مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 97 - السنة الرابعة والعشرون - آذار 2005 - آذار 1425
Updated: Tuesday, May 10, 2005 01:54 PM
فهرس العدد
 
ابن خروف والدرس النحوي في الأندلس ـــ د.محمد موعد

ابن خروف والدرس النحوي في الأندلس ـــ د.محمد موعد (*)

جعل عدد من المعاصرين الدرس النحوي في بلاد الأندلس مدرسة نحوية قائمة برأسها، وأطلقوا عليه اسم مدرسة الأندلس النحوية، فالأستاذ الدكتور شوقي ضيف يذهب في كتابه الشهير "المدارس النحوية" إلى وجود هذه المدرسة وهو يعد بداية النشاط النحوي في الأندلس سواء أكان ذلك في إدخال كتب النحويين ككتاب سيبويه، أم في القراءات كقراءة ورش المصري، ككتاب سيبويه أم في تدوين المصنفات النحوية = البذرة الأولى في إرساء المدرسة الأندلسية، وكذا عدّ في جهود هذه المدرسة مخالطة نحاة الأندلس لجميع النحاة السابقين لهم في المشرق من بصريين وكوفيين وانتهاجهم منهج الاختيار من آراء الكوفة والبصرة وإضافتهم إلى ذلك اختيارات من آراء البغداديين([1]).

فهل مثل هذه الجهود في مخالطة نحاة المشرق من بصريين وكوفيين، ثم الاختيار من آراء الكوفة أو البصرة، أو إضافة اختيارات أخرى، يمكن أن يشكل مدرسة بعينها.

وللإجابة عن ذلك سيقوم البحث بدراسة لجهود نحوية قام بها واحد من أهم نحاة الأندلس، وهو أبو الحسن علي بن محمد المعروف بابن خروف الإشبيلي (ت 609هـ). ذلك أن ابن خروف هذا خالط البصريين والكوفيين، فأخذ الكثير من آراء البصريين، وعدداً من آراء الكوفيين، وانتخب من آراء هؤلاء وهؤلاء، وكانت له آراء انفرد بها، فهل صنيعه هذا يمكن أن يجعل فيما سماه عدد من المعاصرين بمدرسة الأندلس النحوية؟

قبل الكلام على ذلك لا بد من الوقوف على بعض الآراء التي وافق فيها البصريين، أو هاتيك التي وافق فيها الكوفيين، والكلام على آرائه التي انفرد بها.

أولاً: ابن خروف والبصريون:

كان موقف ابن خروف موقف المؤيد المؤازر ـ في معظم الآراء ـ لآراء البصريين، وخالفهم في قليل منها، فنراه في بعض المواضع يعرض المذهبين، ثم يقول: وهو الأكثر في كلامهم، أو هو الأفصح الأكثر، وأحياناً يقف موقفاً وسطاً بين المذهبين، وأحياناً يعرض أحدهما دون أن يبدي رأيه فيه([2]).

من ذلك قول ابن خروف: "ومذهب البصريين اشتقاق الفعل من المصدر، يريد: أن الفعل من المصدر، والمصدر أسبق منه، ودليلهم أشياء، منها: أن الفعل لا يكون إلا من الاسم، ومنها أنه يضمر في الفعل، والإضمار فرع، وكذلك دلالته على الزمان، والمصدر لا يدل عليه، وزيادة المعاني فرع.

ومذهب الكوفيين اشتقاق المصدر من الفعل، ولا حجة لهم إلا كونه عاملاً فيه. قالوا: والعامل قبل المعمول، وهذا فاسد؛ لأن كل فعل يعمل في اسم غير مصدر ليس بمشتق منه، والاسم أحدثه مع عمله فيه، فإضافة الفعل للفعل عبارة مجازية للتفهيم"([3]).

فهو يوافق البصريين في أن الفعل مشتق من المصدر.

ومما وافق به البصريين قوله: "واسم الفاعل إذا جرى على غير من هو له وجب إبراز الضمير الفاعل في الصفة ـ في قول البصريين ـ نحو قولهم: هند زيد ضاربته هي، تنزّل منزلة: هند ضاربته أمها؛ لأن الصفة خبر عن زيد، والفعل لهند، والأم هي فاعلة، ولو كان فعلاً لم يظهر، فتقول: هند زيد تضربه، لظهور الضمير الكائن في الفعل في التثنية والجمع، ولا يظهر في الصفة التي ذكر في هذا الباب من رفع الفاعل باسم الفاعل من غير اعتماد، نحو: قائم زيد، وهذا مذهب أبي الحسن الأخفش، والصواب ألّا يرفع إلا إذا اعتمد، واعتماده أن يكون صفة، أو حالاً، أو خبراً، أو بعده همزة الاستفهام، أو ما النافية، والأخفش يرفع بالجار والمجرور، والفاعل بعده همزة في قولهم: في الدار زيد، ويجيز الرفع بالابتداء، فلا يلزم ما ردّ به عليه فتدبره"([4]).

فهو يأخذ برأي البصريين في أن اسم الفاعل إذا جرى على غير مَنْ هو له وجب إبراز الضمير كما في نحو: هند زيد ضاربته هي، والكوفيون لا يوجبون ذلك([5]).

وكذلك وافق رأيه رأي البصريين في قوله: "وقولهم: أفعِلْ به، لفظُه لفظ الأمر، ومعناه التعجب، والجار والمجرور هو الفاعل، ولا ضمير في الفعل، ولو كان فيه ضمير المخاطب لظهر في التثنية والجمع، ومخاطبة المؤنث في قولهم: يا هند أحسِنْ بعَمْرٍو، دليل على ذلك، وكذلك: يا زيدون أحسِنْ بعمرو، والكوفيون يقولون: الجار والمجرور في موضع نصب، والفاعل مضمر في الفعل ولا يظهر، ولا يؤنث الفعل وتقدير الكلام عندهم: ما أفعله، لم يختلفوا في ذلك، ودليلهم على كونه في موضع نصب حذف المجرور في قوله:

([6]).... .... .... .... ....

 

.... وإن يَستغنِ يوماً فأجدِرِ

و]{أسِمْع بهم وأبصِرْ[ [مريم 19/8]"([7]).

ومما وافق به ابن خروف البصريين قوله: "والميم المشددة في اسم الله تعالى زائدة للتأكيد، وعوض من "يا"، ولا تستعمل معها إلَّا في الشعر. وذهب الفراء إلى أن الميم بقية من أُمَّنا، كأن الأصل: يا الله أُمَّنا، فحذف، وبقيت الميم مشددة، والصواب مذهب البصريين؛ لأن الميم تستعمل فيما لا يصلح فيه أمّنا، وذلك كثير، كقوله تعالى ]اللهمّ فاطرَ السماوات والأرض[ [الزمر 39/46]"([8]).

وقد وافق ابن خروف البصريين في مسألة أن فعل الأمر مبني، وليس معرباً كما يدّعي الكوفيون، قال: "الأمر للمخاطب على ضربين. معرب ومبني، فالمبني منهما ما كان للمخاطب بغير لام، نحو: اضربْ، واخرجْ، واسمعْ، واقضِ، واغزُ، واخْشَ، سُكّن الصحيح منه للبناء، وحُذف آخر المعتل للبناء أيضاً في مذهب البصريين، ودليلهم حذف حرف المضارعة، ودخول همزة الوصل، ولو كان معرباً كما يقول الكوفيون لم تحذف حروف المضارعة، ولا زيد فيه همزة الوصل.

وقد بني فعل جماعة النساء وما دخلته النون الثقيلة والخفيفة، ولم تحذف منه حروف المضارعة، نحو: يخرجْنَ ويضربْنَ، ولتخرجَنّ ولتخرجَنْ.

والمعرب منها ما دخلته اللام، لغائب كانت أو لمخاطب. وهي مع الغائب أكثر، وعلامات إعراب هذا قد تقدمت..."([9]).

وهو يوافق سيبويه على أن همزة: "اَيْمُن" للوصل، قال: "والهمزة عند سيبويه همزة وصل، وهو الصواب، فحذفها في كل لغة في الموصول، وإثباتها في الابتداء، ولا دليل في كسرها؛ لأنها لغة.

ويزعم الفراء أنها لف قطع في الجمع، وواحدها: يمين، ومعناه صحيح، غير أن حذفها في الموضع الذي تحذف فيه همزة الوصل وثباتها في الموضع الذي تثبت فيه دليل قاطع، ووزنه: أفعُل، وليس في بناء المفردات: أفعُل، في مذهبه، والقول أنه ثابت في الكلام، من حكاية غيره..."([10]).

فهذه الآراء ـ وسواها مما لا يتسع المجال لذكرها([11]) ـ تثبت أن ابن خروف لا يمكن عدّه فيما سماه بعض المعاصرين بالمدرسة الأندلسية؛ لأنه نحا في هذه الآراء نحو آراء البصريين، ولو كان الرجل ينتمي إلى هذه المدرسة المزعومة ما كان له أن يوافق البصريين في كثير من آرائهم؛ لأنه والحالة هذه سينافح عن الأصول الفكرية لمدرسته، وهذا يؤيد أن الدرس النحوي في بلاد الأندلس لم يرق إلى أن يكن مدرسة لها معالمها الخاصة، وهو يجعل المرء أمام حقيقة مفادها أن الدرس النحوي في تلك البلاد شيء، وجعْل هذا الدرس مدرسة مستقلة شيء آخر.

ولعل ما يتضافر على توكيد هذه الحقيقة أن ابن خروف لم يوافق البصريين فحسب في كثير من آرئهم كما سلف؛ بل وافق الكوفيين أيضاً في بعض آرائهم، وسأعرض فيما يأتي لأهم هذه الآراء.

ثانياً: آراؤه التي وافق فيها الكوفيين:

من ذلك أن أجمع وجمعاء يجوز تثنيتهما في باب التوكيد قياساً على أحمر وحمراء، قال: "وقياس تثنية أفعل وفعلاء في هذا الباب قياس أحمر وحمراء، ومن منع تثنيتهما فقد تكلف وادّعى ما لا دليل عليه، ولم يمنعها أحد من الأئمة فنتبعه، وليس قلة استعمالها بمخرجها عن القياس"([12]).

وهذا الذي أجازه ابن خروف منعه البصريون، وأجازه الكوفيون والأخفش([13]).

ومما وافق به الكوفيين قوله: "ويجوز بدل الظاهر من ضمير المتكلم والمخاطب في كل الأبدال، إلا في بدل الشيء من الشيء، وهما لعين واحدة؛ لأن الظاهر لا يقع فيه على وجه، مع عدم الفائدة، فإن أفاد جاز([14])، كقولهم: ادخلوا، أوَلُكم وآخِرُكم وصغيرُكم وكبيرُكم؛ لأن معناه: كلكم.

وبدل النكرة من النكرة في القرآن كثير، منه قوله تعالى: ]وشرَوْهُ بثمنٍ بخسٍ دراهمَ معدودةً[ [يوسف 12/20] و]إن للمتَّقين مَفازاً. حدائقَ[ [النبأ 78/31 ـ 32] و]وإن للمتقين لحسْنَ مآب. جناتِ عدنٍ[ [ذ 38/49 ـ 50]، ولا تبدل النكرة من النكرة، ولا من المعرفة إلا أن تكون موصوفة، أو بها إفادة"([15]).

وهذا الرأي الأخير، في بدل النكرة من النكرة أو من المعرفة، هو رأي الكوفيين والبغداديين، وأجازه الجمهور مطلقاً([16]).

وقد توافق رأي ابن خروف ورأي الكوفيين في قوله: إن الجملة الفعلية إذا كانت ماضية لفظاً ومعنى، وكان فيها ضمير لم تحتج إلى الواو، كقوله تعالى: ]أو جاؤكم حَصِرَتْ صدورُهم[ [النساء 4/90]، ولا يُحتاج فيها إلى "قد"... وزعم ابن بابشاذ أن سيبويه يجعل "حَصِرتْ" صفة لـ "قوم"، ولم يفعل ذلك سيبويه، فإن لم يكن فيها ضمير احتجتَ إلى الواو، نحو جاء زيد وقد خرج عمرو، ولا بد في هذا من "قد".

فإن كانت ماضية معنى لا لفظاً، نحو جاء زيد ولم يخرج عمرو، احتاجت إلى الواو، كان فيها ضمير أو لم يكن([17]).

وما ذكره ابن خروف يوافق رأي الكوفيين، وقد تبعهم على ذلك ابن مالك وأبو حيان، وأوجب البصريون لجواز وقوع الماضي حالاً، اقترانه بـ "قد" ظاهرة أو مضمرة، أو بما يقرّبه من الحال([18]).

ومن آرائه التي كان فيها مع الكوفيين على اتفاق، ذكْره أن المبتدأ لا يحتاج إلى خبر مع واو المعية في قولهم: كلُّ رجل وضيعتُه، أي: مع ضيعته، وما زلتُ وزيداً حتى فعل. وسيبويه والبصريون يرون أن الخبر محذوف وجوباً، وتقديره: "مقرونان" وحجة ابن خروف أنه لا يحتاج فيه إلى حذف الخبر لتمامه، وصحة معناه، فإن قدّر "مقرونان" فلبيان المعنى([19]).

وقد وافق رأي ابن خروف رأي الكوفيين في نصب المضارع بعد واو المعية. قال: "الواو ينتصب الفعل بعدها بخلاف الثاني الأول في المعنى أو اللفظ، فخلاف اللفظ قوله:

لَلُبْسُ عباءةٍ وتقرَّ عيني ....
....

 

.... .... .... .... .... ([20])

ومخالفة المعنى:

لا تنهَ عن خلقٍ وتأتيَ مثلَه

 

.... .... .... ..... .... ([21])

لأنه لم يرج النهي عن إفراد كل واحد منهما؛ وإنما أراد النهي عن الجمع بينهما؛ فإذا قال:لا تأكل السمك وتشرب اللبن ـ بالنصب ـ فالمعنى: لا تجمع بينهما، وإذا قال لا تأكلِ السمك وتشربِ اللبن، نهى عن أكل السمك وشرب اللبن مفترقين ومجتمعين، ومثّل بما لا يجمع بينه"([22]).

وهذا الذي ذهب إليه ابن خروف هو مذهب الكوفيين، والبصريون ينصبونه بـ "أن" مضمرة، وأما الجرمي فينصبه بالحرف نفسه([23]).

ومن هذه الآراء أيضاً قوله: "وإن أضفت إلى معرفة أربعة أنواع: أسماء الفاعلين بمعنى الحال والاستقبال، والصفة المشبهة بها، وما في حكمها من الأسماء، نحو: شبهك ومثلك، وأخواتهما، والمضاف إلى صفته، نحو: مسجد الجامع، وجانب الغربي، وأفعل إلى ما هو بعض له. هذا مذهب طائفة منهم: ابن السراج، والفارسي، وابن بابشاذ، وليس الأمر كذلك، فالإضافة منها قسمان: اسم الفاعل بمعنى الحال والاستقبال، والصفة المشبهة، ومثلك وشبهك وأخواتهما، وأما: يوم الخميس وشهر المحرم، وسائر الأيام والشهور فكلها معارف. والذي أوقعهم في تنكير أفعل أن من العرب من يقدّر فيها "مِِنْ" إذا أضاف، فلا يثني ولا يجمع، ولا يؤنث، وعليه قوله:

وميّةُ أحسنُ الثقلينِ جيداً

 

وسالفةً وأحسنُهُ قَذالا([24])

وتقديرهم: صلاة الساعة الأولى، ومسجد الموضع الجامع، وجانب المكان الغربي، فاسد، ولا يطّرد لهم في الأيام والشهور، وعرق النسا، وحبل الوريد، وإنما أضيف هذا النوع لاختلاف اللفظين، ومن الإضافة ما فيهن. فاتبعْه واعلمْه"([25]).

فإضافة الشيء إلى نفسه جائزة لاختلاف اللفظين دون دعوى حذف ولا نقل، وهو يوافق الكوفيين في هذا، والبصريون يمنعون ذلك، وما ورد منه تأولوه، تقديرهم: مسجد الموضع الجامع، وصلاة الساعة الأولى([26]).

ومن آرائه الموافقة للكوفيين أن حذف حرف النداء مع الأسماء المفردات المقصود قصدها جائز، نحو: يا رجل، والبصريون يمنعونه، وما جاء منه موقوف عندهم على السماع أو الضرورة([27]).

وثمة آراء أخرى وافق فيها ابن خروف الكوفيين يمكن أن يراها المرء في شرحه على الجمل([28]) لا يتسع المجال للخوض فيها، وهذه الآراء تؤكد أن ابن خروف لا يمكن عدّه في مدرسة الأندلس النحوية؛ فلو كان ينتمي إليها لرأيناه يأخذ بآراء مدرسته، لا بآراء الآخرين من كوفيين كما ههنا، ومن بصريين كما سلف.

وعليه يمكن القول: إن ابن خروف كان يختار من آراء البصريين وآراء الكوفيين معاً، فهو "كغيره من النحويين وقف موقف المنتخب والمتخيّر والمجتهد، فلم يكن ليقتصر على مذهب دون الآخر، بل كان ينتقي من كل مذهب ما يراه صواباً"([29]).

ومثل هذا الاختيار من آراء هؤلاء وهؤلاء لا يمكن أن يقال فيه إنه يؤلف مدرسة جديدة؛ لأن هذا يتناقض وأسس أي مدرسة؛ ولأن المدرسة يجب أن يكون لها معالم خاصة أو أصول فكرية تنطلق منها، وكذا يجب أن يكون لها مصطلحات تميزها من سواها. وهذا كله لا نراه عند ابن خروف ولا عند سواه من نحاة الأندلس.

ولكنّ قائلاً يمكن أن يقول: ألم تكن لابن خروف آراء خاصة انفرد بها؟ والجواب: لا ريب أن الرجل كانت له مثل هذه الآراء، وسيقف البحث عند بعضها، ثم يمكن بعدئذٍ التعقيب على ذلك.

ثالثاً: الآراء التي انفرد بها:

في قوله تعالى: ] قُتل أصحاب الأخدود، النارِ ذاتِ الوَقُود[ [البروج 85/4-5] قال الفارسي: بدل اشتمال. وقال الفراء وابن الطراوة: بدل كل من كل. وقال ابن خروف: بدل إضراب. وقال ابن هشام: على حذف مضاف، أي أخدود النار([30]).

وقال في شرحه على الجمل معقباً: وهو فيه أظهر من بدل الاشتمال([31]).

ورأي ابن خروف في هذه الآية مخالف لما عليه أكثر النحويين والمفسرين، وزعم ابن مالك أنه مذهب الزجاجي، قال: وليس ما ذهب إليه بصحيح([32])؛ لأنه لا يحسن أن يقدر بـ "بل" و"لكن"، والإضراب في المعنى ترك للمضرب عنه، والأخدود غير متروك المعنى([33]).

ومن آرائه التي انفرد بها رأيه فيما ذكره سيبويه، وهو قولهم: "أول ما أقول: أني أحمد الله، فمَنْ فتح (أنَّ) قدّرها بالمصدر، كأنه قال: أولُ ما أقول حمدُ الله، فأول: مبتدأ، وأني أحمد الله: في موضع الخبر، وما مصدرية، فإن جعلت ما موصولة بمعنى الذي، أو نكرة موصوفة، فأجاز ذلك ابن خروف، والصحيح منعه، ومن كسر فمذهب الجمهور أنه خبر عن "أولُ قولي" وتكون الجملة مقولة، وهو المُتَفهَّم من كلام سيبويه..."([34]).

فأبو حيان ذكر عن ابن خروف أن (ما) موصولة بمعنى الذي، أو نكرة موصوفة، ثم تعقب ابن خروف، ومن الجدير ذكره أن ابن الفخار في شرحه على الجمل أجاز أن تكون (ما) نكرة موصوفة([35]).

ومن آرائه أيضاً قوله: "وقد ينادى في الشعر في الاستغاثة بغير زيادة، وبغير ياء من حروف النداء:

تمّناني ليقتلَني لقيطٌ

 

أعامِ لك بن صعصعة بن سعد([36])

فاستغاث بـ "عامر" من غير زيادة، ورخّمه، ونادى بالهمزة، وحرف الاستغاثة "يا"([37]).

وقال أبو حيان معقباً على البيت: وأجازه ابن خروف، وقال ابن الضائع: هذا ضرورة، وفيه نداؤه بغير ياء([38]).

ومن آرائه التي أشار إليها أبو حيان أن موضع (ما) والفعل في أسلوب الاستثناء بـ "عدا وخلا" نصب، لا خلاف في ذلك بين البصريين والكوفيين، وهو في موضع الحال عند السيرافي. وذهب ابن خروف إلى أن انتصابه على الاستثناء انتصاب "غير"، وقيل: مصدرية ظرفية، أي وقت خلوّهم، ودخله معنى الاستثناء([39]).

هذه أهم الآراء التي انفرد بها ابن خروف، وثمة آراء أخرى له أضرب صفحاً عنها كي لا أطيل، ويمكن للمرء أن يجدها في شرحه على الجمل([40]).

وقد نظر الدكتور شوقي ضيف في بعض هذه الآراء، وفي سواها مما نقلته كتب المتأخرين، كالمغني والهَمْع، وهذا ما جعله يضع ابن خروف في الفصل الذي سمّاه: "المدرسة الأندلسية" من كتابه "المدارس النحوية"([41])، وهذا فيه كما يقول الدكتور عيّاد الثبيتي قدر غير قليل من التسامح في التعبير، ذلك أن نحاة الأندلس لم ينهجوا نهجاً له خصائصه المتميزة، وحدوده الواضحة التي تجعل التسليم بوجود مدرسة أندلسية أمراً مقبولاً([42]).

ومهما يكن من أمر فإن الذي نجده عند ابن خروف هو ـ بشكل عام ـ يقوم على الاختيار من آراء البصريين ومن آراء الكوفيين معاً، ومثل هذا الاختيار من آراء العلماء لا يمكن بأن ينعت بأنه يؤلف مدرسة نحوية قائمة بنفسها؛ لأن هذا لو صحّ في زمن ما من تاريخ النحو العربي لرأينا تعدد المدارس النحوية؛ لأن هذا يعني أن النحاة في أي وقت يمكن أن ينظروا في آراء السابقين لهم؛ فيختاروا منها ما يريدونه؛ ثم يقولوا: هذا نحو جديد، أو هذه مدرسة جديدة، ومثل هذا لن يلقى القبول؛ لأنه إن تمّ ذلك سيكون في كل عصر مدارس نحوية عدّة، ولو حدث هذا في القرون السابقة لما وصل إلينا النحو العربي الذي يعرفه الناس اليوم كما عرفه السابقون.

وعن آرائه التي انفرد بها والتي وقف البحث عند بعضها، فإنه من كبير المغالاة القول: إن ابن خروف قد نحا في هذه الآراء نحو المدرسة الأندلسية؛ ذلك أن ابن خروف ليس النحوي الوحيد في تاريخ النحو العربي الذي كانت له آراء خاصة، فجلّ النحاة لهم آراؤهم الخاصة بهم، فهذا الأخفش الأوسط قد عرف عنه أنه كانت له آراء عدّة خالف فيها أصحابه البصريين، لكن هذه المخالفة لأصحابه لم تجعل آراءه على كثرتها وتشعبها تؤلف مدرسة نحوية جديدة؛ بلْه أن هذه الآراء لم تخرجه عن كونه بصرياً، والأمر نفسه يقال في غيره من النحاة، كالكسائي الذي كانت له الكثير من الآراء التي وافق فيها البصريين، ومع ذلك لم يقل أحد من الناس إن آراء الكسائي يمكن أن تؤلف فتحاً جديداً في نحونا العربي، فترقى إلى مدرسة خاصة به، والأمر ذاته يقال في ابن السراج والمبرد وأبي علي وسواهم.

وبناء على ما سلف علينا أن نفرّق بين وجود مدرسة أندلسية ووجود الدرس النحوي في الأندلس، ولا ريب أن نحوياً بارعاً كابن خروف هو واحد من كبار النحاة في تلك البلاد كانت له جهود لا تخفى في الدرس النحوي هناك.

ـ الخاتمة

جعل عدد من الباحثين مخالطة نحاة الأندلس لجميع النحاة السابقين لهم من كوفيين وبصريين، وانتهاجهم منهج الاختيار من آراء الكوفة والبصرة، في جهود المدرسة النحوية الأندلسية، وعدّوا مثل ذلك مدرسة بعينها، ولهذا قام البحث بدراسة لجهود واحد من أعلام الأندلس وهو ابن خروف؛ لأن هذا العلَم خالط البصريين والكوفيين فأخذ الكثير من آراء البصريين، وعدداً من آراء الكوفيين، واختار من آراء هؤلاء وهؤلاء، وكانت له آراء انفرد بها.

وقد أظهر البحث أن ابن خروف في موافقته للبصريين في بعض آرائهم، لا يمكن عدّه في جملة ما سمّي بالمدرسة؛ لأنه لو كان ينتمي إلى هذه المدرسة المزعومة ما كان له أن يوافق البصريين في كثير من آرائهم، ولأنه والحالة هذه سيدافع عن الأصول التي ترتكز عليها مدرسته، وهذا مما يؤيد أن الدرس النحوي في الأندلس لم يرق إلى أن يكون مدرسة لها معالمها الخاصة.

ومما يتضافر على توكيد ذلك أن ابن خروف لم يوافق البصريين فحسب في كثير من آرائهم؛ بل وافق الكوفيين أيضاً في بعض آرائهم، ولو كان ينتمي إلى تلك المدرسة لأخذ بآرائها وحدها، لا بآراء الآخرين من كوفيين وبصريين. وعليه يمكن القول: إن ابن خروف وقف موقف المنتخب والمتخيّر والمجتهد، فلم يكن ليقتصر على مذهب دون الآخر؛ بل كان ينتقي من كل مذهب ما يراه صواباً.

أما آراؤه التي انفرد بها، فهي لا تشكل مدرسة قائمة برأسها؛ لأن كثيراً من النحاة كانت لهم آراء معينة قالوا بها، سواء أكانت صحيحة أم لا، وهذه الآراء التي يتفرد بها علَم عن غيره لم تجعل الناس ينظرون إليها على أنها تشكل مدرسة مستقلة بنفسها، فهذا الأخفش وهو من هو، كان كثير المخالفة لأصحابه البصريين، ومع ذلك لم يقل أحد من النحاة إن الأخفش بآرائه تلك قد شكل مدرسة بعينها؛ بل بقي الأخفش على شديد مخالفته لآراء أصحابه، بصرياً.

وهذا كله يستدعي استبعاد وجود مدرسة نحوية خاصة بالأندلس، ولكن جهود ابن خروف في النحو يمكن أن تصب فيما يمكن أن نسميه بالدرس النحوي، وهذا ما حاول البحث أن يصل إليه.

ثبت المصادر والمراجع

ـ ارتشاف الضرب من لسان العرب لأبي حيان الأندلسي، تحقيق د. رجب عثمان محمد، مراجعة د. رمضان عبد التواب، مكتبة الخانجي بالقاهرة، ط(1) 1418هـ، 1998م.

ـ أمالي ابن الشجري، تحقيق د. محمود الطناحي، مكتبة الخانجي بالقاهرة 1413هـ، 1992م.

ـ الإنصاف في مسائل الخلاف لأبي البركات الأنباري، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار إحياء التراث العربي، مصر، المكتبة التجارية الكبرى، ط(4) 1380هـ، 1961م.

ـ ديوان أبي الأسود الدؤلي تحقيق الشيخ محمد آل ياسين، بغداد مكتبة النهضة، 1384هـ، 1964م.

ـ ديوان ذي الرمة، تحقيق هنري هيس، عالم الكتب 1918م.

ـ ديوان عروة بن الورد، شرح ابن السكيت، دار الكتاب العربي، بيروت 1414هـ ، 1994م.

ـ شرح التسهيل لابن مالك تحقيق د. عبد الرحمن السيد ود. محمد بدري المختون، دار هجَر، القاهرة ط(1) 1410هـ، 1990م.

ـ شرح التصريح على التوضيح، لخالد الأزهري، دار الفكر، لبنان، بلا تاريخ.

ـ شرح جمل الزجاجي لابن خروف، تحقيق د. سلوى محمد عرب، مكة المكرمة، جامعة أم القرى 1419هـ.

ـ كتاب سيبويه، تحقيق عبد السلام هارون، الهيئة المصرية العامة للكتاب ط2 1977.

ـ المدارس النحوية، د. شوقي ضيف، دار المعارف بمصر، بلا تاريخ.

ـ المساعد على تسهيل الفوائد لابن عقيل، تحقيق د. محمد كامل بركات، مكة المكرمة، جامعة أم القرى ط(1) 1402هـ، 1982م.



(*) كلية الآداب ـ جامعة دمشق.

([1])  المدارس النحوية 288 وما بعدها.

([2])  شرح جمل الزجاجي لابن خروف، مقدمة التحقيق، 140.

([3])  نفسه 1/372، وانظر: الإنصاف 1/253.

([4])  شرح الجمل 1/402، وانظر: الإنصاف 1/57.

([5])  انظر شرح الجمل، مقدمة التحقيق 1/166.

([6]) تمامه:

فذلك إن يلْقَ المنيّةَ يلْقَها

 

حميداً وإن .... .... .... ....

          وهو لعروة بن الورد. ديوانه 52.

([7]) شرح الجمل 2/584. وانظر الارتشاف 4/2066، وقد نقل أبو حيان أيضاً أن الفراء والزجاج والزمخشري وابن خروف ذهبوا إلى أنه أمر حقيقية، والهمزة للنقل. وانظر: شرح التصريح 2/88.

([8]) شرح الجمل 2/738، وانظر: أمالي ابن الشجري 2/340، وفيه أيضاً أن أبا علي دفع قول الفراء، وأن ابن الشجري خلص إلى أن رأي البصريين هو الصحيح.

([9]) شرح الجمل 2/857، وانظر: الإنصاف 2/524.

([10])  شرح الجمل 1/512، وانظر: سيبويه 3/324، 503، والإنصاف 1/404.

([11])  انظر: شرح الجمل 1/260 و265 و273 و281 و321 و336 و452...

([12])  نفسه 1/338.

([13])  نفسه، حاشية المحققة.

([14])  في حاشية المحققة: أن الكوفيين أجازوه مطلقاً، والأخفش قياساً على الغالب.

([15])  شرح الجمل 1/346.

([16])  نفسه، حاشية المحققة.

([17])  نفسه 1/384 ـ 385.

([18])  نفسه، حاشية المحققة.

([19])  نفسه 1/394، وانظر مقدمة التحقيق 170.

([20])  عجزه: أحبُّ إليّ من لُبس الشفوف، وهو لميسون بنت بحدل، والبيت من المتداول في كتب النحاة. انظر: سيبويه 3/45.

([21])  ينسب إلى أبي الأسود الدؤلي، وهو في ديوانه ـ ما نسب إليه ـ ص130.

([22])  شرح الجمل 2/799.

([23])  نفسه، حاشية المحققة.

([24])  لذي الرمة. ديوانه 436.

([25])  شرح الجمل 2/676 ـ 677.

([26])  نفسه، مقدمة التحقيق ص170، وانظر حاشية المحقق في الموضوع نفسه في الحاشية السابقة.

([27])  نفسه ص171، وانظر: 2/715.

([28])  انظر: مثلاً 1/263 و273 و473 وغير ذلك.

([29])  شرح الجمل مقدمة التحقيق ص140.

([30])  انظر: الارتشاف 4/1967.

([31])  شرح الجمل 1/343.

([32])  نفسه، حاشية المحققة.

([33])  انظر: شرح التسهيل لابن مالك 3/335.

([34])  انظر: الارتشاف 3/1258، وانظر: شرح الجمل لابن خروف 1/471. وانظر سيبويه 3/143.

([35]) انظر: شرح الجمل لابن خروف 1/471، حاشية المحققة.

([36]) لابن شريح الكلابي، انظر سيبويه 2/237 ـ 238، والمساعد 2/546 والارتشاف 5/2227، وفي شرح الجمل 2/745 تمقّاني، ولا وجه له وذكره العيني 3/176 بلفظ: مناني، وفسره بمعنى: بلاني.

([37]) شرح الجمل 2/745.

([38]) الارتشاف 5/2227، وانظر المساعد 2/546.

([39]) انظر الارتشاف 3/1534 ـ 1535، وانظر: شرح الجمل 2/962.

([40]) انظر على سبيل المثال 1/385 و2/897.

([41]) ص301 ـ 302.

([42]) انظر شرح الجمل لابن خروف، مقدمة التحقيق. ص139.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244