|
||||||
| Updated: Monday, December 05, 2005 12:26 PM | ||||||
| فهرس العدد |
|
التداخل الثقافي ـــ رئيس التحرير ليست هناك ثقافة أمة من أمم الدنيا تعيش منعزلة منفردة، لا في العصور القديمة ولا في العصور الحديثة، ويمكنك أن تتوسع في المفهوم فتقول: ليس ثمة حضارة تنهض وتزدهر دون أن يكون لها تماس وتفاعل مع الحضارات المجاورة والمعاصرة، فحتمية التطورات الاجتماعية تحتم قيام (التداخل الثقافي)، فثقافات الأمم لا تعرف الحدود السياسية ولا الحواجز الإقليمية، وإنما لديها من قوة النفوذ أن تعبر الحدود السياسية بلا استئذان ومن غير جوازات سفر، وتنساح فوق الخرائط الجغرافية من دون عَنَتٍ أو مشقّة. لقد عُرِفَ التداخل الثقافي في حضارات الأمم السالفة في غابر الأزمان، أيام كانت حركة التواصل بين الأمم والقارات بطيئة ثقيلة، أما في زمنٍ مثل زمننا الذي غدت فيه سبل الاتصالات تفوق التصور في السرعة واختصار الزمان وطيّ المكان، فأصبحت الثقافات أكثر تداخلاً، وأشد تفاعلاً. حول مفهوم (التداخل الثقافي) عُقد مؤتمر دولي في قصر الأمم في الجزائر في الفترة بين 2 –6 مايو 2005 تحت الرعاية السامية ورعاية اليونسكو، نظمته جامعة الجزائر والجمعية الدولية للبحث فيما بين الثقافات (Aric)، شارك فيه أكثر من أربعمئة باحث ينتمون إلى أكثر من تسعين جامعة، وتمحورت أبحاثه المقدمة باللغات العربية والفرنسية والإنكليزية، حول الثقافة والحضارة ومعطيات المعرفة وعصارات العلم، ومستجدات التكنولوجية، وغابت عنه الحساسيات السياسية والتأزمات الأيديولوجية، وعلى الرغم من أن حفل افتتاح المؤتمر قد تُوج بكلمة من راعي الحفل الذي يتصدر أعلى قمة في المستوى السياسي في دولة الجزائر، ولكنّ كلمته ظلت في سياق المؤتمر وروح أبحاثه، تتميز بالعلمية والشفافية، والتوجه المتطلع لثقافة جزائرية وعربية واعدة، تتماشى مع متطلبات العصر، وتتسم بالانفتاح على ثقافات الدنيا، مع الحفاظ على الهوية الوطنية، والدعوة إلى التسامح والوئام على المستوى الوطني والإقليمي والعالمي والإنساني. ولو عدنا إلى صميم موضوع (تداخل الثقافات) لألفينا أن لفظة (تداخل) واضحة الدلالة وتعني التشابك والتفاعل والانتقال بالتشارك، أما لفظة (الثقافة) فهي مصطلح تفاوت المثقفون في تعريف دلالته كالكثير من الألفاظ المجردة، فهذا (لوكليزيو) يقول: "الثقافة ليست بأن يتقن المرء لغات عدة، ويلقي قصائد الشعر، ويردّد أسماء الرسامين العالميين، وآلهةَ الميثيولوجية الإغريقية، بل يعي أن أهم ما يحمله في داخله هو الحياة، وبما أن الثقافة ليست لها حدود فلا بد إذاً أن تكون نسبية، وبالتالي لا يمكن أن توضع لها حدود نهائية(1). وقريب من مفهوم الثقافة هذه ما نجده عند الكاتب الفرنسي (سيغفريد) القائل: "إن الثقافة هي وعي الفرد لذاته بما هو كائن مفكر، وكذلك لعلاقته مع الآخرين، ومع الطبيعة، فيكون المثقف بالتالي هو الإنسان الذي يعي نفسه، ويحدّد موقعه"، وينفذ سيغفريد من تعريف الثقافة إلى تعريف المثقف فيصفه بأنه: "ليس من ينشد الحقيقة فقط، ويبحث فيها أو عنها، بل هو أيضاً المدافع الشجاع عن رؤية أو فكرة أو رأي من خلال المواجهة النقدية للمعطيات الفكرية والاجتماعية ضمن محيطه الثقافي(2). ونظراً لأهمية مفهوم الثقافة فقد تعدى اهتمامات الأفراد إلى اهتمامات المجموعات والهيئات وغدا هاجساً ومتطلباً عند أكبر مؤسسة دولية تعنى بالثقافة، وهي منظمة اليونسكو التي انبجس عن مؤتمرها العالمي المنعقد في نيومكسيكو سنة 1982 تعريف للثقافة ارتضته الأسرة الدولية وهو ما قاله المعرِّفون: "الثقافة بمعناها الواسع هي جماع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميّز مجتمعاً بعينه، أو فئة اجتماعية بعينها، وهي تشمل الإرث الاجتماعي ومحصلة النشاط الذهني والروحي والفكر الأدبي والقيمي، ويتجسد في الرموز والأفكار والمفاهيم والنظم، وسلَّم القيم، والحس الجمالي.. أي هي الامتداد المتنوّع لجميع أنواع المعارف والخبرات الإنسانية، تشمل المعارف العلمية والأدبية والفنية والتراث وطراز العيش والأذواق والآداب السلوكية، وقوانين التعامل بين الناس "وهذا المفهوم الواسع الشامل المتفق عليه للثقافة يُفضي بنا إلى القول إنه عندما تلتقي ثقافة بثقافة أخرى يحدث نوع من التأثير والتأثر أطلق عليه القدماء أسماء شاحبة كالمحاكاة والنقل والأخذ، واشتق له مثقفو هذا الزمان اسم (المثاقفة)، فما هي المثاقفة؟ أوجز وأدق ما قيل فيها إن المثاقفة من حيث الأصل هي رصد لعملية التطوير الثقافي الذي يطرأ حين تدخل جماعة من الناس أو شعوب بأكملها تنتمي إلى ثقافتين مختلفتين في اتصال جزئي أو كلي، وتفاعل يترتب عليهما حدوث تغيرات في الأنماط الأساسية السائدة في الجماعات كلها أو بعضها. وواضح أن (المثاقفة) تنحو نحواً عكس (الغزو الثقافي) الذي يتضمن الرغبة في اجتياح الآخر ومحو مقوماته الثقافية، وإلحاقه بالغازي، وفرض التبعية عليه، ومعاملته بنظرة فوقية فيها شيء من العدوانية والغطرسة، فلا يقوم الغزو الثقافي على الندِّية المتسامحة، والاعتراف بالخصوصية الثقافية للآخر، واحترام هويته. وإذا كانت الأمم الواعية المتحضرة تسعى سعياً حثيثاً تجاه المثاقفة، فهي من وجهة نظر أخرى ترفض كل أشكال الغزو الثقافي، وما زال المثقفون يرددون عبارة المهاتما غاندي: "إنني أفتح نوافذي للشمس، ولكنني أتحدى أية ريح تقتلعني من جذوري." الكلام في الثقافة والمثقف والمثاقفة والغزو الثقافي يحتاج إلى مزيد من التعمق والتفصيل أوجزناه هنا، بما تسمح به مقدمة العدد، وفصلناه في مرجعيات أخرى، نرى في مراجعتها ما يفيد في توضيح هذه المصطلحات واستيعابها(3). (1) دور المثقفين في الوطن العربي، 97. (2) دور المثقف العربي في التوجيه الاجتماعي والسياسي، د. أسعد دياب، 99. (3) انظر كتابنا: معجم المصطلحات، الثقافة والتثقيف، 342، المثقف، 987، المثاقفة، 985. |
|
| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |