مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 98 - السنة الخامسة والعشرون - حزيران 2005 - جمادى الأولى 1426
Updated: Monday, December 05, 2005 12:26 PM
فهرس العدد
 

توثيق رواية الشعر في النقد العربي القديم ـــ د.الشريف مريبعي(*)

لعبت الرواية الشفوية دوراً رئيساً في نقل التراث العربي الأدبي واللغوي من جيل إلى جيل، ومن أكبر المفارقات التي يلاحظها الدارس في هذا المجال ذلك الاعتداد بالرواية الشفويّة وتفضيل أخذ العلم بواسطتها على أخذه من الصحف المدونة التي كان يراها العلماء عرضة للتصحيف والتحريف، في حين تعد الرواية الشفوية آمن في عملية نقل النصوص والمحافظة عليها وعلى أدائها دون تشويه.

وتعج كتب التراث العربي بالأحكام الدالة على تمجيد الرواية الشفوية من جهة وذم الأخذ عن الصحف المكتوبة من جهة ثانية، وقد مدح أبو نواس خلف الأحمر بأنه لا يأخذ علمه من الصحف، قال:

لا يهم الحاء بالهاء ولا

 

يأخذ أقواله عن الصحف

على أن الرواية الشفويّة لم تكن بمنأى عن التحريف بالقدر الذي تصوره العلماء، فقد اكتنف جوانبها الفساد، وكانت عرضة للتغيير والتبديل والخلط والاضطراب لأسباب مختلفة كالشهرة والمشاكلة والقربى والمعاصرة، وغيرها من الأسباب التي وقف النقاد على الكثير منها في توثيقهم للنصوص الشعرية في العصور التالية.

وقد بذل النقاد في سبيل تصحيح النصوص الشعرية وتوثيقها جهوداً مضنية، واتخذوا لأنفسهم لتحقيق هذه الغاية جملة من المقاييس المنبثقة من النصوص نفسها، بمعنى أنهم كانوا يستقرئون النصوص، ويستخرجون منها أدلة تثبت خللها أو فساد روايتها، وما تضمنته تلك النصوص من أدلة على صياغتها البديلة الحقيقية، وقد استمدوا هذه المقاييس من علوم اللغة كالنحو والصرف والبلاغة، ومن السياقات المعنوية للنصوص، والأدوات الفنية التي دأب الشعراء على استعمالها في إبداعهم، كطبيعة التعبير، وأنواع الأساليب، والعروض والقوافي، وسنفصل فيما يأتي الحديث في هذه المسائل مع تقديم أمثلة ونماذج عن ذلك.

1 ـ علم العروض:

لقد كان علم العروض أحد المقاييس الهامة التي اعتمد عليها النقاد في نقدهم لرواية الشعر، ومن أمثلة ذلك، النقد الذي يوجهه المعري إلى رواية بيتين من الشعر لأبي الهندي وهما قوله:

سيغني أبا الهندي عن رطب سالم

 

أباريق لم يعلق بها وضر الزّبد

مقدمة قزا، كأن رقابها

 

رقاب بنات الماء أفزعها الرعد

إذ يعلق المعري على ذلك بقوله: "هكذا ينشد على الإقواء، وبعضهم ينشد: "رقاب بنات الماء ريعت من الرعد". والرواية الأولى إنشاد النحويين.... وما استشهد بهذا البيت إلا وقائله عند المستشهد فصيح، فإن كان أبو الهندي ممن كتب وعرف حروف المعجم فقد أساء في الإقواء، وإن كان بنى الأبيات على السكون، فقد صح قول سعيد بن مسعدة في أن الطويل من الشعر له أربعة أضرب"([2]).

فالمسألة بالنسبة إلى المعري لا تخلو من أحد أمرين، وهما: إما أن يكون الشاعر قد أقوى في شعره، وهذا عيب شديد لا يليق بمن يعرف أبجدية اللغة العربية، وإما أن يكون قد شذ عن القاعدة العروضية، وما تواترت عليه البنية الموسيقية للشعر العربي فأضاف إلى أنواع بحر الطويل نوعاً رابعاً في حالة ما إذا كان الشاعر قد بنى أبياته على السكون، وبالتالي فكلا الأمرين غير مقبول من الناحية الفنية.

ومعنى هذا أن المعري لا يطمئن إلى الاحتمالين معاً، إذ لا يعقل أن يسقط الشاعر أبو الهندي وهو ما هو في مثل هذا الخطأ العروضي، أو في ذلك العيب الذي يعده العروضيون من أشنع عيوب القافية.

وإذا كان المعري يهدف ـ كعادته ـ إلى بسط جانب من ثقافته العروضية الواسعة في هذا النقد، فإنه لا يخفى على القارئ أيضاً موقفه من عبث النحاة برواية الشعر، ومن ذوقهم السقيم، مما يتعارض مع حرصهم على صفاء اللغة وسلامتها من اللحن، حين يقول في سخرية ظاهرة: "وما استشهد بهذا البيت إلا وقائله عند المستشهد فصيح "وحين يغمزهم بقوله: "والرواية الأولى (التي ورد فيها إقواء) إنشاد النحويين".

وعلى أساس الموسيقى الشعرية دافع البكري عن الأصمعي في ما اتهمه به القالي من رواية فاسدة الوزن، إذ نسب إليه إنشاد بيت للأضبط بن قريع مختل الوزن، وهو قوله:

فصِلَنَّ البعيد إنْ وَصَل الحبـ

 

ـل وأقْصِ القريبَ إنْ قَطَعَهْ

ويقع ضمن مجموعة من الأبيات، فقال: "هذا الإنشاد الذي نسبه إلى الأصمعي لا يجوز، لأن البيت يكون حينئذ من العروض الخفيف والشعر من المنسرح، والأصمعي لا يجهل هذا"([3]).

وهكذا عمد البكري إلى نفي نسبة هذه الرواية إلى الأصمعي، لأن الأصمعي في نظره أحد أساطين الرواية العلمية، وخبرته بالشعر تمنع وقوعه في مثل هذا الخطأ العروضي، إذ لا يعقل أبداً أن ينشد قصيدة ليس بين أبياتها انسجام موسيقي من غير أن ينبه على ذلك على الأقل، ومعنى ذلك أن القالي تقوّل على الأصمعي أو أنه متهم بعدم التحري والتدقيق فيما ينقله من أخبار.

وهذا الدفاع في تنزيه الأصمعي عن رواية الأبيات الفاسدة، إنما يؤكد أهمية الموسيقى الشعرية وضرورة إتقانها لمن ينخرط في مهمة الرواية، وقد تتبع البكري أوهام القالي فيما رواه من شعر انطلاقاً من مقياس الموسيقى الشعرية، كما هي الحال في روايته لقول الشاعر:

 

"يا دار سلمى بين ذات العوج"

 

قال البكري: "قد أحال أبو علي بالوزن واللفظ، فصحة إنشاده، إنما هو: "يا دار سلمى بين دارات العوج..."([4]).

كما قام البكري بإبعاد الرواية التي من شأنها أن تلحق عيباً في القافية وتفضيل روايات أخرى لا يلحقها الخلل والفساد، فمن ذلك ما فعله في رواية القالي لبيت البعيث:

على حين ضم الليل من كل جانب

 

جناحيه وانصب النجوم الخواضع

فأبدل هذه الرواية بقوله: "وهذا البيت أيضاً على غير وجهه، وإنما هو (وانقض النجوم الطوالع)، لأن الخواضع منصبة، فكيف يستقيم أن يقول: وانصب النجم المنصب... وأيضاً فإن البيت الذي يلي هذا البيت قوله:

بكى صاحبي من حاجة عرضت

 

له وهن بأعلى سدير خواضع

فلو كان الذي قبله ما أنشده أبو علي لكان هذا من الإيطاء"([5]).

ومن هذا القبيل اعتراضه على إنشاد أبي علي لقول الشاعر:

كأنما وجهك ظل من حجر

 

خضل في يوم ريح ومطر

إذ يقول: "قوله (خضل في يوم ريح ومطر) غير صحيح الوزن، وإنما هو (ذو خضل في يوم ريح ومطر)، كذلك أنشده الرواة"([6]).

وإلى جانب تداخل الأوزان وفسادها نبه البكري على ما وقع فيه القالي من أخطاء في روايته للشعر، بالنظر إلى ما هو في هذا الشعر من عيوب تتعلق بالقافية، بحيث يعتبر إنشاد أبي علي لبيت سوار:

ونحن حفزنا الحوزقان بطعنة

 

سقته نجيعا من دم الجوف أحمرا

وهما من أبي علي القالي، وصوابه:

 

(سقته نجيعا من دم الجوف أشكلا)

 

وحجة البكري في ذلك أن بعد هذا البيت بيتين من روي مختلف عن الروي الذي أورده القالي في البيت الأول، فهما على اللام، ولا يعقل أن يكون ساقهما على الراء([7]).

كما رفض إنشاد أبي علي القالي لقول الشاعر:

أيا عمرو كم من مهرة عربية

 

من الناس قد بليت بوغد يقودها

لما في قوله: (من الناس قد بليت) بمعنى بليت، من ضرورة شعرية يمكن الاستغناء عنها، وعدم اللجوء إليها كما في الرواية السالمة قد بلّت أي صليت به([8]).

فقد فضل البكري هذه الرواية الخالية من الضرورة الشعرية على رواية القالي المتضمنة لضرورة، باعتبار أن أفضل الشعر ما خلا من الضرورة وهي القاعدة المتعارف عليها بين العروضيين.

وعلى هذا النحو راح البكري يتتبع أخطاء القالي وعثراته فيما رواه من شعر، ويحاول أن يرد الأبيات التي وهم فيها أبو علي اعتماداً على ما في بنيتها الموسيقية من خلل، وفي الأمثلة السابقة دلالة واضحة على ما يملكه البكري من أذن موسيقية، ومن معرفة عميقة بقواعد الشعر، فاتخذ من ذلك مقياساً لتصحيح رواية بعض الأشعار.

وبالاعتماد على هذا المقياس العلمي حاول ابن رشيق الفصل في نسبة بيت من الشعر حين قال: "... وقال بعض المحدثين في صفة الحباب، أظنه أبا الشيص:

 

فواقع تحكي ارتعاش البنان.

 

إن كان في قصيدته التي من المتقارب، وإلا فهو لغيره بتنوين الجزء الأول، وإسكان الجزء لأخير، ويكون حينئذ ضريا من السريع أو لا"([9]).

فابن رشيق هنا يشير إلى فرضيتين: أولاهما أن يكون البيت من المتقارب وفي هذا الحال تجوز نسبته إلى أبي الشيص، لأن لديه قصيدة من المتقارب على هذا الروي، وإما أن يكون من السريع الأول أي بقراءته على أساس تنوين الجزء الأول، وإسكان الجزء الأخير (فواقع..... البنان)، وفي هذه الحال يكون لغير أبي الشيص.

ولا شك أن ابن رشيق قد ارتكز على معطيات أخرى ـ لم يوضحها ـ في فرضيته الأولى، فالوزن والقافية وحدهما لا يكفيان لنسبة بيت من الشعر إلى شاعر بعينه، ولا بد أن يكون قد لاحظ بعض العلاقات الأخرى مثل تشابه أسلوب البيت مع القصيدة التي أشار إليها، وطبيعة الموضوع... إلخ مما لم يفصح عنه.

وبهذا المقياس شكك البلاذري في الرواية التي أخذ بها ابن الأعرابي في بيت شعر الأعشى، يقول البلاذري: "قرأت على ابن الأعرابي شعر الأعشى، فلما بلغت:

لا تشكي إلي من ألم النسغ

 

ولا من حفىً من كلال

وقلت: نقب الحفّ للسرى..............

فقال لي: (نقب الحفّ للسرى)، فقلت: أعزك الله إن تضمين بيتين عيب عند الحذاق بالشعر، أفيضمن الأعشى مع تقدمه ثلاثة أبيات؟...

فقال: ما تنشده بعد هذا إلا كما أنشدت"([10])

فهذا الخبر فضلاً عن كونه يبرز تواضع العلماء، ويشير إلى روحهم العلمية حين يتعلق الأمر بتصويب خطأ درجوا عليه، حتى وإن كان التصحيح يتم من قبل مريديهم، فإنه يدل على أن علم العروض كان أحد المعايير التي ارتكز عليها النقاد في نقد النصوص من الداخل، فالتضمين وهو عدم تمام المعنى ببيت واحد وإنما يكون ذلك في البيت الموالي، عده العروضيون من عيوب الشعر، وهو يدل على ضعف ملكة الشاعر، وبالتالي لا يسقط فيه لا من لم تصقلهم التجربة من المبتدئين، ومن هنا استبعد البلاذري أن يكون الأعشى وهو من الشعراء المقدمين في العصر الجاهلي عند النقاد، قد وقع في هذا العيب، خاصة وأن الأمر في هذا النص الذي يشير إليه الخبر يتعلق بتضمين ثلاثة أبيات، وقد كانت حجة البلاذري قوية إلى درجة أن ابن الأعرابي أجاز روايته، وأوصاه بألا ينشد البيت بعد ذلك إلا كما سمعه منه.

2 ـ قواعد النحو:

وإلى جانب هذا لجأ النقاد إلى مقياس علمي آخر في فحص النصوص وهو علم النحو، وهو مقياس قواعده قابلة للجدل والتأويل، بعكس علم العروض الذي كانت قواعده مضبوطة صارمة، لا تحتمل ذلك.

فمن الأمثلة على استخدامهم النحو مقياساً لنقد الرواية، ما يرويه عبد القادر البغدادي في خزانته، فبعد أن نسب هذا البيت:

معاوي إننا بشر فأسجح

 

فلسنا بالجبال ولا الحديدا

إلى الشاعر المخضرم عقبة بن هبيرة الأسدي، أورد الخبر الآتي فقال: "وقد رد المبرد على سيبويه روايته لهذا البيت بالنصب، وتبعه جماعة منهم العسكري صاحب التصحيف قال: ومما غلط فيه النحويون من الشعر، ورووه موافقاً لما أرادوه ما روي عن سيبويه عندما احتج به في نسق الاسم المنصوب على المخفوض، وقد غلط على الشاعر، لأن هذه القصيدة مشهورة وهي مخفوضة كلها، وهذا البيت أولها وبعده...([11]).

فعلماء الرواية ردوا على سيبويه روايته، لأنها لا توافق القاعدة النحوية المعروفة والمقررة التي تنص على وجوب عطف الاسم على مثله، ووجوب تبعية المعطوف عليه للمعطوف في الإعراب، بل إن هؤلاء العلماء اغتنموا فرصة الرد على سيبويه للطعن على النحاة الذين يتصرفون أحياناً في رواية الشعر، ليأتي موافقاً لما أرادوه، وهو ما كان سبباً في تغيير النصوص من حالتها الأصلية إلى حالة أخرى جديدة.

على أن هذا البيت قد أثار جدلاً بين العلماء فإلى جانب العسكري والمبرد تساءل عنه ابن الأنباري وأجابه الزمخشري محاولاً الفصل في القضية بأن هذا البيت روي مع أبيات منصوبة ومع أبيات مجرورة، فمن رواه بالجر روى معه أبياتاً مجرورة، فمن رواه بالجر روى معه أبياتاً مجرورة مثله، ذكرها البغدادي في خزانته ومن رواه بالنصب روى معه:

أديروها بني حرب عليكم

 

ولا ترموا بها الغرض البعيدا([12])

وحسب عبد القادر البغدادي أيضاً فإن أبا جعفر النحاس اعتمد على هذا المقياس اللغوي فلم يجز رواية بيت هو من شواهد سيبويه في الكتاب وهو قول الشاعر:

ثلاث كلهن قتلت عمدا

 

فأخزى الله رابعة تهود

إذ علق أبو جعفر النحاس على ذلك بقوله: "ولا ينشد ثلاثاً بنصبه بقتلت، لأن قوله: (كلهن قتلت) نعت، وإنما لم يجز أن يروى ثلاثاً لئلا يتقدم النعت على المنعوت"([13]).

فما دامت القاعدة النحوية لا تجيز تقديم النعت على المنعوت، فإنه لا يجوز نصب "ثلاث"، على أنها مفعول به للفعل قتلت، باعتبار أنها منعوت، والجملة كلهن قتلت التي تقدمتها رتبة نعت لها، والنعت لا يسبق المنعوت عند النحاة، وبالتالي فإن رواية البيت على ذاك الأساس، أي على أساس نصب ثلاث مردودة بحكم القاعدة النحوية.

كما اتخذ البكري من سلامة القاعدة اللغوية مقياساً علمياً رفض بموجبه إنشاد أبي علي القالي لقول الشاعر:

إذا انبطحت جافت عن الأرض بطنها

 

وخوأها راب كهامة جنبل

حيث علق على هذه الرواية بقوله: "هكذا أنشده أبو علي رحمه الله (وخوأها)، وإنما هو (وخوى بها)، لأن خوى لا أصل له في الهمزة وهو مع ذلك لا يتعدى إلا بالباء، يقال: خوى البعير تخوية إذا برك ثم مكن لثفناته في الأرض، ولا يقال: خوّيته أنا، ويقال: خوّى به، كما تقول: ذهب، وذهب لا يتعدى"([14]).

ومن الأمثلة على استخدام النقاد مقياس النحو في تقويم رواية النصوص ما يتضمنه هذا الخبر الذي يصور نقاشاً علمياً بين المازني والتوزي في مجلس الخليفة الواثق "وذلك أن جارية غنت بحضرته:

أظلوم إن مصابكم رجلا

 

أهدى السلام تحية ظلم

فرد التوزي عليها: نصب رجلاً ظانا أنه خبر إن، فقالت: لا أقبل هذا ولا غيره، وقد قرأته كذا على أعلم الناس بالبصرة أبي عثمان المازني، فأحضر (المازني) من سر من رأى. قال: فلما دخلت على الخليفة قال لي: فمن الرجل؟.... فسألني عن البيت، فقلت: صوابه رجلا، فقال: ولم؟ فقلت: إن مصابكم مصدر بمعنى إصابتكم، فأخذ التوزي في معارضتي، فقلت هو بمنزلة قولك: إن ضربك زيداً ظلم، فالرجل مفعول مصابكم، وظلم الخبر، والدليل عليه أن الكلام معلق إلى أن تقول ظلم، فيتم. فقال التوزي: حسبي، وفهم، واستحسنه الواثق"([15]).

فقد وظف المازني ـ مثلما رأينا ـ معرفته بقواعد النحو والصرف لإثبات صحة وجهة نظره في رواية البيت حتى حسم الأمر لصالحه، فاقتنع به خصمه واستحسنه الخليفة، ولا شك أن حجته تلك كانت قوية إذ ليس من السهولة بمكان أن يتنازل خصمه عن رأيه بحضرة الخليفة، ويعدل عن طريقته في رواية البيت.

وقد تعمدنا نقل هذا الخبر بكامله ـ على طوله ـ لأنه يحمل أكثر من دلالة فيما يتعلق بتوثيق النصوص الشعرية عند النقاد القدماء، فهو بالإضافة إلى دلالته على احتكامهم إلى مقياس النحو في تقويم النصوص وتصحيحها، فإنه يشير إلى الاهتمام بالبالغ الذي كان يولي لهذه العملية حتى من قبل الخلفاء، وما طلب الواثق للمازني ليحضر من مدينة (سر من رأى) إلى عاصمة الخلافة بغداد من أجل توضيح الحقيقة في بيت من الشعر إلا برهان ساطع على هذا الاهتمام، كما أن الخبر فضلاً عن ذلك يلمح إلى دور المجالس الخاصة ومجالس الأنس في تصحيح رواية الشعر، تلك العملية التي أسهم فيها الجميع بمن فيهم الجواري والمغنون.

وفي تتبع العسكري لأخطاء النحويين، خطأ سيبويه في روايته بيتاً للهذلي احتج به في ترك الشاعر صرف (معاري) وهو:

يبيت على معاري فاخرات

 

بهن ملوب كدم العباط.

وقد علق العسكري على البيت بقوله: "وليس في هذا البيت دليل على ما قاله لأنه لو قال: يبيت على معار فاخرات، كان الشعر موزوناً والإعراب صحيحاً"([16]).

ومعنى ذلك أن العسكري يشك في صحة الرواية التي أتى بها سيبويه، لأنها مخالفة للقاعدة النحوية والقاعدة الصرفية، إذ إن قصر المنقوص لا يؤثر في سلامة الإعراب ولا في صحة الوزن شيئاً، وفي هذا التمحل ما يوحي برواية النحويين بعض الشواهد بما يوافق ما يريدونه.

3 ـ الأسلوب:

وإلى جانب هذين المقياسين العلميين، اتخذ النقاد مقياساً ثالثاً في الاستيثاق من النصوص، وإعادتها إلى أصولها الصحيحة، وهو مقياس الأسلوب الذي لا يمكن أن يعتمد عليه سوى النقاد الذين تمرسوا بأساليب الشعر وطرقه، ومن ذلك الخبر الذي أورده الآمدي في الموازنة، يقول "الآمدي: "ونحو هذا ما أنشده المبرد لأعرابي، وليس هو عندي من كلام الأعراب، وهو بكلام المولدين أشبه:

وأدنو فتقصيني، وأبعد طالبا

 

رضاها فتعتد التباعد من ذنبي

وشكواي تؤذيها، وصبري يسرها

 

وتجزع من بعدي وتنفر من قربي([17])

هكذا أبدى الآمدي شكه في صحة نسبة الشعر إلى أعرابي، ورأى بأنه أشبه ما يكون بكلام المولدين المحدثين في أسلوبه وعباراته، وربما في معناه، ولعله وجد في البيتين رقة وعذوبة وليناً يبعد أن يكون من كلام الأعراب الذي يتسم بالخشونة والغلظة.

ويعد الآمدي أحد النقاد المتمرسين بالأساليب الشعرية، وخاصة شعر البحتري وشعر أبي تمام، فراح يمحصهما قبل الموازنة بينهما في مؤلف خاص معتمداً طائفة من المقاييس منها مقياس الأسلوب، ومن أمثلة ذلك قوله: "ووجدت في ديوان أبي تمام في الخضاب، وهو يشبه كلامه، وأظنه منحولاً:

فإن يكن المشيب طرا علينا

 

وأودى بالبشاشة والشباب

فإني لست أدفعه بشيء

 

يكون عليه أثقل من خضاب

أراد بأن ذاك وذا عذاب

 

فينتقم العذاب من العذاب([18])

فهو يشك في صحة نسبة هذه الأبيات إلى أبي تمام، ولكنه لم يستطع الجزم بأنها منحولة، لأنها تشبه شعره، وهو وإن لم يذكر وجه الشبه بينهما وبين بقية شعر أبي تمام، فإننا نقدّر أنه يراعي اللغة الشعرية والأسلوب الشعري في هذا التقدير.

ويقدم ابن السيد البطليوسي نموذجاً تطبيقياً في هذا المقياس القائم على علاقة الشعر بأسلوب الشاعر في بيت تعددت الآراء في نسبته، وهو:

يا جل ما بعدت عليك بلادنا

 

وطلابنا فابرق بأرضك وارعد

فقال: "هذا البيت يروى لابن أحمر، ويروى للمتلمس، ومعناه في أحد الشعرين مخالف لمعناه في الشعر الآخر"([19])، ثم طابق بين البيت والشعر السابق واللاحق لـه في شعر كلا الرجلين، وأصدر حكمه فقال: "والأشبه بهذا البيت أن يكون للمتلمس، لأنه يليق بما قبله وما بعده من الشعر، وأما شعر بن أحمر فلا مدخل له فيه"([20]).

فقد أدرك ابن السيد البطليوسي بحسه النقدي أن الطريقة التعبيرية في هذا البيت غريبة عن أسلوب ابن أحمر، واستطاع بذلك أن يفصل في مسألة اشتراك النسبة في هذا البيت.

وكان أبو العلاء المعري من الذين أولوا هذه الناحية عناية بالغة في الحوارات التي أجراها على لسان ابن القارح مع مختلف الشعراء في رسالة الغفران، يجسدها قوله: "وهو بكلامك أشبه"([21]) وذلك في نسبته لبيت اختلف فيه بين عدي بن زيد وطرفة، وفي دفعه لقصيدة تنسب إلى نابغة بني جعدة بقوله: "ما جعلت الشين قط رويا، وفي هذا الشعر ألفاظ لم أسمع بها قط…"([22])، وكذلك في رفضه لبعض القصائد التي تنسب إلى امرئ القيس والنابغة([23]).

والخلاصة أن العلماء العرب القدماء شكوا في نسبة بعض القصائد لأصحابها وبنوا شكهم على ما فيها من مغايرة لطرائقهم التعبيرية، وأساليبهم الفنية، وهي طريقة نقدية موضوعية في توثيق النصوص الأدبية، تدل على وعي في ربط النص بصاحبه على أساس من النمط العام في تعبيره.

4 ـ السياق المعنوي:

ونعني به وضع النص ضمن سياقه العام ثم اختباره، ومن أمثلة ذلك ما يرويه ابن قتيبة إذ يقول: "قال لي شيخ من أصحاب اللغة اجتمعت الرواة على خطأ في بيت لبيد وهو يقول:

من كل محفوف يظلّ عصيّه

 

زوج عليه كلة وقرامها

وقال: المحفوف الهودج، والزوج النمط، فكيف يظل النمط وهو أسفل العصي وهي فوق، وإنما كان ينبغي أن يرووه من كل محفوف يظل عصيّه زوجا ثم يرجع إلى المحفوف فيقول عليه كلة وقرامها"([24])، فمعنى البيت ـ حسب الرجل ـ لا يستقيم، إذ يستحيل أن يظل النمط العصي وهو في الأسفل، والعصي في الأعلى، وإن كان ابن قتيبة لم يطمئن إلى هذا الشيخ الذي نسبه إلى أصحاب اللغة وعلق قائلاً: "ولا أرى هذا إلا غلطا منه، ولم تكن الرواة لتجتمع على هذه الرواية إلا بأخذ عن العرب"([25]).

ومن هذا المنطلق أيضاً رد علي بن حمزة رواية المبرد لبيت الفرزدق في رثاء ابني مسمع:

ولو قتلا من جذم بكر بن وائل

 

لكان على الناعي شديدا بكاهما

والرواية الصحيحة حسب علي بن حمزة: "من غير بكر، ولا يجوز ما روى لأنه نفي لهما عن سبهما وجعله إياهما وشيظا (أتباعاً وأحلافاً)"([26]).

وهكذا كان نقد علي بن حمزة رواية المبرد مبنياً على أساس مدى استقامة المعنى الذي يفترض أن يكون ملائماً لغرض الشاعر، والسياق يحيل أن تكون الرواية كما أوردها المبرد، لأن ذلك بعيد عن المنطق الذي انطلق منه الفرزدق.

ومن الأمثلة على اتخاذ النقاد السياق المعنوي مقياساً لفحص النصوص بغية إثبات صحتها أو رفضها، ما يرويه العسكري من أن أبا عبيدة روى لامرئ القيس "مكر ممر"، فقال السكري: إنما الرواية "مفر"، فقال: أيصفه بالفرار؟ قال السكري: آخر البيت يدل على أوله، ألا تراه قال: "مقبل مدبر معاً"؟([27]) أي أنه بالنظر إلى آخر البيت نرى أن السياق يحتم أن تكون بدايته "مكر مفر"، ولا وجه لرواية أبي عبيدة.



* جامعة الجزائر.

([2]) رسالة الغفران لأبي العلاء المعري ص 143، 144. والمعروف عند العروضيين أن الطويل يأتي على ثلاثة أضرب: ضرب تام وضرب مقبوض وضرب مقطوع، ينظر، علم العروض والقافية للدكتور عيد العزيز عتيق، ص 29، 30.

([3])  سمط اللآلئ في شرح أمالي القالي لأبي عبيد البكري، 1: 327.

([4])  نفسه، 2 = 561.

([5])  سمط اللآلئ لأبي عبيد البكري، 1: 470.

([6])  التنبيه على أوهام أبي علي في أماليه لأبي عبيد البكري، ص 90.

([7])  نفسه، ص 37.

([8])  نفسه، ص 31.

([9])  قراضة الذهب لابن رشيق القيرواني، ص 16، 17.

([10])  شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف لأبي أحمد العسكري ص 149.

([11])  خزانة الأدب لعبد القادر البغدادي، 2: 260.

([12])  نفسه، 2: 262.

([13])  نفسه، 1: 367.

([14])  التنبيه على أوهام أبي علي في أماليه للبكري، ص: 89.

([15])  بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة للسيوطي، 1: 464، 465.

([16])  شرح ما يقع فيه التصحيف للعسكري، ص 209.

([17])  الموازنة للآمدي، 1: 135.

([18])  نفسه: 2: 218.

([19])  الاقتضاب في شرح الكتاب للبطليوسي، ص: 327.

([20])  نفسه، ص: 381.

([21])  رسالة الغفران لأبي العلاء المعري، ص: 327.

([22])  نفسه، ص: 201.

([23])  نفسه، ص: 199، 410.

([24])  الشعر والشعراء لابن قتيبة، ص: 176.

([25])  نفسه، ص: 176.

([26])  التنبيهات على أغاليط الرواة لعلي بن حمزة، ص 112.

([27])  شرح ما يقع فيه التصحيف للعسكري، ص 83.

 

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244