحمد، فثمة ما يشبه الإجماع على أنه توفي في العام 468هـ. وهناك من يمد في عمره عاماً آخر، فيجعل وفاته في العام 469 هـ. يقول الذهبي: "مات بنيسابور في جمادى الآخرة سنة ثمان وستين وأربع مئة، وقد شاخ"([55])).

وكان الواحدي متعدد جوانب المعرفة، فهو مفسر ومحدث ونحوي ولغوي وأديب وشاعر، وأستاذ عصره وواحد دهره. و"قد أنفق صباه وأيام شبابه في التحصيل، فأتقن الأصول على الأئمة، وطاف على أعلام الأمة، فتلمذ لأبي الفضل العروضي الأديب، وقرأ النحو على أبي الحسن الضرير القهندزي، وسافر في طلب الفوائد، ولازم مجلس الثعلبي في التفسير، وأدرك الزيادي وأكثر عن أصحاب الأصمّ([56]). وذكر الحسن بن المظفر النيسابوري أن الواحدي هو من قيل فيه:

قد جُمع العالَمُ في واحدٍ

 

عالمِنا المعروفِ بالواحدي

ووصفه القفطي بأنه أستاذ عصره في النحو والتفسير ([57])ـ. وقال عنه ابن خلكان: "كان أستاذ عصره في النحو والتفسير، ورزق السعادة في تصانيفه، وأجمع الناس على حسنها([58]). وقال عنه ابن قاضي شهبة: إنه كان فقيهاً وإماماً في النحو واللغة، وإمام عصره في التفسير([59]). ووصفه الذهبي بـ "إنه إمام علم التأويل([60]). ونعته ابن العماد الحنبلي بـ: أنه أحد من برع في العلم، وكان شافعي المذهب.. ورأساً في اللغة العربية([61]).

وانتقل الواحدي، بعد أن حفظ كتاب الله، في كتّاب أبي عمر بن الموفق، إلى معاهد العلم الأخرى، فدرس في دار السنة بنيسابور، وهي مدرسة الحديث التي أنشأها الإمام أبو بكر بن اسحق الصيفي النيسابوري في السنة (342 هـ). وأخذ العلم في هذه المدرسة عن أبي بكر الحيري، وذكر ذلك في كتابه "أسباب النزول". ولكن الواحدي سافر كثيراً في طلب العلم، وبلغ شيوخه في ميادين الحديث والفقه والتفسير والقراءات واللغة والنحو وغيرها، حداً جعله يحجم عن استقصائهم خشية الإملال([62]). والمعروف أن الواحدي قد مارس القريض. وهناك أبيات له وردت في بعض المصادر. ومنها قصيدته البائية، التي هدتنا إلى كشف سر المخطوطة، التي نتحدث عنها. بيد أن أعظم علم شهر به الواحدي كان علم التفسير، إذ لا يوجد مفسر، غير الواحدي، فسر القرآن ثلاث مرات، وجعل كل تفسير في عنوان، وهي: التفسير البسيط، وهو أكبرها وأقدمها تأليفاً، والتفسير الوسيط، وهو مطبوع، والوجيز، وهو مطبوع أيضاً. يضاف إلى ذلك تبحّره في علم النزول. وكتابه "أسباب النزول" من أشهر المؤلفات في بابه. وقيل فيه: كان منطلق اللسان في جماعة من العلماء، ما لا ينبغي، وقد كفر من ألّف كتاب: حقائق التنزيل. ووصف أيضاً بأنه من أبرع أهل زمانه في لطائف النحو وغوامضه، وبأن له شعراً رائقاً([63]).

ونذكر هنا، بغية استكمال ترجمته، بعضاً من أساتيذه، وبعضاً من تلاميذه:

آ ـ فمن شيوخه: في علوم اللغة والأدب أبو الفضل أحمد بن محمد العروضي الصفار (416 هـ)، وفي علم النحو أبو الحسن علي بن محمد القهندزي، وأبو الحسن عمران بن موسى المغربي المالكي (430هـ). وفي القراءات أبو القاسم البستي، وأبو عثمان سعيد بن محمد الحيري الزعفراني (427هـ)، وأبو الحسن علي بن أحمد الفارسي (430 هـ). أما أشهر شيوخه وأبرزهم في التفسير، فهو الإمام العلامة أبو اسحق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي (427هـ). زد على ذلك الثعالبي أبا منصور عبد الملك بن محمد (429 هـ)، الذي نعت بأنه جاحظ نيسابور. وقد وصفه الواحدي في كتابه هذا، بأنه شيخ من شيوخه، كما مر من قبل.

ب ـ ومن تلاميذه: عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي (529هـ). وهو الذي أجاز له الواحدي بجميع مسموعاته وتصنيفاته، والإمام عبد الجبار بن محمد الخواري (553 هـ)، وأبو نصر محمد بن عبد الله الأرغياني مفتي نيسابور في عصره (529 هـ)، وعمر بن عبد الله شقيق أبي نصر السابق (534 هـ)، وأبو القاسم يوسف بن علي الهذلي المغربي (465هـ)، وعلي بن سهل بن العباس النيسابوري (491هـ)، والميداني أحمد بن محمد (518هـ).

وترك الواحدي مجموعة كبيرة من المؤلفات، هي:

1 ـ أولاًَ في التفسير:

1 ـ البسيط في تفسير القرآن، ويقع هذا التفسير في ستة عشر مجلداً([64])، وذكر (د. عفيف عبد الرحمن) أن أبا حيان الأندلسي قد اعتمد عليه في كتابه ارتشاف الضرب. وبعض أجزائه في مكتبة (جستر بيتي)، وفي الخزانة العامة بالرباط، ودار الكتب المصرية، والمدينة المنورة([65]).

2 ـ الوسيط في تفسير القرآن الكريم، وقد حققه الشيخ عادل أحمد عبد الموجود وصحبه، ونشرته دار الكتب العلمية ببيروت عام 1415 هـ /1994.

3 ـ الوجيز في تفسير القرآن العزيز، وطبع بمصر سنة 1305 هـ.

4 ـ معاني التفسير، وذكره الواحدي في مقدمة كتابه "التفسير الوسيط". إضافة إلى كتابيه الآخرين:

5 ـ مسند التفسير.

6 ـ مختصر التفسير.

7 ـ الحاوي لجميع المعاني في التفسير، وذكره حاجي خليفة([66]) تحت عنوان (تفسير الواحدي)، فقال: تفسير الواحدي ثلاثة البسيط والوسيط والوجيز. وتسمى هذه الكتب الثلاثة: الحاوي لجميع المعاني([67]).

8 ـ جامع البيان في تفسير القرآن، وذكر أنه يوجد في مكتبة دامار زاد باستنبول رقم 191([68]).

ثانياً في علوم القرآن:

9 ـ أسباب النزول، وقد حققه أحمد صقر، ونشر بالقاهرة في العام 1970.

10 ـ نفي التحريف عن القرآن الكريم.

11 ـ فضائل القرآن الكريم، وقد ذكر بعنوان علم فضائل القرآن في كشف الظنون (2/1277). واختصره شمس الدين محمد بن طولون الدمشقي، فأخذ أربعين حديثاً منه([69]).

12 ـ رسالة في شرف علم التفسير، وذكر د. عادل عبد الموجود أنها مخطوطة بدار الكتب الوطنية تحت رقم (220 مجاميع)([70]).

ثالثاً ـ في النحو:

13 ـ الإغراب في علم الإعراب، ولا أثر لهذا الكتاب إلا في مراجع التراجم مثل طبقات الشافعية([71]) وسير أعلام النبلاء([72]) وبغية الوعاة([73]) وشذرات الذهب([74]).

رابعاً ـ في الأدب والعلوم الأخرى:

ـ شرح ديوان المتنبي، طبع ببرلين في العام 1860. وقيل عنه: ليس في شروح ديوان المتنبي مثله في الجودة. وطبع هذا الشرح، حديثاً، في خمسة مجلدات بدار الرائد العربي بتقديم ياسين الأيوبي، وقصي حسين، مع ضبط وتعليق وفهرسة.

ـ التحبير في أسماء الله الحسنى، وقد اندثر هذا الكتاب. وثمة إشارات له في سير أعلام النبلاء([75]) وطبقات الشافعية([76]) ووفيات الأعيان([77]).

ـ تفسير أسماء النبي، وذكر في طبقات النحاة([78]) وشذرات الذهب([79]).

          كتاب المغازي، أو مغازي النبي. وذكر في معجم الأدباء([80]) وطبقات المفسرين للداودي([81]).

ـ كتاب الدعوات والفصول: وهو الكتاب الذي زيف عنوانه إلى "تحفة الظرفا وفاكهة اللطفا". وقد كشفنا سره، وعرفنا حقيقته، في دراستنا هذه.

ـ الوسيط في الأمثال: وله مخطوطة في خزانة الرباط، ناقصة الآخر، وفيها خرم من وسطها. وقد ذكره الواحدي في كتابه "التفسير الوسيط"([82]).

          والمعروف أن هذا الكتاب قد أخرجه، محققاً، الدكت