|
||||||
| Updated: Tuesday, May 10, 2005 01:58 PM | ||||||
| فهرس العدد |
|
المديح النبوي الأندلسي بين لسان الدين وابن جابر ـــ د.أحمد فوزي الهيب(*) ازداد تعاظم الروح الدينية في القرن الثامن الهجري، الرابع عشر الميلادي في الأندلس والمغرب ومصر والشام والعراق وغيرها لأسباب كثيرة، لعل أهمها: ـ حرب الفرنجة أو ما سماها الغرب بالحروب الصليبية التي أتت إلى الشام ومصر تريد احتلال بلادنا وسلب خيراتها، وهدم ضريح النبي (ص) في المدينة المنورة، كما شهدت مثيلاً لها الأندلس أيضاً، بعد ضعف العرب، زمن ملوك الطوائف الذي أصبحت فيه البلاد إمارات صغيرة متناثرة ضعيفة، الأمر الذي أطمع نصارى الشمال بها، فهاجموها واحتلوا طليطلة وغيرها، وفرضوا عليها الإتاوات التي دفعها ملوكها صاغرين. ـ انتشار موجة الزهد والتصوف انتشاراً كبيراً في المغرب والمشرق على حد سواء، بتأثير متصوفين كبار، مثل السهروردي وابن الفارض وابن عربي والبوصيري وغيرهم ممن سبقوا هذا القرن، ولكن آثارهم ظلت مستمرة باقية إليه، ولقد قرّب رجالات الحكم هؤلاء المتصوفة، وفتحوا لهم مجالسهم، وبنوا لهم الخانقاهات والتكايا والزوايا. ـ كثرة الطواعين والأوبئة والمجاعات والزلازل والجوائح التي تلاحقت على البلاد فلم يجد أهلوها سوى العود إلى الله لينجيهم، وكان هذا العود عن طريق التصوف الذي كان يرى ـ ولما يزل ـ أن الرسول (ص) هو المثل الأعلى، والإنسان الكامل، وأفضل الخلق، وسر الكون، وعلة الوجود، وعماده الرئيس، وقوته المدبرة، والوساطة بينه وبين الحق وسبب الهداية([1])، ولقد دفع ذلك شعراءهم لينظموا القصائد في مدحه وتعظيمه وحبه، والتشوق لزيارته ولمرابعه، والاستغاثة به، وغير ذلك، معتمدين على ما ورثوه من قصائد في مدحه (ص) في أثناء حياته، مثل قصائد حسان بن ثابت وكعب بن زهير ثم البوصيري وغيرهم. كما تأثر الشعراء أيضاً بما رأوه من تعظيم النصارى للسيد المسيح وميلاده، وبانتشار عادة استشفاع الناس بالرسول (ص) في الدولة الفاطمية، وعناية المماليك بموسم الحج ومحمله وقوافله واحتفالهم بذلك احتفالاً كبيراً، وما فعله وزير الملك الظاهر بيبرس تاج الدين بن بهاء الدين بن حِنَّا من جمع الآثار النبوية وإيداعها في مكان واحد يليق بها بالقاهرة. كل ذلك أجج الشوق في قلوب الناس عامة ولاسيّما المتصوّفة منهم، فاندفع كثير منهم إلى المدينة المنورة مهاجراً ليكون جاراً للرسول، يروي بذلك ظمأ قلبه المحب المشتاق([2]). ونضيف إلى ما تقدم فكرة أن الرسول (ص) حي في قبره غير ميت، التي شاعت لدى كثير من المسلمين، وبخاصة المتصوفة، وهي آتية من حديث نبوي رواه أبو هريرة، ووصف النووي سنده بأنه صحيح في رياض الصالحين([3])، وهو: ((ما من أحد يسلّم علي إلا رد الله عليَّ روحي، حتى أرد عليه السلام)) وقد شرحه صاحب ((فيض القدير)) المناوي بقوله: يعني ردَّ علي نطقي، لأنه حي على الدوام، وروحه لا تفارقه أبداً، لما صح أن الأنبياء أحياء في قبورهم، وهذا ظاهر في استمرار حياته لاستحالة أن يخلو الوجود كله من أحد يسلَّم عليه([4]). ومن حديث شريف آخر ((إن الله حرّم على الأرض أجساد الأنبياء))، وصف النووي أسانيده بالصحيحة([5]). مما تقدم نستطيع أن ندرك الأسباب المباشرة وغير المباشرة لازدهار فن المديح النبوي، وإكثار الشعراء من قصائده وتباريهم في ذلك. ولعل أسبقهم في ذلك الحسن بن أبي الحسن ملك النحاة المتوفى عام (568هـ)([6]) الذي من الممكن أن يكون أحد ملهمي البوصيري في (بردته) التي فاقت غيرها بجودتها وسيرورتها وإيحائها كثيراً من الشعراء([7]). ثم تطور المديح النبوي عند ابن جابر فخصّص له ديواناً كاملاً هو ((الغين أو نظم العقدين في مدح سيد الكونين([8]))) أقوم على تحقيقه. كانت الحياة الأدبية في المشرق والمغرب والأندلس موَّارة بالحركة والنشاط في القرن الثامن الهجري، ففي الأندلس والمغرب لقي الأدباء تشجيعاً كبيراً من رجالات الدولة، الذين كان كثير منهم يقول الشعر، ويتذوقه، ويفتح لهم مجالسه، ويناظرهم، ويناقشهم، ويتخذ منهم رؤساء لدواوين الإنشاء، ويستوزرهم. ونظرة خاطفة في كتب ذلك العصر مثل الإحاطة والنفاضة والكتيبة الكامنة لابن الخطيب، ونثير الجمان لابن الأحمر، والعبر لابن خلدون وغيرها، تعطينا صورة واضحة عما كان يزخر به هذا القرن من الشعراء([9]) الذين كانت تتجاذبهم دول الأندلس والمغرب المتعددة المتناحرة الملأى بالاضطرابات والفتن والصراعات. أما في المشرق العربي آنذاك فنجد المماليك قد جمعوا الشام ومصر والحجاز وغيرها في دولة واحدة، حققت ـ رغم وجود عدد من السلبيات ـ كثيراً من الازدهار والقوة والأمن، مما ترك آثاراً طيبة على الحياة الفكرية والأدبية، فكثر الشْعراء، وخلفوا أشعاراً كثيرة، عبرت عن روح ذلك العصر من خلال المقاييس الفنية التي كانت سائدة فيه. كانت الصلات الفكرية والأدبية يبن المغرب والمشرق العربيين وثيقة سريعة مستمرة، تمدّها قوافل الحجاج والمعتمرين ومحبي جوار الرسول (ص) والتجار بمدد مستمر لا ينقطع، يحمل معه ـ فيما يحمل ـ الفكر والعلم والتصوف والأدب والكتب، بالإضافة إلى الكثير من المغاربة الذين يمموا وجوههم قبل المشرق، حجازه ومصره وشامه، طالبين فيه الأمن الذي افتقدوه في بلادهم آنذاك، ولقد حفظت لنا الكتب أسماء كثيرين، منهم ابن عربي وابن خلدون وابن جابر وأبو جعفر وغيرهم. تركت هذه الهجرة آثارها المتعددة على الحياة الدينية والفكرية والأدبية بعامة، وعلى الشعر بخاصة، وعلى المديح النبوي موضوع بحثنا بصورة أخص، ولقد اخترنا لتبيان هذه الآثار شاعرين كبيرين من شعراء الأندلس هما لسان الدين بن الخطيب (713 ـ 776هـ)([10]) وابن جابر (698 ـ 780هـ)([11]). عاش لسان الدين حياته كلها متنقلاً بين الأندلس والمغرب، اللذين كانا يؤلفان بيئة فكرية وأدبية واحدة، بينما عاش ابن جابر شطراً من حياته في الأندلس، وشطراً ثانياً في المشرق العربي، واستقر في حلب، فأفاد منه أبناؤها كثيراً بعدما زار مصر والحجاز والشام، وكان يرافقه في تجواله زميله أبو جعفر أحمد بن يوسف (م779)([12])، وقد حجّا مراراً من حلب معاً، قبل أن يفترقا، بعد زواج ابن جابر في أواخر عمره واختياره مدينة البيرة شمالي بلاد الشام مستقراً له حتى وفاته([13]). ولقد دفعني إلى اختيار لسان الدين وابن جابر أنهما قد اشتركا في انتمائهما إلى قطر واحد، هو الأندلس، وقد عُنيا بموضوع واحد هو المديح النبوي الذي خصّاه بقصائد طويلة كثيرة، الأمر الذي جعل بين مديحهما النبوي بعض الصفات والميزات المشتركة، كما أن وجود اختلافات بين حيواتهما، أدى إلى تنوع صفات هذا المديح لدى كل منهما. ونستطيع أن نجمل الاختلافات بين الرجلين كما أجملنا أوجه التشابه بما يلي: لم يكن لسان الدين متفرغاً للشعر، إذ كان يشارك الشعر عنده النثر بنوعيه الأدبي والعلمي، كما برع في الفلسفة والطب، وأما في التاريخ فقد كان مؤرخ عصره بلا منازع، ومؤلفاته الكثيرة شاهدة على ذلك([14])، وفضلاً عن ذلك كان له جانب سياسي هام، ترك آثاره الإيجابية عليه حيناً فصار ذا الوزارتين، ثم ترك آثاره السلبية حيناً آخر فجعله ذا الميتتين. أما ابن جابر فقد كان شاعراً متفرغاً للشعر والنظم العلمي عامة، لأننا نجد له بعض المؤلفات العلمية، فقد شرح بديعيته وألفية ابن مالك وألفية ابن معط([15]). كما كان ـ بالإضافة إلى ذلك ـ أمير نفسه هادئ الباب مستقر النفس راضياً عن حياته على الرغم من شعوره بالغربة، لم تشغله سوى همومه الخاصة، التي كانت قليلة قبل زواجه وبعده، بسبب تكوينه الشخصي وابتعاده عن السياسة والمناصب الرسمية والحياة العامة، الأمر الذي كان يفتقده لسان الدين. كما أنهما ـ وإن اشتركا في صفة العلم إلى جانب الشعرـ فقد كان الجانب العلمي عند ابن جابر مقتصراً على علوم اللغة والنحو والعروض والبلاغة والسيرة، بينما تجاوز ذلك عند لسان الدين إلى التاريخ والجغرافية والطب والسياسة والترجمة الذاتية وغير ذلك، وألف في ذلك كتباً كثيرة([16]). هذه التشابهات والاختلافات الآنفة الذكر بين الرجلين أدت إلى وجود تشابه واختلاف بين مديحهما النبوي، يمكن أن نتبينهما بوضوح بعد أن نستعرض صنيع كل منهما في مديحه. المديح النبوي لدى لسان الدين كان لسان الدين متديناً ورعاً فقيهاً متمكناً من علوم الشريعة والحديث حافظاً للقرآن متقناً لعلومه، واعظاً متصوفاً عالماً بسير رجالاته سالكاً طريقه، وكتابه ((روضة التعريف بالحب الشريف)) وأشعاره الصوفية يدلان على ذلك([17]). وبناء على ذلك من البديهي أن يُعنى ـ كما عُني أهل عصره ـ بالمديح النبوي، وعنايته به كانت على الطريقة الأندلسية المغربية، إذ كانوا يغتنمون لإنشاده احتفالات المولد النبوي الشريف في الثاني عشر من ربيع الأول كل عام، والذي غدا عيداً ثالثاً، أضيف إلى عيد الفطر وعيد الأضحى، ثم فاقهما لدى الأندلسيين الذين كانوا يجتمعون فيه بالمسجد والأماكن العامة والخاصة وقصور الملوك، لتلاوة القرآن الكريم وقراءة السيرة النبوية الشريفة وإنشاد قصائد المديح النبوي، ثم يختمون كل قصيدة نبوية بمديح للملك الذي قيلت تحت رعايته([18])، وليست الاحتفالات الكبيرة التي لم نزل نراها حتى يومنا هذا في المغرب إلا امتداداً لتلك الاحتفالات زمن لسان الدين وصورة لها، لذلك سميت تلك القصائد النبوية التي أنشدت فيها بالمولديات، نسبة إلى المولد النبوي الشريف. غدا المديح النبوي في القرن الثامن الهجري غرضاً لا يكاد يخلو منه شعر شاعر، لأنه صار جزءاً من روح العصر التي غلب عليها الطابع الصوفي، وهو لون من التعبير عن العواطف الدينية، وباب من الأدب الرفيع، لأنها لا تصدر إلا عن قلوب مفعمة بالصدق والإخلاص([19]). أضفى المتصوفة على النبوة معنى فلسفياً جعلها حقيقة قديمة، ولقد ردد لسان الدين هذه المعاني في كتابه (روضة التعريف) وفي بعض رسائله أيضاً([20]). لذلك قلنا من الطبيعي أن يكون المديح النبوي أحد أهم أغراض شعر لسان الدين، يعبر عن نزعته الصوفية الذاتية، مثلما يعبر عن روح العصر، ولاسيما من خلال حنين الأندلسيين إلى مرابع النبوة([21])، ولقد دفع لسان الدين وجد صوفي، هاجه ذكر الرسول وسيرته ومرابعه في المدينة ومكة في أعياد مولده إلى أن ينظم قصائده التي سماها ((المولديات)). بلغ عدد مدائح لسان الدين النبوية، أو مولدياته، اثنتي عشرة قصيدة، ورد تسع منها في ديوانه ((الصيِّب والجهام والماضي والكهام)). خلافاً لما ذكره محققه محمد الشريف قاهر في تقديمه له، كما ورد أيضاً قصيدة واحدة في ((نفاضة الجراب)) للسان الدين نفسه، وواحدة في ((أزهار الرياض)) وواحدة في ((نفح الطيب)) وكلا الكتابين للمقّري، كما تكرر وورد اثنتين من المدائح الاثنتي عشرة الآنفة الذكر في ((نفح الطيب)) وواحدة في ((نفاضة الجراب))([22]) ورفع أكثرها إلى ملوك ثلاثة بمناسبة المولد النبوي الشريف، وهم: السلطان أبو الحجاج يوسف بن إسماعيل النصري سابع ملوك بني الأحمر في غرناطة، وكان لسان الدين كاتبه، ثم خليفته السلطان الغني بالله محمد بن أبي الحجاج يوسف الذي استوزره لسان الدين، ثم السلطان أبو سالم إبراهيم المريني ملك فاس في المغرب. والمولديات ـ على الرغم من تعددها ـ تجري جميعها على نسق واحد، يبدأ لسان الدين كلاً منها عادة بالتوجع والحنين إلى حمى الحجاز عبر البرق والريح والنسيم والركب، ثم ينتقل إلى التغني بفضائل النبي (ص) ومعجزاته واصطفائه ومكانته والصلاة عليه مع اعتذاره عن تقصيره في زيارته، وتمنيه ذلك لو أتيح له، ثم ينتهي بمديح السلطان الذي قيلت المدحة في عهده، أو قيلت بطلب منه مديحاً دينياً يلاحظ اقتداءه بسنن النبي (ص) وهديه([23]). ولقد وقع اختياري على داليته التي أرسلها في مناسبة المولد إلى السلطان أبي سالم إبراهيم المريني ملك فاس، بعدما توثقت علاقته به يوم كان أبو سالم لاجئاً بغرناطة، بعدما استولى أخوه أبو عنان على السلطة بالمغرب، ولم ينس ما وجده من ملكها الغني بالله ومن لسان الدين وزيره من حفاوة وتكريم([24]). أقول: وقع اختياري عليها، لأنه (أي لسان الدين) وصفها بأنها (مَذَهَّبة)، الأمر الذي يدل على إعجابه بها وقيمتها لديه، وقد بلغ عدد أبياتها ثمانية وستين بيتاً، قسمها إلى أقسام ثلاثة: بدأ القسم الأول بداية تقليدية تراثية، خاطب في بدايته رفيقين له، مثلما فعل من قبل امرؤ القيس في معلقته وأمثاله من الشعراء، وخيرّهما بين أن يتركاه يحث الخطى مرتحلاً إلى الحجاز، ليروي ظمأه منه، أو أن يطفئ نار الشوق والوجد في فؤاده، ثم تحدث عن دمعه الهتَّان، كلما هبت ريح الصبا حاملة من المشرق شَذَا الرسول (ص)، وعن أشواقه إلى البرق الحجازي وسهده ونفاد صبره إلا من بقية تخفف عنه ما يعانيه من وجد، وعن حنينه إلى نجد وحاجر، وتكنيته بدعدٍ وسعدى، وعن دمعه الفضاح لما يريد أن يكتمه من وجد، قال([25]):
ثم تساءل مستنكراً: أهناك تعليل لنفسه بعد رحيل ركب الحجيج إلى الحجاز، وأنى له أن يصبر إلى العام القادم([26]).
ثم رفع صوته منادياً راجياً حداة الركب بما بينه وبينهم من مودة أن يخبروا الرسول (ص) بحاله وغربته وشوقه ورغبته بزيارته([27]):
واللافت للنظر في الأبيات السابقة تلك العاطفة المشبوبة الصادقة المشبعة بالروح الصوفية الهائمة بحب الرسول (ص)، وذلك التبجيل الكبير الذي رأيناه في المعاني، كما رأيناه في أسلوب الأبيات الرصين المحكم الذي اختاره لسان الدين، ليناسب منزلة الحبيب القريب إلى القلب مع سموه ورفعته، فهو القريب البعيد، البعيد القريب. وبعد ذلك انتقل لسان الدين إلى القسم الثاني من قصيدته هذه، ليتغنى بفضائل الرسول (ص) ويمدحه بأنه ملاذ الخلق وأكرمهم وأعظمهم في حياته وبعدها، ولولاه لما استبان الضلال من الهدى، ولما زالت مثالب الجاهلية ولعلوّه علا دينه الأديان، وفتحت جنوده البلاد، قال([28]):
كما مدح لسان الدين الرسول (ص) بالصبر وبالمعجزات الباهرة، ثم دعا الله تعالى أن يصلي عليه قائلاً([29]):
ثم تمنى أن يكون إلى جواره، وأكّده بقوله([30]):
وعاد مرة أخرى إلى رفيقيه اللذين رأيناهما في مطلع قصيدته، ليخبرهما أن القول عاجز عن حصر مناقبه (ص) وتعدادها، وعن وفائه حقه، ثم ذكر بعض معجزاته مثل الإسراء والمعراج، وتكليم الله، وانشقاق القمر، ونبع الماء من بين أصابعه وغير ذلك في قوله([31]):
ولعل من الجدير أن نذكر أن مديحه السابق للرسول (ص) قد خلا مما ذكره في قصائده الأخرى([32])، وهو الغاية الفلسفية في النبوة، وأن النبي (ص) علة الكون وسره، وأن لحقيقته مظهرين، أحدهما في عالم الأسرار، حيث تتجلى في ذاته أنوار الحضرة الإلهية، وثانيهما في عالم الحس، حيث هو سبب هداية الناس وشفاء أسقامهم، ولولا أن الله قد اختاره لهذه المهمة، لما كان ذا مظهر بشري قط، لأنه يعلو عليه في الحقيقة. ولا ريب أن هذا الأخير يشير إلى اعتقاد الصوفية بمهمة الحقيقة المحمدية في الكون، من حيث كونها عماده الرئيس وقوته المدبرة والوساطة بينه وبين الحق، وإذا كان لسان الدين لم يغل في اعتقاده غلو الصوفية، فلا شك أنه كان مولعاً كثيراً بترديد قوله: إن النبي هو العلة الحقيقية للوجود([33]). ومن الطبيعي أن يستمد لسان الدين معاني مديحه للرسول (ص) من كتب السيرة، وأن يتخذ هذا المديح شكل خطاب الحي الذي يمثل الشاعر أمامه مادحاً، لأنه كان يعتقد أن الرسول (ص) حي في قبره كما أسلفنا من قبل. وبعد ذلك انتقل لسان الدين إلى القسم الثالث والأخير من قصيدته هذه، وهو مدح السلطان أبي سالم يوسف المريني، انتقالاً حسناً سلساً موفقاً كانتقاله السابق من القسم الأول إلى الثاني، فقال([34]):
إنه إذ مدح الرسول (ص)، مدحه في زمن السلطان أبي سالم، الحافظ من رسول الله (ص) ما ضيعه الآخرون، الإمام العادل المحب للنبي (ص) وآله الكرام، التقي الحامي للأندلس في وقت عز فيه النصير، ثم ختم لسان الدين قصيدته هذه بأن دعا للأندلس أن يديم الله عليها ملك أبي سالم، ثم تعجب من جلال ملكه وسطوة سيفه وجود يده، ولا غرو في ذلك فإنه أعلى كلمة الله فيها، فجزاه الله على ذلك ديناً وملكاً. إن هذه المدحة النبوية، أو المولدية، نموذج لغيرها من مدائحه النبوية، رغم وجود فروق طفيفة بينها، ويمكن القول: إن الجانب الذاتي في مدائحه يطغى طغياناً شبه تام على الجوانب الأخرى ولكنه لا يغفلها([35]). ومع ذلك فهناك بعض من مدائحه النبوية لم يرفعها إلى أحد من السلاطين، أو حذف منها الأبيات التي تذكرهم، مثل القصيدة التي مطلعها:
ومثل قصيدته التي مطلعها:
ومن البدهي ألا نرى فيها سوى التعبير عن حبه وشوقه للرسول (ص)، وعلى مديحه وذكر معجزاته وغيرها. وأما المديح النبوي عند ابن جابر الأندلسي الهواري فهو كثير جداً، وكأنه قد تفرغ له تفرغاً كاملاً، إذ نجد لـه منه ديواناً كاملاً سماه ((الغين في مدح سيد الكونين)) كما مر بنا من قبل، بالإضافة إلى قصائد ومقطعات كثيرة متناثرة في كثير من الكتب، مثل نفح الطيب وغيره. اتسم المديح النبوي عند ابن جابر ـ مثل لسان الدين وغيره ـ بالحب العظيم للرسول (ص)، ولا غرو في ذلك فلا يؤمن المسلم إيماناً كاملاً حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، كما اتسم هذا الحب أيضاً بالصدق والعاطفة السامية القوية، إذ إن الشاعر لم يكن يبغي من مديحه كسباً دنيوياً مادياً، وإنما الذي يبغيه هو التعبير عن مدى حبه للرسول (ص) لينال رضاه وشفاعته. أمام ذلك لم يجد ابن جابر ـ كلسان الدين وغيره ـ وسيلة أفضل من ألفاظ الحب والتغزل لتعبر عن ذلك، الأمر الذي أوصلهم إلى التغزل النبوي، وهو يشبه التغزل العذري العفيف من وجوه، ويشبه إلى حد كبير شعر الحب الإلهي الذي نجده عند رابعة العدوية وغيرها من الذين أفادوا من الحب العذري وشعره ومعانيه العفيفة وأساليبه المميزة في مناجاتهم للذات الإلهية، وذلك بعد أن طهروه ونقوه من الرواسب والشوائب المادية العالقة به([38])، كما أفادوا من ذلك في تعبيرهم عن حبهم للرسول (ص)، ووجدوا فيه خير معبر عن شوقهم وحبهم، الأمر الذي جعله يتسم بعاطفة جياشة محبة مشتاقة إلى الرسول (ص) ولمدينته المنورة، لذلك قطع ابن جابر وغيره الفيافي والقفار يحثون مطاياهم ويستعجلونها كلما أتعبها الترحال، ويصبرون أنفسهم، ويمنونّها برؤية العقيق والرند والغوير ونجد وغيرها من المواضع التي أحبوها لحبهم للرسول (ص)، هذا الحبيب الذي يذكرونه دائماً ويصبون إليه، ويذرفون الدموع غزيرة تترى شوقاً وهياماً، قال ابن جابر([39]):
كما تميز هذا التغزل النبوي لدى ابن جابر بهذا العطاء الروحي المتدفق من أعماق الشاعر، وبمشاعر الحزن النبيل في أثناء البعد، وأحاسيس التلهف المضني في أثناء الطريق، وبمظاهر الفرح العظيم عند اللقاء، فها نحن نراه يعطي مَن بشَّره بالوصول إلى مدينة الرسول (ص) مهجته كلها، بعد أن غنّى أحزانه وأشواقه وبكاها، وهام يسأل النسائم عن حبيبه الذي رمز له بسعاد، وظل كذلك حتى وصل، وكان عيده بهذا الوصول، كما تكون الأعياد عند رؤية الهلال، قال([40]):
وإذ عُني ابن جابر في تغزله النبوي الآنف الذكر وغيره بذكر مجالي الجمال المعنوي والاحتشام والتأدب والتضاؤل والتذلل وذكر الأماكن الحجازية، كما أشار إليه ابن حجة الحموي([41])، نجده يشذ عن ذلك في لامية له، فيتحدث عن كثير من صفات حبيبته المادية، إذ وصف رضابها العذب الذي يفوق الخمرة طيباً، ووجهها وفمها وأسنانها ومقلتها التي كسرت صبره بدلالها وغنجها، وقطعت قلبه بسيفها، وغير ذلك، قال([42]):
ولقد سوغ لابن جابر ذلك الشذوذ عن قاعدة طهر التغزل النبوي وسموه أنه كان يعارض في لاميته هذه لامية كعب بن زهير، أو بردته التي أنشدها أمام الرسول (ص)، فاستحسنها، ولكن لم ينتبه أن الرسول (ص) لم يعترض على (كعب)، لأنه حديث عهد بالإسلام قد وضع رجله في أول طريقه، بينما لم يكن هو كذلك. أما معاني المديح النبوي عند ابن جابر فقد شابهت مثيلاتها لدى لسان الدين وغيره من أصحاب المدائح النبوية، مثل الهداية وفضله على الرسل([43]):
ومثل الصدق وتبشير الرسل وكتبهم به، قال ابن جابر([44]):
وبالإضافة إلى ذلك تحدث ابن جابر عن غزوة بدر الكبرى، ووصفها وصفاً دقيقاً، استمده من القرآن الكريم وكتب السيرة، تكلم فيه عن بطولة الرسول (ص) وصحابته، وعن تأييد جبريل والملائكة لهم، وعن رميه (ص) بالحصى في أوجه المشركين، ثم عن المعركة، وعدّد أسماء كل من الطرفين، وانتصار المسلمين وهزيمة المشركين تاركين قتلاهم الذين رماهم المسلمون في القليب، وتقريع الرسول (ص) لهم، فقال([45]):
كما عدد ابن جابر أيضاً معجزات الرسول (ص) الكثيرة، مثل كلام البعير معه، وتسبيح الحصى في يده، وحنين الجذع إليه، وانشقاق البدر، وتظليل الغمام، واخضرار الدوح بعد جفافه، وتكليم الميت وقيامه، وشهادة الضب على نبوته، وطاعة الغزالة له تعداداً جعله يبتعد عن الشعر ليقترب من النظم العلمي، فقال([46]):
وتحدث ابن جابر أيضاً عن معجزة الرسول (ص) الخالدة، وهي القرآن الكريم، الذي نرى فيه العظات والتبيين والتفصيل وعلم الأولين والآخرين والحلال والحرام، كل ذلك بأسلوب سام معجز، تحدى الله الإنسان والجن على أن يأتوا بسورة منه فعجزوا، وخذلوا على الرغم من فصاحة العرب وبلاغتهم، وأنه جاء بلغتهم، فقال([47]):
وعلى الرغم من احترام المسلمين لجميع الرسل وإيمانهم بهم، فإنهم فضلوا نبيهم محمداً (ص)، ولا غرو في ذلك، فالله سبحانه وتعالى قد فضله على خلقه جميعاً، واعترف الرسل عليهم السلام بفضله عليهم، إذ ائتموا به ليلة الإسراء في بيت المقدس وصلى بهم، كما أنهم يُحشرون يوم القيامة تحت لوائه، وقد ذكر ابن جابر ذلك فقال([48]):
كما فضل ابن جابر الرسول (ص) على غيره من الرسل عليهم السلام بالشفاعة يوم القيامة، إذ يستشفع الناس من هول القيامة بالرسل فلا يستطيعون أن يجيبوهم ويشفعوا لهم، ثم يشير عيسى عليه السلام عليهم أن استشفعوا بمحمد (ص) لأن قوله الحق، فيأتون محمداً (ص) مستشفعين، فيقول لهم أنا كفيل بها، فيدعو ربه ويشفع للمؤمنين، وهنا يصيخ الناس لصوت الحق المهيب قائلاً: لقد أوتيت سؤلك يا محمد، فيتنفسون الصعداء، وقد صور ابن جابر ذلك بصورة قصصية زادها الحوار والحركة جمالاً، فقال([49]):
وللسبب نفسه وصفه ابن جابر بنجم الهدى إذا كانت الرسل سماء، وبالبدر إذا كانوا نجوماً، وبواسطة العقد إذا كانوا جواهر، فقال([50]):
لذلك بشر به الأنبياء من قبله، مثل موسى وعيسى عليهما السلام، كما بشر به أيضاً الأحبار والرهبان وسطيح وشقّ وسيف بن ذي يزن وبحيرا وقُسّ وغيرهم، حتى لم يخل جيل من علامة لبعثته، لقد اتفقوا جميعاً على هذا الأمر على الرغم من اختلاف بلادهم ولغاتهم وأجناسهم وأزمنتهم ومشاربهم، قال ابن جابر([51]):
ولم يكتف ابن جابر بمدح الرسول فحسب، وإنما مدح كل من شرف بالقرب منه، مثل المهاجرين الذين مدح نسبتهم إلى قريش التي نظرت القبائل العربية إليها نظرة خاصة، واحترمتها لانتمائه (ص) إليها، ومدحهم أيضاً بالبشر والجود والعز بكرامتهم عند الله الذي ينجي من يحبهم، ويدخل النار من يبغضهم، فقال([53]):
كما مدح أيضاً الأنصار الذين شرفوا بنصرتهم للنبي (ص) ومساعدتهم للمهاجرين في دحر الشرك وإعلاء كلمة الله تعالى، ونعتهم بجمال الوجه وكرم الفعل ورجاحة العقل وحسن الصبر والشجاعة في الحرب، فقال([54]):
ثم إن ابن جابر خص آل البيت والعشرة المبشرين بالجنة من الصحابة رضي الله عنهم بقصيدة طويلة مدحهم بها وعدد مآثرهم واحداً واحداً([55]). كما تفردت المدينة المنورة أيضاً على جميع البلاد بأنها ضمت جثمان الرسول (ص) بين حناياها، الأمر الذي جعلها أشرف البلاد مثلما قال ابن جابر([56]):
وهنأ ابن جابر أهل المدينة على مر العصور بسكناهم فيها وجوارهم للرسول (ص)، ونصحهم بالبقاء فيها مهما جار الزمن عليهم، فيكفيهم حسن الجوار، قال([57]):
بل إنه قد هنأ المسلمين على اختلاف أجناسهم وبلادهم لتشرفهم بالانتماء إلى دين محمد (ص)، ذلك الانتماء الذي أعلاهم على جميع الأمم، فقال([58]):
كما خاطب ابن جابر الرسول (ص)، وكأنه واقف أمامه، يراه ويسمعه، وقد دفعه إلى ذلك ما دفع لسان الدين وغيره من الشعراء مما أشرنا إليه من قبل، قال([59]):
وكان ابن جابر يبغي من وراء مديحه هذا ـ بالإضافة إلى التعبير عن حبه للرسول (ص) وتعظيمه وغير ذلك ـ أن ينال شفاعته (ص) ليمحو بها ذنوبه ويقوي بها ضعفه، قال([60]):
ولقد أنهى ابن جابر معظم مدائحه النبوية بالصلاة على النبي وعلى آله وصحابته، والتي غدت تقليداً لدى كثير من شعراء المديح النبوي، وتفنن فيها تفنناً جميلاً، إذ عبر عن ديمومة صلاة الله على النبي بدوام سجع الحمائم على الأغصان، فقال([61]):
وبعد، نستطيع أن نقسم مديح ابن جابر النبوي إلى قسمين: قسم أقرب إلى الطبع، وهو الذي تحدثنا عنه من قبل. وقسم هو أقرب إلى التصنع، يمثل روح الأدب في القرن الثامن الهجري خير تمثيل. وهذا القسم الثاني أيضاً على نوعين: نوع تمثله قصيدته التي سماها ((المقصورة الفريدة)) وبدأها بقوله:([62])
ولقد بناها، أو جعل رويها الألف، كما هو واضح من اسمها، ولكنه لم يكتف بذلك، إذ التزم قبله حروف العربية حرفاً حرفاً، نظم على كل منها عشرة أبيات، وختمها بتقريظه لها، وبمدح الأنصار والدعاء لهم حتى بلغت سبعة وثمانين ومئتي بيت، وهذا يذكرنا بصنيع المعري في ((لزومياته)). وأما النوع الثاني من القسم الثاني من مدائح ابن جابر، فتمثله بديعيته التي سماها: ((الحلة السِيَرا في مدح خير الورى)) والتي عرفت فيما بعد ببديعية العميان، لأنه كان أعمى، وقد شرحها صديق عمره أبو جعفر بكتاب سماه ((طراز الحلة وشفاء الغلة))([63]). وأولها:
وقد وصل إليها ابن جابر بتطويره للمدحة النبوية، وبتأثره ببردة البوصيري الشهيرة من جهة، وبالنظم العلمي الذي برع فيه من جهة ثانية، وابتكر بها فناً كبيراً من فنون الأدب العربي فكان رائداً له، وهو فن البديعيات، وهي قصائد ميمية من البحر البسيط في المديح النبوي يحتوي كل بيت منها نوعاً من أنواع البديع، ولكنه يحتاج إلى شرح واف حتى يفهم. ومن الباحثين([65]) من جعل مبتكرها ابن جابر وأنا واحد منهم، ومنهم([66]) من جعله صفي الدين الحلي، وهو معاصر له، ولقد رجحت سبق ابن جابر لأنهم متعاصران، ولأن شارحها أبا جعفر قد صرح بسبقها، وهو معاصر لابن جابر وللحلي معاً. ولأن بديعية الحلي تفوّقت على بديعية ابن جابر، الأمر الذي يشير إلى أنه قد أفاد من قصيدة ابن جابر وتلافى ما رآه فيها من مواضع ضعف. ومهما يكن من أمر فإن ابن جابر في صنيعه هذا قد غدا مَعْلماً من معالم الأدب والبلاغة في تاريخ اللغة العربية، ولقد أثنى عليها السيوطي ووصفها بعلو نظمها([67]). وعلى الرغم من أن جل اهتمام ابن جابر قد انصب على الجانب البلاغي فيها، إلا أنه سار في معانيها سيره بمعاني غيرها من مدائحه النبوية تقريباً، لذلك لا نجد في معانيها جدة أو جهداً يوازي الجهد المبذول في الجانب البلاغي منها. إنه بدأها بذكر طيبة والدعوة لزيارة الرسول (ص)، وضمّنها تغزلاً نبوياً، ثم مدح الرسول، وتحدث عن بعض معجزاته وختمها بالاعتذار منه، لأنه لم يستطع أن يوفيها حقه في المديح مهما أطال. وعلى الرغم من التشابه بين هذه البديعية ومدائح ابن جابر النبوية في المعاني والعاطفة والممدوح وغير ذلك، إلا أن هناك فارقاً كبيراً بينهما، نستطيع أن نوجزه بقولنا: إن الفن كان يغالب الصنعة في المدائح النبوية، بينما غلبته الصنعة في هذه البديعة، واتضح ذلك وقوي فيما جاء بعدها من بديعيات، لا نستطيع أن نجد فيها للفن إلا رسوماً دارسة وظلالاً باهتة، الأمر الذي أخرجها من دائرة الشعر إلى دائرة النظم العلمي في علوم البلاغة، وإن لم تصل إلى درجة ألفية ابن مالك وغيرها([68]). وأخيراً بعد دراستنا السريعة للمدائح النبوية لدى لسان الدين ومواطنه ومعاصره ابن جابر، نستطيع أن نجد بعض أوجه التشابه إلى جانب بعض نقاط الاختلاف بين مديحهما النبوي، ونستطيع أن نجمل أوجه التشابه بينهما بما يلي: تشابه المعاني لأنها مستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. وصدق العاطفة وتدفقها ونبضها بالحياة في كثير من الأحيان على الرغم من كثرة ذكرها للأحداث التاريخية، وذلك بفضل ما اتسمت به هذه المدائح بالحب الصادق والإخلاص الشديد. ورصانة الأسلوب التي نستطيع أن نتلمسها في كثرة الألفاظ المعجمية والتراكيب الرصينة والأوزان الرحبة كالطويل والبسيط. وطول القصائد بعامة، وكأنما قد أرادا بذلك أن يكون مديحهما مناسباً لعظمة الممدوح مستوعباً لصفاته الكثيرة وجوانبه الجليلة جديراً به، لأنهما كانا يخاطبانه حريصين على نيل إعجابه، وكأنهما واقفان أمامه يسمعهما ويراهما. لذلك قد حرصا على المقدمة الغزليّة على طريقة المديح الرسمي أو التقليدي، واتسمت هذه المقدمة بالعفة بعامة لتناسب سمو الممدوح (ص)، ما خلا قصيدة ابن جابر اللامية، عللنا سبب ذلك آنفاً. كما تشابها أيضاً بالعناية بالتصنيع عناية تناسبت مع روح عصرهما وعنايته بذلك، فكانت صورة صادقة دقيقة له. وبالإضافة إلى ذلك نجد في مدائحهما بعض الأغراض الثانوية، مثل النصح والحكمة والوصف والفخر وغيرها مما ينسجم مع الغرض الرئيس، وهو المديح النبوي. وأما نقاط الاختلاف بينهما، فنراها في تفوق شعر المديح النبوي عند ابن جابر على مثيلها عند لسان الدين، من حيث الكثرة تفوقاً كبيراً جداً، إذ اقتصر لسان الدين على ثنتي عشرة قصيدة، بينما ملأ ابن جابر منه ديواناً كبيراً، بلغ عدد أوراقه خمساً وثمانين ومئة ورقة، تحتوي كل منها على صفحتين اثنتين، فضلاً عما نجده له من قصائد ومقطعات في كتب الأدب والمجموعات. ونراها أيضاً في أن المدائح النبوية عند لسان الدين ((مُناسَبيات)) إن جاز التعبير، إذا قالها بعامة في مناسبة المولد النبوي الشريف، لذلك سميت بالمولديات، ولم يكن الأمر كذلك لدى ابن جابر الذي انطلق لسانه مغرداً في مديح الرسول (ص) على مدار العام. كما أن لسان الدين قد رفع قصائده هذه بعامة إلى ممدوح غير النبي (ص)، ختم بمديحه قصائده، بينما حرص ابن جابر على أن يختم كل مدحة نبوية بالصلاة على الرسول (ص) التي جعلها لسان الدين في أثناء أبيات القسم الثاني من مولديته، والذي مدح فيه الرسول (ص). وبذل ضمت مولدية لسان الدين ممدوحين اثنين، أولهما النبي (ص)، وثانيهما هو السلطان خلافاً لابن جابر. كما كان لسان الدين أقل شاعرية من ابن جابر الذي كان شاعراً بفطرته التي يفيض منها الشعر كما يفيض الماء من النبع الغزير، ولقد ساعده على ذلك التفوق تفرغه للشعر وإخلاصه لـه، الأمر الذي لم يتوفر للسان الدين. كما تفوق عليه أيضاً بابتكاره لفن البديعيات، وإبداعه له، وبفتحه بذلك فناً من فنون الشعر العربي، سار فيه كثيرون من كبار شعراء العربية في زمنه وبعده، ولعل هذا كان بتأثير رحلته إلى الشرق، وإقامته في بلاد الشام التي كان أدباؤها يعنون مع غيرهم من سكان الشرق العربي بالبديع وفنونه عناية لم يسبقوا إليها، لأنهم رأوا فيه ميداناً رحباً يثبتون فيه ذواتهم، ويتفوقون به على سابقيهم وفقاً لنظراتهم الجمالية وآرائهم النقدية وفهمهم للأدب. ومع ذلك كله يبقى المديح النبوي لدى كل من ابن جابر ولسان الدين مَعْلماً مهماً من معالم شعر كل منهما ومن معالم الشعر العربي بعامة. المصادر والمراجع : ـ الأذكار النووية النووي، ت: الأرناؤوط، دار الملاح، دمشق 1971 ـ الأعلام خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت 984 ـ البلاغة تطور وتاريخ شوقي ضيف، دار المعارف مصر 1965 ـ تاريخ الأدب العربي عمر فروخ، دار العلم للملايين، بيروت 1983 ـ تاريخ الأدب العربي محمد عبد العزيز الكفراوي، مكتبة نهضة مصر، مصر 1968 ـ الحركة الشعرية زمن المماليك في حلب الشهباء أحمد فوزي الهيب، مؤسسة الرسالة، بيروت 1986 ـ الحلة السيرا في مدح خير الورى ابن جابر، ت: علي أبو زيد، عالم الكتب، بيروت 1985 ـ خزانة الأدب ابن حجة الحموي، المطبعة الأميرية، مصر 1394هـ ـ الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة ابن حجر العسقلاني، ت: جاد الحق، دار الكتب، مصر 1966 ـ ديوان الصيِّب والجهام والماضي والكهام لسان الدين الخطيب، ت: محمد الشريف قاهر، الشركة الوطنية للنشر، الجزائر 1973 ـ رياض الصالحين النووي، ت: رباح والدقاق، دار المأمون، دمشق 1976 ـ الشعر العراقي في القرن السادس الهجري مزهر عبيد السوداني، دار الرشيد بغداد 1980 ـ عصر الدول والإمارات، الأندلس شوقي ضيف، جامعة حلب 1994 ـ فيض القدير شرح الجامع الصغير المناوي، المكتبة التجارية الكبرى، مصر 1938 ـ لسان الدين بن الخطيب، حياته وفكره وشعره عصام قصبجي، جامعه حلب 1994 ـ المجموعة النبهانية في المدائح النبوية يوسف بن إسماعيل النبهاني، المطبعة الأدبية، بيروت 1320هـ ـ المدائح النبوية زكي مبارك، طبعة الشعب/ مصر 1971 ـ نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب المقرّي، ت: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الكتاب العربي، بيروت، بلا تاريخ ـ مجلة الرسالة، مصر 1952. |