|
||||||
| Updated: Monday, December 05, 2005 12:26 PM | ||||||
| فهرس العدد |
|
من سمات الأداء فـي ثقافة العرب الأولين (الإيقاع) ـــ د.بلقاسم بلعرج بن أحمد(*) لقد ثبت علمياً أن حاسة السمع لدى الإنسان أهم الحواس الخمس في عمليتي الإدراك والتواصل لا مع غيره فحسب وإنما مع الكون كله الذي يمتلئ بآلاف الأصوات ليلاً ونهاراً، وأنها الحاسة التي لا تتوقف عن العمل حتى في حالة نوم الإنسان([2]). ومن ثم إنها ليست آلة لإدراك المحسوسات من الأصوات فقط وإنما لإدراك المعقولات من المعاني أيضاً؛ فقد نابت عن العقل في بعض الأحيان في قبول الأشياء ورفضها، نحو قوله تعالى:)قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم(([3]). وقوله تعالى: ) من إله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون(([4]). تعني كلمة السمع في هاتين الآيتين فهم الكلام وعقله ثم ما ينتج عنه من تصرف ورد فعل بعد ذلك. ومنه يتبين أن السمع ما وقر في الأذن مما يسمعه الإنسان، وما وقر في العقل مما يفهمه كذلك، فصار بذلك الوسيلة الرئيسة لتلقي العلم واكتساب اللغة، ولا يخفى أن اللغة العربية جمعت سماعاً من الأعراب من قبل الرواة واللغويين، ولعله لأجل ذلك عده ـ أي السمع ـ ابن خلدون أبا الملكات اللسانية([5]). إننا بالسمع ندرك الدور المهم والمؤثر للصوت في حياتها؛ به نعيش وعليه نعيش. ولا أدل على ذلك من المعلمين والمقرئين والمذيعين والممثلين والمطربين والباعة الجوالين ومن في منزلتهم([6]).. لقد توصل الدارسون إلى أن عملية التواصل التي تعتمد على الكلام تستهلك حوالي 70% من وقت الإنسان الذي يقتضيه متكلماً ومستمعاً([7]). وأن هذه العملية لا تقتصر على ما نقول فقط وإنما كيف نقول أيضاً([8]). وهو ما يعني أن كيفية الأداء الصوتي الكلامي تسهم إلى حد كبير في تحديد مفهوم الرسالة اللغوية([9])، لأن الأذن تنفعل بكل ما تسمع وتتفاعل معه إن إيجاباً أم سلباً، من ذلك مثلاً قول الذلفاء([10])عندما سمعت صوت سنان([11]).
وآكد دليل على هذا ما دعا إليه القرآن في كيفية محاورة الآخرين أو دعوتهم أو مجادلتهم، قال تعالى: )اذهبا إلى فرعون إنه طغا فقولا له قولاً لينا لعله يتذكر أو يخشى(([13]). وقال تعالى على لسان موسى عليه السلام: )وأخي هارون هو أفصح مني لساناً فأرسله معي رِدْءاً يصدقني فأخاف أن يكذبون(([14]). وقال تعالى: )وجادلهم بالتي هي أحسن(([15]) وقال: )وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن(([16]) وقال: )ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن(([17]). من كل هذه الأمثلة يتبين جلياً أنه إذا كانت اللغة في جوهرها وسيلة من وسائل التواصل المختلفة ـ وهي أهمها على الإطلاق ـ فإن حسن الصوت وحسن الأداء ما بين النفس والكلمة وما بين الإنسان والحياة([18]). وقد كان المجتمع العربي منذ العصر الجاهلي يتواصل بلغة عربية تجمع بين الشعر والنثر اللذين يمثلان الكلام الذي لا يخرج عن أن يكون تركيباً معيناً لنماذج من الأوزان الموسيقية بينها توافق في الجرس والنغمة والانسجام أي أنه يتركب من وحدات تتشابه وتختلف، وتتكرر وتتناظر، ويتألف من مجموعها ما يمكن تسميته قطعة موسيقية([19]). يقول الجاحظ: "... اعلم لو أنك اعترضت أحاديث الناس وخطبهم ورسائلهم لوجدت فيها مستفعلن مستفعلن كثيراً، ومستفعلن مفاعلن وليس أحد في الأرض يجعل ذلك المقدار شعراً، ولو أن رجلاً من الباعة صاح: من يشتري باذنجان؟ لقد كان تكلم بكلام في وزن مستفعلن مفعولات وكيف يكون هذا شعراً وصاحبه لم يقصد إلى الشعر، ومثل هذا المقدار من الوزن قد يتهيأ في جميع الكلام"([20]). وهو ما يستشف منه أن العرب الأولين كانوا يحفلون كثيراً بالعنصر الموسيقي، ولم يكن ذلك عندهم من قبيل الترف ولإهدار الطاقات وإنما عدوه وسيلة فعالة من وسائل الاتصال والتبليغ، إذ به يؤثر في المتلقي فينفعل وتتحرك مكنوناته فينصاع لذلك العمل الفني وينجذب إليه. وذكر الموسيقى والوزن يقودنا إلى الحديث عن الإيقاع موضع دراستنا. تعريف الإيقاع: يذهب أبو حيان التوحيدي إلى أنه "فعل يكيل زمان الصوت بفواصل متناسبة متشابهة متعادلة"([21]). أو أنه "... تواتر الحركة النغمية وتكرار الوقوع المطرد للنبرة في الإلقاء وتدفق الكلام المنظوم والمنثور عن طريق تآلف مختصر العناصر الموسيقية"([22]). أو "هو التوازن الناشئ عن تقارب الشبه بين المسافات الفاصلة بين كل نبر ونبر، وهذا التوازن هو مصدر رشاقة الأسلوب وسبب قوي من أسباب ارتياح النفس له"([23]) . وتجدر الإشارة إلى أن الباحثين أدركوا وثوق الصلة بين الإيقاع الموسيقي وبين النظام الذي تسير عليه حركة الجسم والطبيعة([24]). فهو من هذه الناحية سمة من سمات الحياة بل هو الحياة نفسها ـ كما يقولون ـ يدركه الإنسان في مهده عندما تأخذه أمه لينام أو ترقصه ليكف عن البكاء، وقد أثبتت التجارب الطبية أن ضربات قلب الأم تمثل أول الإيقاعات التي يسمعها الطفل في بطن أمه، وبعد ولادته على صدرها، ونجد إحساسه بالأنماط الإيقاعية الأخرى تنمو معه تدريجياً قبل ولادته([25]). وكما يشعر الإنسان بالإيقاع وهو جنين يدركه وهو طفل نائم على صدر أمه أو يرضع ثديها، وهو كذلك كبير وفي كل زمان ومكان، إذ كل شيء في الوجود يتحرك سواء أكان ذلك حول نفسه أم حول غيره، مستقلاً أم تابعاً، ولننظر إلى الأجرام السماوية وإلى الطبيعة من حولنا وإلى أعضاء أجسامنا وإلى طريقة التنفس ودوران الدم فيها وما إلى ذلك نجد كلاً يتحرك وفق إيقاع معين([26]). ومن ثم لا عجب أن يلحظه كل إنسان في فنونه التعبيرية شعراً كانت أم نثراً، ومنه كلام العرب الذي إذا استمعنا إليه متصلاً أحسسنا بتشابه كميات المسافات بين نبر وآخر، أو بتقاربها، وهو ما يمنح الأذن إحساساً بالإيقاع([27]). ذلك أن العرب أمة شعر بالدرجة الأولى ـ فهو ديوانهم ـ وأن الموسيقى والإيقاع من مقوماته الأساسية وخاصتان تمييزيتان له، بهما يؤثر في نفوس المتلقين وبدونهما لا معنى لوجوده([28]). ولذلك يصعب فصلهما عنه وتناوله بصورة مستقلة عنهما. إن للإيقاع لذة ولذته لا تظهر في السمع والفم بقدر ما تظهر في إحساس المتلقي بتحقيق التلاؤم والتطابق بين الأنغام والكلمات والمعاني التي تنفذ ـ من دون شك ـ إلى قلبه وتهز أعماقه([29]). يقول أدونيس: "الإيقاع في اللغة الشعرية لا ينمو في المظاهر الخارجية للنغم: القافية، الجناس، تزاوج الحروف وتنافرها، هذه كلها مظاهر أو حالات خاصة من مبادئ الإيقاع وأصوله العامة. إن الإيقاع يتجاوز هذه المظاهر إلى الأسرار التي تصل بين النفس والكلمة، بين الإنسان والحياة"([30]). وورد عن بيرتون (Burton) قوله: "إن الإيقاع يساعد في إنتاج الانفعال القوي والتأثير المتزايد، والمتانة والمهابة، وخفة السمع، والسرعة والاسترخاء أو أي تأثير آخر يقصد إليه الشاعر"([31]). نستنتج مما ذكر أن الإيقاع مثير للاستجابة للصوت والصورة والانفعال والفكرة، وهو من هذه الناحية ليس مجرد حقيقة سيكولوجية فحسب وإنما هو عنصر إبداعي كبقية العناصر الإبداعية الأخرى. وينطوي على بعد نفسي إبلاغي مؤثر سهل المرور إلى الجانب الآخر حيث المتلقي([32]). إنه موجود عند الشاعر والموسيقى والراقص ويقوم على مبدأ النظام والتناسب([33]). كما أنه في حقيقة أمره ليس مادة وإنما هو إحساس تجسده المادة التي يرتبط بها فيتخذ شكلاً مادياً، وهو في الشعر والنثر متمثل في الحركات اللفظية وفي الموسيقى مجسد في الحركات الصوتية، وفي الرقص متجلّ في الحركات البدنية، إن من هذه النواحي كلها بمثابة الظرف أو الوعاء أو القالب للحركة اللفظية والصوتية والبدنية، فيظهر بذلك للحس، ويشعر الإنسان معه باللذة والجمال، وأي خلل يصيبه يترتب عليه فساده ويحل محله ما يمكن تسميته بالاضطراب([34]). كما أن أي تغير فيه أو تنوع يترتب عليه تغير العاطفة والفكرة بل والصورة والإحساس كذلك([35]). وانطلاقاً مما توصل إليه العلماء من أن للحياة الاجتماعية والبيئة الطبيعية تأثيراً على لغة الإنسان، يظهر في ألفاظه وكلماته وأساليبه، يقتضي منطقياً أن تغير إيقاع الحياة ومقتضيات التعبير تفرض على الشاعر أو المتكلم التأقلم معها صوتاً وأسلوباً ومعنى. والمطلع على تراث العرب الأولين يجد أغلب مظاهر عقليتهم محصوراً في أدبهم أي في اللغة والشعر والأمثال والقصص([36])، وهي نتيجة منطقية لحياتهم الاجتماعية وصورة صادقة لبيئتهم الطبيعية([37]). وهي ـ كما يبدو ـ مظاهر، للإيقاع فيها حضور قوي، فهم يعتمدون على المنطوق أكثر من المكتوب نظراً لطابع الأمية المتفشي فيهم من ناحية وبساطة وسائل الكتابة والتدوين وندرتها من ناحية ثانية، ولذا نقرأ عنهم تميزهم بآذان موسيقية وإحساس مرهف جعلهم بفطرتهم يحسون بموسيقية الكلام أياً كان نوعه، ويفتتنون "في طرق ترديد الأصوات في الكلام حتى يكون له نغم وموسيقى، وحتى يسترعي الآذان بألفاظه، كما يسترعي القلوب والعقول بمعانيه، مما يدل على مهارتهم في نسج الكلمات وبراعتهم في ترتيبها وتنسيقها، والهدف من هذا هو العناية بحسن الجرس ووقع الألفاظ في الأسماع، بحيث يصبح البيت الشعري أو الجملة من الكلام أشبه بفاصلة موسيقية متعددة النغم مختلفة الألوان يستمتع بها من له دراية بهذا الفن، ويرى فيها دليلاً على المهارة والقدرة الفنية"([38]) ولذلك نجدهم كثيراً ما يتبارون ويتفاخرون في قول الكلام المؤثر في السامع ويمدحون شدة العارضة([39])، وقوة المُنة([40]) وظهور الحجة وثبات الجنان والتفوق على الخصم ويهجون بخلاف ذلك([41]). وأورد الجاحظ أمثلة شعرية كثيرة يستدل بها في هذا المجال من ذلك قول أحدهم:
وهو ما يوحي بأن العرب كانت تنتقي أصوات الألفاظ وتحسن سبكها والتأليف بينها وكذلك التراكيب، مراعية التنسيق الصوتي فيها والانسجام وذلك أفاد منه اللغويون والنحاة كثيراً فهذا الخليل بن أحمد الفراهيدي يضبط ألفاظ اللغة ـ أسماء كانت أم أفعالاً ـ في قوالب صرفية ذات إيقاع موسيقي مضبوط ودقيق لا يحيد عنه متكلم اللغة، فما دل مثلاً على الفاعلية من الثلاثي المجرد يكون دائماً على وزن (فاعل) وما دل على المفعولية من (استفعل) يكون على وزن (مستفعل)، وما دل على جمع العاقل من (افتعل) هو على وزن (مفتعلون)([45]). ولعل هذا كان من الأسباب التي اهتدى بها إلى ضبط أبيات الشعر بالأوزان متخذاً الأساس الصوتي بناء. ولا عجب في ذلك فاللغة العربية لغة إيقاعية تقوم على مبدأ المقاطع التي نلمح من خلالها تناسباً بين الصوامت والصوائت، سواء على مستوى الألفاظ أو على مستوى التراكيب في المنظوم والمنثور. وقد بلغ أثر العامل الموسيقي فيها أوجه في طورها الجاهلي وفي طورها الإسلامي([46]) الذي لم تخل قراءة القرآن الكريم من الطابع الإيقاعي والنغمي فيه، فقد ورد أن هناك أقواماً ابتدعوا أصوات الغناء المصحوبة بالتطريب عند قراءتهم للقرآن، من ذلك أنهم وضعوا بعض المدود في غير مواضعها، وزادوها في أماكن لا يجيزها الأئمة، ومن أمثلة ذلك تغنيهم بقوله تعالى: )أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر(([47]) نقلاً عن تغنيهم بقول الشاعر: (بسيط)
كما أن العروضيين استعانوا بالطابع الإيقاعي للآيات القرآنية في تعليم بحور الشعر لطلبتهم نحو البحر الطويل:
والبحر المديد:
والبحر السريع:
وامتد هذا الأثر إلى العصر الحديث وصار سمة أسلوبية في نثر بعض الأدباء الكبار على غرار ما نجده عند طه حسين من ترديد للألفاظ وتكرار للعبارات تتوازى فيها الكميات الإيقاعية، وكان يستحسن ذلك ويتلذذ به([52]). أنواع الإيقاع: للإيقاع عند العرب نوعان: إيقاع داخلي وإيقاع خارجي. ـ فالداخلي يعرف بجرس اللفظ المفرد أو ما يطلق عليه البلاغيون بـ (فصاحة المفرد) وله وقع كبير على النفس لما له من ارتباط قوي بالدلالة والإيحاء. ـ أما الخارجي فيقصد به الموسيقى الناتجة عن ارتباط الألفاظ وتآلفها وتناسقها. ومن هذين الإيقاعين يتولد الإيقاع العام للنص الإبداعي شعراً كان أم نثراً([53]). 1 ـ الإيقاع الداخلي للكلمة: لم يعن الشعراء بإيقاع القافية والوزن في قصائدهم فقط بل عنوا كذلك بالإيقاع الداخلي في صياغتهم، فجاءت ألفاظهم منسجمة ومتناسقة يأخذ بعضها برقاب بعض، ولم يكن ذلك سهلاً عليهم مثلما قد يتصوره بعض الناس، وإنما كان يستهلك من أعمارهم أياماً وشهوراً، وكان منهم من لا يخرج قصيدته للناس حتى يحول عليها الحول وهو يجتهد في تصحيحها وتنقيحها وتهذيبها كزهير والحطيئة مثلاً([54]). وإذا أنعمنا النظر في مفردات اللغة العربية وجدنا فيها أكثر من عنصر واحد يجعل من الإيقاع الداخلي للكلمة أكثر تأثيراً في النفس من ذلك: 1 ـ الصوت وأثره الموسيقي: لا يخلو حرف من أحرف الكلمة من صوت وموسيقى خاصة به وهو بهذه الخاصية يأتلف مع أصوات ويختلف مع أخرى، وهو أمر يحتم على المتكلم اختيار المؤتلف ورصفه جنباً إلى جنب سعياً للحصول على لفظ مستساغ يقع من النفس موقعاً حسناً([55]). وقد كان للخليل بن أحمد فضل السبق في هذا المجال، إنه اللغوي النحوي العروضي الذواقة، عرض حروف العربية حرفاً حرفاً وأبينة كلماتها بناءً مشيراً إلى الشروط والأسباب والمعايير التي بها تعرف الكلمة العربية من غيرها، من ذلك أنه ذهب إلى أن لكل حرف من حروف الهجاء طبيعة نغمية خاصة، بفضلها يحسن بناء لفظة أو يقبح بصرف النظر عن مخرج صوته، فالعين والقاف على سبيل المثال "لا تدخلان في بناء إلا حسنتاه لأنهما أطلق الحروف وأضخمها جرساً فإذا اجتمعا أو أحدهما في بناء حسن البناء لنصاعتهما"([56]). فربط بين الطبيعة النغمية للصوت وبين وقع جرس اللفظة على السمع والنفس معاً. ويبدو أنه أثر تأثيراً واضحاً فيمن جاء بعده من البلاغيين، فقد تطرقوا إلى هذا بكيفية مماثلة أو تكاد كحازم القرطاجي([57]) وابن الأثير([58]) على سبيل المثال. فلو أخذنا مثلاً كلمة (ملع) وجدناها غير منسجمة الأحرف بهذا الترتيب وينبو عنها الذوق السليم في حين إذا عكسنا أحرفها صارت (علم) وهي كما يبدو منسجمة حسنة لا مزيد على حسنها([59]). وما قيل عن الحروف يقال عن الحركات المرافقة لأحرف المد (الألف والياء والواو) وهي الفتحة والكسرة والضمة، إنها أبعاضها كما يقول ابن جني([60]). ومن الطبيعي أن يكون لكل منها جرسها الخاص وموسيقاها التي تزيد في تحسين جرس اللفظ أو تقبيحه مثلما ذهب إلى ذلك بعض المعاصرين ممن تناولوا هذا الموضوع بالدرس([61]). ولعلهم تأثروا في ذلك بالبلاغيين والنقاد القدامى الذي وازنوا بين الحركات ثقلاً وخفة ـ على غرار فعلهم مع الحروف ـ فما كان خفيفاً على السمع كالفتحة والكسرة حسن لفظه وما كان خف ذلك كالضمة قبح لفظه([62]). وما تجدر الإشارة إليه أنهم لم يتناولوا في هذا الموضوع أجراس الحروف والحركات وتأثيرها الموسيقي بمعزل عن مخارجها لما لهذه الأخيرة من دور في ثقل الحرف وخفته، فقد تناول الخليل بن احمد ذلك بدقة في حين تطرق إلى الحروف العربية، حيث صرح بأن بعضها أسهل على اللسان والنطق من بعض، وذكر حروف الذلاقة والحروف الشفوية بأنها سهلة النطق ولهذا كثرت في أبنية الكلام العربي، بل بها تعرف الكلمة العربية من غيرها([63]). وقد أكد هذا، الدرس الصوتي الحديث حين أشار علماء الأصوات إلى أن الإنسان عند النطق بالحرف يحتاج إلى مجهود عضلي تشترك فيه مجموعة من العضلات والأوتار والأعصاب، وهو ليس واحداً، وإنما يختلف من صوت إلى آخر، فما يخرج من الحلق يتطلب جهداً أكبر مما يخرج من الفم أو الشفتين. ولما كانت النفس البشرية تميل بطبعها إلى الاقتصاد في المجهود للوصول إلى غرضها، فإنه متى تحقق لها ذلك شعرت باللذة، والعكس بخلافه، فهي تنفر من بعض الحروف لثقلها في النطق وتحميل المتكلم بعض المشقة. إننا لو أخذنا الهمزة مثلاً وجدناها "من أشق الحروف وأوعرها حين النطق، لأن مخرجها فتحة المزمار، ويحس المرء حين ينطق بها كأنه يختنق، ومثل الهمزة في المجهود العضلي، القاف وكذلك أحرف الإطباق وهي: الضاد والصاد والطاء والظاء، فكل هذه تتطلب للنطق وضعاً للسان يحمل المتكلم بعض المشقة"([64]). وفي هذا السياق ورد قول الجاحظ: "... وإذا كانت الكلمة ليس موقعها إلى جنب أختها مرضياً موافقاً، كان على اللسان عند إنشاء ذلك الشعر مؤونة (...) وأجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء سهل المخارج فتعلم بذلك أنه قد أفرغ إفراغاً واحداً وسبك سبكاً واحداً فهو يجري على اللسان كما يجري الدهان"([65]). واستدل على هذا بأمثلة كثيرة يطول ذكرها في هذا المقام([66])... وعلى هذا ذم البلاغيون والنقاد الشعر الذي يتضمن ألفاظاً غير محببة للنفس لغرابتها أو لوحشيتها أو لثقلها، من ذلك أنهم عابوا على المتنبي استعماله مفردات ينبو عنها السمع ولا يستسيغها نحو قوله في مدح سيف الدولة الحمداني (متقارب):
فكلمة (الجرش) في البيت من الألفاظ غير المحببة إلى النفس لأن فيها تأليفاً يكرهه السمع، وينفر منه فجاءت وكأنها غربية عن البيت وأقحمت فيه إقحاماً، فثقلت وأثرت سلباً على القيمة الإبلاغية للبيت([68]). ومن ثم شبهوا جري الألفاظ من الأسماع مجرى الصور من الأبصار([69]). وهو ما يوحي بأن العملية الإبلاغية لا تقوم على السمع فقط، من حيث هو مقياس لتذوق نغم الألفاظ وإيقاعها، وكشف البعد الجمالي والإبلاغي فيها وإنما تقوم على مشاركته بقية الحواس على اعتبار أنها أساس الذوق الفني، فكل حاسة تتقبل ما كان موافقاً لما طبعت له. ولذلك لم يجانبوا الصواب عندما قرروا أن "النفس تقبل اللطيف وتنفر عما يضاده ويخالفه، والعين تألف الحس وتقذي القبيح، والأنف يرتاح للطيب وينفر للمنتن والفم يلتذ بالحلو ويمج المر، والسمع يتشوق للصواب الرائع وينزوي عن الهر الهائل، واليد تنعم باللين وتتأذى بالخشن"([70]). ([12]) ينظر العقد الفريد لابن عبد ربه، شرح وضبط أحمد أمين وآخرين دار الكتاب العربي بيروت 1982، 6/66 ـ 69. ([18]) ينظر الإيقاع الداخلي في القصيدة العربية المعاصرة لخالد سليمان، مجلة الآداب جامعة قسطنينة (الجزائر) العدد 4، 1997، ص 258. ([19]) ينظر فقه اللغة وخصائص العربية لمحمد المبارك، دار الفكر بيروت ط 1981، 7 ص 282، وينظر اللغة الشاعرة لعباس محمود العقاد، مكتبة الأنجلو الصمري، 1960، ص 7،8. ([21]) المقابسات، تحقيق حسن السندوبي، المطبعة الرحمانية بمصر ط1، 1929 ص 310 وينظر المنزع البديع في تجنيس أساليب البديع لأبي القاسم محمد القاسم السلجماني تقديم وتحقيق علال الغازي، مكتبة المعارف، الرباط (المغرب) ص 407. ([28]) ينظر على سبيل المثال: عيار الشعر لابن طباطبا العلوي تحقيق طه الحاجري، دار سعد زغلول، القاهرة 1956 ص3، وموسيقى الشعر لإبراهيم أنيس، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة ط 5، 1981 ص 17. ([29]) ينظر البلاغية في البلاغة العربية لسمير أبو حمدن، منشورات عويدات الدولية بيروت، باريس ط1، 1991 ص 66، 68 وينظر الشعر العربي المعاصر، قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية لعز الدين إسماعيل دار الكتاب العربي القاهرة 1976 ص 67. ([36]) وهذا لا ينفي معرفتهم بالأنساب والأنواء والسماء وبشيء من الأخبار والطب، وهي لبساطتها لا ترقى إلى تمثيل عقليتهم تمثيلاً حقيقياً خلافاً للشعر والنثر. ([37]) ينظر فجر الإسلام لأحمد أمين، دار الكتاب العربي بيروت ط 10، 1969 ص 46 وما بعدها. والشعر الجاهلي لعبد المنعم خفاجي، دار الكتاب اللبناني، مكتبة المدرسة بيروت 1986 ص 69 وما بعدها. ([43]) لم يرد هذا فيما توفر لدي من معجمات كالعين والجمهرة ولسان العرب ويبدو فيه شذوذاً تصريفياً حيث صحت الواو، وقد ورد في القاموس المحيط (الغياص) بالياء المنقلبة عن واو لأجل الكسرة التي قبلها، والغياص والمغاص كلاهما يعني النزول تحت الماء. ([52]) ينظر نظرية التطعيم الإيقاعي في الفصحى للبشير بن سلامة، الدار التونسية للنشر 1984 ص 45 ـ 53. والدلالة الصوتية ص 150. ([56]) العين، تحقيق مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي، مؤسسة دار الهجرة ط2 إيران 1409، 1/53. وينظر الأسس النفسية لأساليب البلاغة العربية لمجيد عبد الحميد ناجي، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع بيروت ط1، 1984 ص 47. ([57]) ينظر منهاج البلغاء، تحقيق محمد الحبيب بن الخوجة، المطبعة الرسمية للجمهورية التونسية تونس 1966 ص 222. ([58]) ينظر المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، صيدا بيروت 1995، 1*159، 160، 193، 194. |