مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 98 - السنة الخامسة والعشرون - حزيران 2005 - جمادى الأولى 1426
Updated: Monday, December 05, 2005 12:26 PM
فهرس العدد
 

قراءة في كتاب: التفسير الإسلامي للتاريخ ـــ عبد الوهاب محمود المصري(*)

كثيرون هم الذين تطوعوا لتفسير حركة التاريخ، فتعددت التفاسير وتنوعت، وكان من أبرزها: التفسير المثالي لجورج هيغل، والتفسير المادي لماركس، والتفسير الحضاري لأرنولد توينبي.‏

وقد تطوع لبلورة تفسير للتاريخ من منظور إسلامي، أستاذ التاريخ الإسلامي في جامعة الموصل الدكتور عماد الدين خليل، فقدم لنا كتابه "التفسير الإسلامي للتاريخ".(2)‏

يقع الكتاب في /327/ صفحة من القطع العادي، ويتضمن مقدمة وأربعة فصول حملت العناوين التالية: التفاسير الوضعية الأساسية (عرض ونقد)، الواقعة التاريخية، المسألة الحضارية، وسقوط الدول والحضارات.‏

ونحن نقدم، باختصار، فيما يلي: نبذة عن كل من مقدمة الكتاب، وعرض المؤلف لمقولات التفاسير الوضعية وأنواع النقد الموجه إليها. ثمَّ نعرض ما نرى أنه أبرز ملامح التفسير الإسلامي للتاريخ (من منظور المؤلف)، تحت العناوين التالية: السننية في التاريخ، الاستخلاف، التسخير، العبارة هدفاً للنشاط البشري، الإنسان بين الطبيعة والعقيدة، الفعل الإلهي وحرية الإنسان، الصراع، التوازن، وفي سقوط الدول والحضارات. وسنكتفي لأغراض الاختصار، بذكر بعض من الآيات المستشهد بها، وذكر مواقع وأرقام بعض آخر منها، في آخر كل بند من بنود هذا العرض وننهي بكلمة هي بمثابة خلاصة.‏

1ـ في المقدمة‏

يبدأ المؤلف كتابه بالقول: "إن ثمَّة حقيقة أساسية تبرز واضحة في القرآن الكريم تلك هي أن مساحة كبيرة في سوره وآياته قد خصصت للمسألة التاريخية، التي تأخذ أبعاداً واتجاهات مختلفة، وتندرج بين العرض المباشر والسرد القصصي الواقعي لتجارب عدد من الجماعات البشرية، وبين استخلاص يتميز بالتركيز والكثافة للسنين التاريخية التي تحكم حركة الجماعات عبر الزمان والمكان، مروراً بمواقف الإنسان المتغيّرة من الطبيعة والعالم، وبالصيغ الحضارية التي لا حصر لها، والتي تتأرجح بين البساطة والنضج والتركيب".(3)‏

وبعد أن يعرض المؤلف أبرز خصائص التفاسير الوضعية، يقول: "إن التفسير القرآني ليس أبداً مجرد مسلمات بعدية تسعى إلى أن تقولب حوادث التاريخ القبلية في إطارها المتعسف، وإنما هو مذهب ينبثق وفق أسلوب موضوعي (عمَّا حدث فعلاً) لا (عمَّا يجب أن يكون)، وعن طبيعة التصميم التاريخي للبشرية. فهو إذن، تبلور للخطوط الأساسية لحركة التاريخ، يصوغها القرآن الكريم في مبادئ عامة يسميها "سنناً"، ويعتمدها المفسرون الإسلاميون، منطلقاً، لا لتزييف التاريخ، وإنما لتفسيره وفهمه، وإدراك عناصر حركته ومصائر وقائعه ومسالكها المتشعبة. وهو، إذن، تفسير شامل يحيط، يعطي أصدق صورة للسنن التي تسيّر هذا التاريخ. وبما أن هذه السنن من صنعه تعالى، إرادة وعلماً ومصيراً، فإن هذا الموقف القرآني من حركة التاريخ وتفسيره يأخذ صفة الكمال".(4)‏

ويخلص المؤلف إلى القول: "لقد أدركت من خلال تدريسي مادة "منهاج البحث وفلسفة التاريخ" لطلبة كلية الآداب (في جامعة الموصل)، مدى ضرورة عرض التفسير الإسلامي للتاريخ في بحث موسع شامل يستمد رؤيته من كتاب الله مباشرة، ويتجاوز كلية، معطيات الفلاسفة والمفكرين القدماء المحدثين، الذين تأرجح كثير منهم بين تهاويل الخيال القصصي الإسرائيلي. وبين أطروحات الفلسفة اليونانية ذات التصوير الوثني، وبين النزعات العقلية والطبيعية التي سادت القرنين الأخيرين. ولقد قادهم هذا التأرجح والجنوح إلى مواقع ومواقف ما تلبث أن تتفكك ويبدو زيفها واصطناعها الكيفي بمجرد عرضها على المعطيات القرآنية مباشرة".(5)‏

2ـ في التفاسير الوضعية‏

يعرض المؤلف ثلاثة أنواع رئيسية من التفاسير، متبعاً كلاً منها بالنقد الموجه إليه.. التفسير المثالي لصاحبه الفيلسوف جورج هيغل، والتفسير المادي لصاحبه كار ماركس (وفريدريك انغلز)، والتفسير الحضاري لصاحبه المؤرخ أرنولد توينبي.‏

2ـ1ـ حول التفسير المثالي: "إن التطور (حسب هيغل) هو في جوهره نتيجة صراع المتناقضات، على أساس أن كل ظاهرة تحتوي تناقضاً داخلياً يدفعها إلى الأمام، ويؤدي بها آخر الأمر إلى تحطمها وتحولها إلى شيء آخر".(6) و"قد يبدو لذي النظر السطحي أن الناس أحرار في ن يعملوا ما يشاؤون كما يريدون، وأن أعمالهم تنبعث عمَّا يشعرون به من حاجات وعواطف، وعما يتمتعون به من مزايا ومواهب. ولكن هيغل يرى أن هذا تصور شديد الخطأ عانى منه الكثير منذ زمن سحيق، فهذه الأعمال جميعاً تتم بأمر روح العالم. إنهم يعتبرون أنفسهم رجالاً أحراراً يستمدون باعث حياتهم من أنفسهم، ومما يشعرون به شخصياً من أنواع الاهتمام والميول. ولكن الحق (حسب هيغل) هو أنهم جميعاً دمى في يدي "روح العالم".(7)‏

وقد كان من أبرز الجوانب (في طروحات هيغل) التي وجهت إليها سهام النقد، نظريته في الدولة، وقولـه "إن كل ما كان معقولاً فهو حقيقي، وكل ما كان حقيقياً فهو معقول". وقد تساءل أحدهم: "إذا لم تكن حوادث العالم نتيجة لإرادة واعية للأفراد، فكيف تمَّ القيام بها؟ إن هيغل لا يعطي جواباً عن هذا التساؤل".(8)‏

2ـ2ـ حول التفسير المادي: "لقد وجد ماركس وانغلز أن هيغل "واقف على رأسه"، لذا، فقد عدلا (كما اعتقدا) وقفته وأقاماه على رجليه. وبينما نجد أن هيغل قد أصر على أن كل ما يحصل من تغير في العالم المادي الحقيقي إنَّما هو مجرد انعكاس لا إرادي لتقدم وتطور "روح العالم"، نجد أن ماركس قد أكد حقيقة العالم الخارجي، وبين أن المثل العليا والأفكار عند بني الإنسان، إنَّما هي نفسها نتاج البيئة الاقتصادية المادية وما يحصل فيها من تغير، لذلك فليس لها وجود خاص بها. وإن صراع الطبقات لا يحصل في عالم الأفكار كما ادعى هيغل، وإنما في عالم أحوال الناس الواقعي، بواسطة ما يحصل في الكيان الاقتصادي للمجتمع من تغير".(9) وفي رسالته إلى ف. انتكوف، "يؤكد ماركس مسألة استبعاد الحرية الإنسانية في صياغة واختيار "القوى الإنتاجية" التي يراها أساس الأبنية التاريخية والحضارية". (10)‏

ومن أبرز ما قاله النقاد في النظرة المادية للتاريخ: "يعتقد ماركس أن أفكار واتجاهات عصر ما، إنَّما هي نتاج مرحلة التطور الاقتصادي التي تمَّ التوصل إليها، ولذلك لا يوجد قانون مطلق أو أخلاق مطلقة في هذا العالم، وإنما هذه كلها انعكاسات لأسلوب الإنتاج. ولكن في هذه النظرية تناقضاً خطيراً.. فماركس لا يرى من ناحية شيئاً أبدياً، ومن ناحية أخرى يعرض فكرته عن التاريخ على أنها مطلقة، وهذا تناقض واضح لم يستطع أحد من تلامذته أن يزيله. فنحن إذ نعتقد أن فلسفة عصر ما ناتجة عن بيئته المادية، فهذا ينطبق أيضاً على الماركسية نفسها.. فأفكار ماركس لا يمكن أن تكون صحيحة ومنطبقة على كل الأزمنة، لأنها هي أيضاً انعكاس للعصر الذي عاش فيه.. فلا بد أنه قد كان في ذهن ماركس ظروف المجتمع في ذلك العصر، وكل ما جاء به ربَّما كان ملائماً لزمنه هو، ولا يمكن بعد زمانه ذاك أن يكون صالحاً للعصور التي تلته.. فمع تغير الزمان، لابدَّ لفلسفته أن تتغير، ولكن، لا يوجد ماركسي واحد مستعد لأنَّ يقبل بهذا، فهم يعتقدون أن نظراته صحيحة في كل الأزمان، أي أنها قيم دائمة للمجتمع الإنساني لا تتغير". (11) (لاحظ أن هذا النقد كتب قبل أن تنهار، في أوائل التسعينات من القرن الماضي، الأنظمة الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي وحليفاته).‏

2ـ3ـ حول التفسير الحضاري: يتحدث توينبي عن نشوء الحضارات ونموها وسقوطها.. فهو يرفض دافعي العرق (الأبيض خاصة) والجغرافيا لنشوء الحضارات(12)، ويرى أن الحافز الأساسي لنشوء الحضارات هو التحدي والاستجابة، وأن نشوء الحضارات هو نتيجة التفاعل الخلاق بين عدة عوامل، فتحقيق الاستجابة الظافرة للتحدي المقلق.. التحدي من قبل جماعات بشرية داخلية أو خارجية، أو من قبل بيئة مناسبة فيها واحد أو أكثر من الدوافع الخمسة الآتية: دافع الأراضي الصعبة، دافع الأرض البكر، دافع النكبات، دافع الضغط، ودافع العقوبات(13). ويرى توينبي أن النمو الحضاري كله لا يكون إلا بواسطة المبدعين من الأفراد، أو بواسطة الفئة القليلة من هؤلاء القادة الملهمين(14). ويدحض توينبي الأسباب الحتمية (الخارجة عن قدرة الإنسان وإرادته) في السقوط الحضاري، مثل: صيرورة الكون إلى الشيخوخة فالعدم، والعجز عن صد الاعتداءات الخارجية، والنقض في الميادين العلمية والتقنية. وهو يرى أن للسقوط الحضاري أسباباً ثلاثة: أولها ضعف القوة الخلاقة في الأقلية الموجهة وانقلابها إلى سلطة تعسفية، وثانيها تخلي الأكثرية عن موالاة الأقلية الجديدة المسيطرة وكفها عن محاكاتها، وثالثها الانشقاق وضياع الوحدة في كيان المجتمع كله(15).‏

ومن أبرز الذين نقدوا نظرية توينبي في تفسير التاريخ، العالمان بترم سوروكن وبيتر جيل.. أمَّا سوروكن فيرى أن النظرية متهافتة في مبدأين أساسيين.. أولهما اعتبار الحضارة وحدة معقولة للدراسة التاريخية. وثانيهما اعتبار الأدوار الحضارية من النشوء إلى النمو إلى السقوط والانحلال أساساً لفلسفته التاريخية. ويأخذ جيل على توينبي سوء تطبيقه للمنهج العلمي في أبحاثه التاريخية.. فقد انتخب من مجموع الظاهرات ما يناسب فرضه، وعرض شواهده المختارة بالطريقة التي تلائمه، وفسرها تفسيراً مواتياً للفكرة العامة الجاهزة التي بدأ منها. كذلك، فإن إخفاق توينبي (حسب جيل) في تحقيق الفرض بالتجربة الحاسمة، وعزله الأجزاء بحيث لم تعد ذات دلالة معينة في بناء الكل، يقوضان دعائم المنهج التجريبي الذي حاول أن يعتمده في تفسيره. لذلك، فإن ما استنتجه توينبي من القوانين العامة لا يصح اعتباره كذلك، وإنما هي نظرات في تفسير الأحداث قد تكون صائبة وقد لا تكون(16).‏

3ـ السننية في التاريخ‏

يلاحظ المؤلف أن القرآن الكريم قد اهتم كثيراً بالقصص (فذكر عدة قصص عن الأنبياء والأقوام)، و"أن الهدف من تلك القصص هو الهدف نفسه الذي يمكن أن يتمخض عن أية مطالعة جادة ذكية واعية ملتزمة للتاريخ: إثارة الفكر البشري، ودفعه إلى التساؤل الدائم والبحث الدائب عن الحق، وتقديم خلاصات التجارب البشرية عبراً يسير على هديها أولو الألباب.. إزاحة ستار الغفلة والنسيان في نفس الإنسان، وصقل ذاكرته وقدرته على المقاومة لكي تظل في مقدمة قواه الفعالة، التي هو بأمس الحاجة إلى تفجير طاقاتها دوماً وهو يواصل الكفاح في عالم يرفض الذين يعانون الغفلة والكسل الذهني والتواكل واليأس والنسيان.. تقديم الدليل على علم الله الواسع الذي أحاط بحركة التاريخ ماضياً وحاضراً ومستقبلاً.. ثمَّ تأكيد البرهان على الحق الواحد الذي جاء به الأنبياء السابقون جميعاً وسعوا إلى أن يقودوا أممهم إلى مصدره الواحد الذي لا إله إلا هو(17)".‏

ويرى المؤلف أن من نتائج دراسة حركة التاريخ البشري والتمعن في وقائعه وأحداثه: الوقوف على السنن والنواميس الثابتة والقائمة على أن الجزاء من جنس العمل، وإدراك إمكانية التنبؤ بالنتائج من مقدماتها، وضرورة تحرك الجماعة (المدركة الملتزمة) متجاوزة مواقع الخطأ التي قادت الجماعات البشرية السابقة إلى الدمار، ومحسنة التعامل مع قوى الكون والطبيعة مستمدة التعاليم والقيم من حركة التاريخ نفسه. وهكذا يتجاوز التاريخ في القرآن الكريم أطره النظرية أو القصصية الفنية أو الأكاديمية، إلى حركة وبحث وجهد وإبداع تجيء دائماً لخدمة "المعاصرة"، وللسير نحو "المستقبل" بفهم أعمق وإلمام أكبر بسنن التاريخ. ومن ثمَّ تلتقي بآيات الله وهي تطلب من أية جماعة معاصرة أن "تسير في الأرض"، لكي "تنظر" لا أن تنظر فحسب، وأن "تتعلم" من هذا السير "السنن" التي "حاقت بالذين حلوا من قبل"، من أجل بناء عالم لا تدمره تجارب الخطأ والصواب التي دمرت أمماً وجماعات وشعوباً(18).‏

و"يؤكد لنا القرآن الكريم، في أكثر من موضع، أن سنن الله في التاريخ ثابتة ماضية إزاء الجماعات البشرية التي تتنكب عن الطريق، بغض النظر عن حجم الجماعة، وعن مدى دورها الحضاري ومقدار منجزاتها المادية والأدبية في مقاييس الكم ومعايير المساحات والأحجام".(19)‏

وإذا كانت القوة والبطش في نظر الكثيرين (كما يلاحظ المؤلف)، مقياس تقدم الأمة ورقيها وازدهارها واتساع حجم دورها في العالم، بغض النظر عن مدى التوازن والانسجام في مساحات العمل الحضاري بين قوى السلم والحرب وبين طاقات الإبداع والبطش، فإن القرآن الكريم (كما يلاحظ المؤلف) يجيء كي يعلمنا شيئاً آخر (20) "إنه ليس بالقوة والبطش تحيا الأمم وتزدهر وتواصل الطريق. إنهما جانب واحد فحسب في المسيرة الحضارية، وفي فاعلية الجماعة البشرية في قلب العالم. وإن أي طغيان لأي منهما على حساب الجوانب الأخرى، سوف يعرض الجماعة إلى أن تفقد قدرتها الخلاقة على مجابهة متطلبات مسيرتها وتحدياتها الدائمة المستمرة، وسيدفعها دفعاً إلى أن تقصر هذه الاستجابة على نطاق القوة والبطش، الأمر الذي يؤول حتماً إلى استنزاف الجماعة فدمارها. ويتساءل المؤلف: ما قيمة القوة العسكرية والبطش المسلح إذا لم تكن وراءهما نفسية متماسكة، وأخلاقية عالية، ونظرة إلى حياة شاملة، وعلاقات إنسانية، وموقع متقدم مسؤول أمام الله(21) ؟" ويستشهد المؤلف هنا بنتائج التجربة النازية في ألمانيا:‏

* (إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله...) ـ آل عمران: 62.‏

* (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب) ـ يوسف 111.‏

* (فهل ينظرون إلاسنة الأولين، فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً) ـ فاطر: 43.‏

+ البقرة: 30 ـ 39 ، و 49 ـ 74 ، و 124 ـ 134 ، و 258 ـ 260، والفتح: 22 ـ 23، وآل عمران: 137 ـ 141.‏

4ـ الاستخلاف‏

إن المبادئ الأساسية والكلية للمسألة الحضارية في القرآن الكريم هي: "خلافة الإنسان في الأرض، ومنحه القدرة على التعلم والفعل والاستيعاب، وتكريمه الأقصى. بسجود الملائكة له، ومجابهته بإبليس وبدء الصراع بين الطرفين، والهبوط الزمني الموقوت إلى الأرض كأول تجربة من تجارب هذا الصراع، وتعليق الدور البشري في الأرض على تلقي الهدى من الله وحده، وتحديد المصير الذي سيؤول إليه موقف الإنسان الحر إزاء هذا الهدي في الأرض والسماء(22)".‏

لقد أراد الله تعالى للإنسان أن يكون خليفته في الأرض، فمنحه القدرة العقلية على التعلم، والمقدرة الجسدية على التنفيذ والعمل والإبداع، والإرادة الحرة لاختيار أسلوب الحياة الذي يقوده إليه فكره ودوافعه النفسية والجسدية. ولكي لا يحس الإنسان بالدونية، ولا تدور في خاطره أية فكرة سلبية عن دوره في العالم، رفعت مكانته إلى أعلى مصاف، وطلب من الملائكة أن يسجدوا له. تلك هي أسس تقود (ولا ريب) إلى تصور دور الإنسان في العالم كقوة فاعلة، مفكرة، مريدة، منفذة، مستقلة، مفضلة. وهي الأمور التي لا بد منها لأي إبداع حضاري على الأرض. فإذا ما أضفنا إلى هذا تمهيد العالم ـ مسبقاً ـ للدور البشري على الأرض، وأبعاد الصراع التي لا بد منها للحركة التاريخية وخطورة التعاليم التي كانت تنزل، حيناً بعد حين، لكي تضبط وتنظم حركة الإنسان في الأرض.. أدركنا كم هي عميقة شاملة ومتكاملة الأسس التي منحت للبشرية كي تعتمدها في ممارسة خلافتها الحضارية أو العمرانية في العالم(23).‏

وترتبط مسألة الاستخلاف بالخيط الطويل العادل من طرفيه: "العمل والإبداع ومجانبة الإفساد في الأرض، وتلقي القيم والتعاليم والشرائع عن الله تعالى والالتزام الكامل به خلال ممارسة الجهد البشري في العالم. والعلاقة بين هذين الطرفين علاقة أساسية متبادلة، بحيث إن افتقاد أي منها سيقود إلى الخراب والضياع في الدنيا والآخرة، ويقود إلى إحلال جماعة أخرى بديلة تقدر على الإمساك بالخيط من طرفيه: العمل والجهد والإبداع، والتلقي الدائم عن الله تعالى لضبط وتوجيه هذا العمل والجهد والإبداع في مسالكه الصحيحة التي تجعل الإنسان يقف دائماً بمواجهة خالقه كخليفة مفوض عنه لإعمار العالم(24)".‏

"ويبلغ من تأكيد القرآن الكريم على العمل والجهد البشري للإعمار، على يد عين الله وتوجيهه، أن ترد اللفظة بتصريفاتها المختلفة فيما يزيد على الثلاثمئة والخمسين موضعاً. ويحدثنا القرآن الكريم أيضاً أن مسألة خلق الموت والحياة، إنَّما جاءت ـ أساساً ـ لابتلاء بني آدم أيهم أحسن عملاً(25)".‏

"ويندد القرآن الكريم بكل عمل أو نشاط خاطئ من شأنه أن يؤول إلى الفساد في الأرض، وإلى هدم وتدمير المكتسبات التي يصنعها العمل الصالح بالصبر والدأب. وهو، من موقفه هذا، يسعى إلى حماية منجزات الإنسان الحضارية، ووقف كل ما يعوق مسيرتها ونموها، وملاحقة أية محاولة لإنزال الدمار بها من الداخل تحت أي شعار كانت". والقرآن الكريم يطلب من الجماعة المؤمنة أن تتحرك لوقف الفساد بأسرع ما تستطيع، وبأقصى ما تطيق، لئلا يتحول الفساد إلى فتنة عمياء لا ترحم أبداً ولا تبقي، وهي تدوم فوق رؤوس الجماعة كلها ظالمين أو مظلومين(26)‏

* (وإذ قال ربك إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال إني أعلم مالا تعلمون) ـ البقرة: 30.‏

* (ثمَّ جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون) ـ يونس: 14.‏

* (... ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، وذلك خير إن كنتم مؤمنين) ـ الأعراف: 85.‏

+ البقرة 168 ـ 169. والنمل: 62. وهود: 19 و 88 و 116 و 117 . والروم: 41.‏

والتوبة: 69 و 109ـ 110. والرعد: 25. والشعراء: 151ـ 152.‏

5ـ التسخير‏

"في القرآن الكريم (كما يلاحظ المؤلف كثير من الآيات والمقاطع التي تحدثنا عن تسخير العالم والطبيعة لخدمة الدور الذي أنيط بالإنسان في الأرض، وهي تمنحنا تصوراً إيجابياً عن الإنسان من حيث دوره الحضاري ينأى كلية عن التصورات السالبة التي قدمتها التفاسير الوضعية، التي جردت الإنسان من كثير من قدراته الفاعلة وحريته في حواره مع كتلة العالم، وتطرف بعضها فأخضع الإنسان إخضاعاً كاملاً لمشيئة هذه الكتلة وإرادة قوانينها الدينامية الخاصة، التي تجيء بمثابة أمر لا رادّ له، وليس بمقدور الإنسان إلا أن يخضع ويساير ويتقبل هذا الذي تأمر به.‏

"سواء التزم التفسير الوضعي المنطق الديالكتيكي على مستوى الفكر غير المحدد كما فعل هيغل، أو على مستوى المادة وتبدل وسائل الإنتاج وظروفه الخارجية كما فعل ماركس وانغلز، فإن الإنسان (كما يلاحظ المؤلف) يغدو تابعاً وليس متبوعاً، وإن الإنجاز الحضاري يجيء وكأن ذلك الإنسان جزء منه أو مساحة من مكوناته فحسب، وأنه ليس أمامه إلا أن يتشكل وفق مقتضيات مسيرة أكبر حجماً من إرادته وأوسع مدى من قدراته ومطامحه ونزوعاته الذاتية والجماعية على السواء(27)".‏

ويلاحظ المؤلف وجود صيغة أخرى في القرآن للعلاقة بين الإنسان والعالم تختلف من أساسها عن نظائرها في التفاسير الوضعية.. إنها صيغة "السيد الفاعل المريد"، الذي سخرت وأخضعت كتلة العالم والطبيعة لتلبية متطلبات خلافته في الأرض وإعماره للعالم على عين الله تعالى.‏

ولا يقف القرآن عند مرحلة تأكيد هذه العلاقة الفوقية، للإنسان على الطبيعة فحسب، وإنما يدعوه، في أماكن عديدة، إلى "التحرك" لاعتماد هذه العلاقة في تنفيذ متطلبات استخلافه العمراني (أو الحضاري) على الأرض. وهذا لن يتأتى إلا بالنظر العميق في ملكوت السموات والأرض، والدراسة المتأنيّة لنواميسه وقوانينه وأسراره، والسعي الدائم وفق أشد الأساليب العلمية تجريبية، للكشف عن هذه النواميس والقوانين والأسرار، من أجل فهم أكثر لقدرات الله تعالى الخلاقة، وإيمان أعمق به، ومن أجل استخدامها لتطوير الحياة على الأرض ومواصلة العمران، وتحقيق مفهوم الاستخلاف على كل المستويات..‏

فلقد دعا القرآن الكريم الناس إلى التبصر بحقيقة وجودهم وارتباطهم الكونية، عن طريق "النظر الحسي" إلى ما حولهم، ابتداء من مواقع أقدامهم، وانتهاء بآفاق النفس والكون. وأعطى القرآن الحواس مسؤوليتها الكبرى عن كل خطوة يخطوها الإنسان المسلم في مجال البحث والنظر والتأمل والمعرفة والتجريب. ونادى القرآن الإنسان إلى أن ينظر إلى كل ما حوله.. إلى طعامه، وخلقه، والملكوت، وخلائق الله تعالى، وآياته المنبعثة في كل مكان، والنواميس الاجتماعية وغير ذلك(28) .‏

"وقد انتقل القرآن خطوة أخرى، فسأل الناس أن يحركوا "بصائرهم" التي تستقبل في كل لحظة مدركات حسية، سمعية وبصرية، لا حَصْرَ لها. ومن ثمَّ، تتحمل "البصيرة" مسؤوليتها في تنسيق هذه المدركات وتمحيصها وموازنتها وفرزها، من أجل الوصول إلى الحق الذي تقوم عليه وحدة نواميس الكون والخليقة(29)".‏

وهكذا، فقد جعل القرآن الكريم العقل والحواس مسؤولين جميعاً، وأكد اعتماد "البرهان" و"الحجة" و"الجدال الحسن"، للوصول إلى النتائج الصحيحة القائمة على الاستقراء والمقارنة والموازنة، والتمحيص، استناداً إلى المعطيات الخارجية المتفق عليها، والقدرات العقلية والمنطقية لأولئك الذين بلغوا شأواً بعيداً في هذا المضمار. وبذلك، يكون "العلم" ذا أهمية قصوى في المجتمعات التي ترتضي الدين أو المنهج الإلهي طريقة لها في الحياة (30).‏

* (وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار. وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار) ـ إبراهيم: 32 ـ 33‏

* (ولا تقف ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد، كل أولئك كان عنه مسؤولاً) ـ الإسراء: 36‏

* (أولم ينظروا إلى ملكوت السماوات والأرض) ـ الأعراف: 185‏

+ النحل: 12 و 14 . والعنكبوت: 61. ولقمان: 20. والأنبياء: 79. وعبس: 24 ـ 31. والطارق: 5. وغافر: 82. والبقرة: 11. والمؤمنون: 117. والنساء: 174.‏

6ـ العبادة هدفاً للنشاط البشري‏

إن عبادة الله وحده، بالمفهوم الإبداعي الشامل، هي الهدف الذي يتوجب على الإنسان، فرداً وجماعة، أن يصعّد إليه كافة أوجه نشاطاته الحضارية في هذه الدنيا(31).‏

فبينما ترسم المذاهب الوضعية، هي الأخرى، أهدافاً لحركتها الحضارية، تتميز حيناً بالغموض والمثالية كما هو عند الفيلسوف هيغل، وتتميز حيناً آخر بالتحديدات الصارمة والمادية كما هو الحال عند ماركس وانغلز، وتتميز حيناً ثالثاً بصبغة مسيحية باهتة غير مبررة عقلياً كما هو الحال عند أرنولد توينبي.. الأمر الذي فاد الأول ـ وهو يتحدث عن تجلي المتوحد من خلال الدولة ـ إلى أن يعطيها كافة المبررات الفلسفية لممارسة سياستها العدوانية التي قد تقود إلى الدمار الحضاري والظلم البشري، وقاد الثاني إلى إعلان ديكتاتورية الطبقة العاملة كهدف للحركة التاريخية وتبرير أي أسلوب لتحقيق هدفها مادامت لا تعد وأن تكون منفذة أمينة لمنطق التبدل في وسائل الإنتاج، الأمر الذي قادها إلى تنفيذ المجازر الجماعية تجاه كافة القوى المعارضة والتي لا تنسجم وبداهات التحضر البشري الحر.. وقاد الثالث ـ وهو بصدد حقن الحضارة الغربية المعاصرة بالأمل ـ إلى عملية ترقيع غير منطقية بين القيم الروحية المسيحية وبين بعض معطيات الديانات العالمية الكبرى، كاليهودية والبوذية والإسلام، فيما سماه "الديانة الرباعية الجامعة"، الأمر الذي يتناقض أساساً مع طبيعة التجربة الدينية القائمة على التلقي عن المصدر الواحد، والتوجه المتوحد نحو هذا المصدر دون سواه، وفق عقيدة تتميز بالوحدة والترابط(32).‏

يقول المؤلف: "بينما ترسم المذاهب الوضعية أهدافاً تتميز بالغموض والطغيان أو التناقض أو الانغلاق، نجد القرآن الكريم يعلن هدفه الواحد المتوحد المفتوح الذي يستقطب حوله كافة الفعاليات والقطاعات: عبادة الله، والتلقي عنه، والتوجه إليه. ويطلب من القوى المؤمنة أن تتحرك على مدار التاريخ، وفق كل الأساليب الإنسانية الشريفة الممكنة، لتجميع البشرية حول هذا الهدف الكبير (أن يكون الدين لله)". (33)‏

وهناك ظاهرة أساسية يتميز بها النشاط التعبيري في الإسلام.. ذلك أنه لا يقتصر على فترات متقطعة من الزمن، أو أماكن محددة من العالم، وإنما ينساح لكي يشمل كل الأماكن والأزمان. ليس هذا فحسب، بل إنه، في جوهره، تذكر للوجود الإلهي في الكون، وإدراك لأبعاده الشاملة: قدرة وإرادة وإحاطة ورقابة وعلماً... واتصال دائم بالله سبحانه في كل ما يصدر عن الإنسان من أفعال ظاهرة مرئية، أو إرادات لم تتشكل في أفعالها بعد، أو نيات وخواطر وتأملات وهواجس تدور في أعماق النفس.. وتقدير لعظمة الله تعالى الذي خلق الكون والحياة والإنسان على أروع وأدق نظام.. واعترف بالجميل للخلاق المبدع الذي هيأ للبشرية ظروفاً تمكنها في كل وقت من تحقيق السعادة الكاملة في الأرض والسماء. إن التعبد، بهذا المعنى، يمتد إلى كل مساحات الحياة البشرية، الظاهرة والخفية، الخاصة والعامة، الفردية والجماعية، المادية والروحية، تماماً كما تمتد الدماء وتسري في أوصال الجسد البشري وخلاياه (34).‏

"وإن كل ممارسة باطنية كانت أم ظاهرية، يمكن أن تكون تعبداً، إذا كمنت وراءها نية مؤمنة تسعى إلى أن تجعل من كل فاعلية في الحياة وسيلة يتقرب بها الإنسان من الله تعالى، ويتعبد إليه، ويتذكر وجوده الشامل القادر المريد. وتضم هذه القاعدة الشاملة، فيما تضم، الشعائر الإسلامية (كالصلاة والصيام) نفسها، مضافاً إليها كل الفاعليات الأخرى، ابتداء من أشدها مادية وكثافة (كالتجربة الجنسية وتجارب الطعام والشراب)، وانتهاء بسهر الليالي الطوال تقرّباً إلى الله تعالى وتأملاً في ملكه(35)".‏

* (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) ـ الذاريات: 56‏

* (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون) ـ المؤمنون: 115‏

* ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى. وأن سعيه سوف يرى. ثمَّ يجزاه الجزاء الأوفى) ـ النجم: 39 ـ 41‏

+ البقرة: 193. والرعد: 15. والحجر: 85. والنحل: 3 و 49 و 52. والإسراء: 44. والحج: 18. والنور: 41 ـ 42. والأحقاق: 3. والدخان: 38 ـ 39 . القيامة: 36.‏

7ـ الإنسان بين الطبيعة والعقيدة‏

لماذا ترك الإنسان، على المستوى الطبيعي، يجهد بنفسه ويبتكر ويكشف ويطور، بينما ألزم ـ على المستوى العقائدي الديني ـ بالاعتماد الكلي على تعاليم السماء؟ هل بمقدور الإنسان أن يبتكر بنفسه المنهج أو الدين الذي يقوده عبر الطريق؟ وبعبارة أخرى: ما هو السبب في تعليق هداية الإنسان الشاملة على نزول الأديان والتزامه بتعاليمها(36)؟‏

ومما يقوله المؤلف في الإجابة عن هذه الأسئلة: "في مجال الطبيعة والأشياء، لم يشأ الله تعالى أن يكشف للإنسان عن القوانين الناظمة، لأنَّ هذا يعني إهمالاً لطاقات الإنسان الخلاقة وقدرتها على العمل والكشف والابتكار. ولو حدث أن وجد الإنسان نفسه فجأة أمام تكشف النواميس الطبيعية على حقيقتها، لألغيت ـ إذن وبشكل محتم ـ جل قدراته ومحاولاته الإبداعية، ولأسلم نفسه لكسل فكري واتكال لم يرد الله تعالى للإنسان أن يقع في إسارها. أمَّا العقيدة والمنهج والقيم فهل كان من المنطق أن تظل غامضة، وأن يسعى الإنسان للكشف عنها بنفسه(37)؟‏

ويجيب المؤلّف بأن التعامل مع الطبيعة عملية مستمرة تتضمن التأمل في الكون للوقوف على قدرة الله تعالى، دراسة القوانين التي تحكم العالم، وتطبيق المعارف العلمية لإشباع الحاجات البشرية. وتكون تجربة "الخطأ والصواب" مجدية في مجال التعامل مع الطبيعة، لأنها ستعلم الإنسان، دائماً، طريقة جديدة، أو تمنحه ابتكاراً جديداً. أمَّا في المجال العقيدي والأخلاقي والديني، فلا يمكن للإنسان أن يمارس تجربة "الخطأ والصواب"، لأنَّه هذه ستكون على حساب كينونته ووقته وجهده ومصيره في نهاية الأمر. ولأنها ـ وهو الأهم ـ لن تقدم له الصواب المطلق الذي لا خطأ بعده في يوم من الأيام، ذلك أنه لا يملك الوسائل التي تمكنه من بلوغ هذا الصواب وتمحيصه على السواء(38) "لقد أعطى الله تعالى الإنسان إمكانات خلاقة وقدرات فذة ورؤية عظيمة واسعة الأمداء، ولكن هذا وحده لا يكفي. إن لإمكاناته وقدراته ورؤاه أرضية واسعة للسعي والحركة، وإن تقليص هذه الأرضية إهدار أو تجميد لطاقات الإنسان، وهو ـ بمعنى أوسع ـ احتقار للإرادة الإنسانية، ولكن هناك مدى أوسع بكثير من هذه الأرضية. ولو ترك الإنسان وحده لظل يتحرك كالأعمى، يقوم ويسقط، إلى أن يأتي يوم يسقط فيه في الهوة التي لا قيام بعدها. لقد حدث هذا فعلاً لكل الناس والأمم والشعوب التي تعبدت الوضعيين من دون الله.. قالوا لها إن بإمكانهم إعطاءها العقيدة والمنهج والقيم، فسارت وراءهم رغباً ورهباً، وتلقت عنهم دينها وقيمها ومناهجها، وبالأحرى عبدته من دون الله، ولكن ما لبث أن سقط الأرباب والعبيد على السواء(39)".‏

* (ومهن آياته خلق السموات والأرض وما لبث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذ يشاء قدير) ـ الشورى:7‏

* (الذي جعل لكم الأرض مهداً وجعل لكم فيها سبلاً لعلكم تهتدون) ـ الزخرف: 10‏

* (تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا يفقهون تسبيحهم إنه كان حليماً غفوراً) ـ الإسراء: 44‏

+ الشورى: 28 ـ 30 . والزخرف: 11 ـ 12.‏

8ـ الفعل الإلهي وحرية الإنسان‏

يتخذ الفعل الإلهي لخلق الحدث التاريخي وصياغته شكلين اثنين.. فعل إلهي مباشر، وفعل إلهي غير مباشر..‏

* فالفعل الإلهي المباشر يتراوح بين التساوق مع نواميس الطبيعة واعتمادها في التنفيذ، وبين تجاوز مقاييسها ورفض نسبياتها فيما يعرف بالمعجزات، التي هي ظواهر، قليلة الورود نسبياً في القرآن الكريم، سخرها الله تعالى لدعم الأنبياء بسند ميتافيزيقي، وهز أفئدة الناس المتجمدة، ولفت أنظارهم إلى قدرته تعالى. وحيث إن هذا الأسلوب لم يُجْد مع كثير من الأقوام السابقة على البعثة المحمدية، فقد جاءت معجزة القرآن الكريم المنسجمة مع النواميس لتكون كافية، وحدها، لحمل أجيال البشرية إلى طريق الإسلام على مر القرون. ويجيء الفعل الإلهي المباشر لكي يذكر الناس بخالقهم، وبكلمته النافذة في الكون والعالم، وبقدرته اللانهائية على الفعل، ويجعلهم حاضرين دائماً بمواجهة ربهم، تلقياً عنه وتعبداً له وشكراً على نعمائه. ويتجلى هذا الفعل الإلهي المباشر (أساساً)، والمستمر من الأبد وإلى الأزل، في أن الله تعالى خلق الكون في ستة أيام، واقتطع الأرض من السموات، وخلق النبات والحيوان فالإنسان، وليس الزمن في الأرض وفي أمداء الكون سواء، بل هما مختلفان. وهذا ما يفسر التأجيل المتطاول لمصائر الأمم والقيادات الظالمة، حتّى لنتصور أحياناً أنه قد غض الطرف عنها، وأنها لن تبلغ مرحلة سقوطها أبداً. وقد عمل الرسول محمد صلى الله عليه وسلم على إزالة هذه الهواجس من النفوس القلقة المتسرعة، فقال مثلاً: "إن الله يمهل ولا يهمل", وأنه "يملي للظالم حتّى إذا أخذه لم يفلته" ويسخر الله تعالى الفعل المباشر المتساوق مع نواميس الطبيعة (وهو الأكثر وروداً في القرآن الكريم) لخدمة الجماعة المؤمنة، وضرب العوائق التي تصدها عن تأدية مهمتها، وإنزال العقاب بالذين يصدرون عن سبيل لله تعالى ويكفرون بنعمائه. وتعتمد المشيئة الإلهية لمواجهة الكفر وسيلتين اثنتين:‏

القوى الطبيعية المنظورة (كالسيول والزلازل والريح العاتية والدمار الشامل)، وقوة الروح غير المنظور.. حيث نلتقي بحشود الملائكة وبالطاقات الروحية التي لا تحدها حدود، والتي تستطيع ( في لحظات) أن تقلب الهزيمة إلى نصر، وأن تمنح القلة المجاهدة مقدرة هائلة على المقاومة والثبات، ودائماً تكون قوى الغيب التي لا ترى هي الأكثر قدرة والأسرع عملاً(40)‏

* "ويجيء ثاني أنواع الفعل الإلهي في التاريخ، وهو الفعل غير المباشر، عن طريق الحرية الإنسانية ذاتها، والتي هي في مداها البعيد جزء من إرادة الله في خلف الأفعال والأحداث.. فلقد منح الله تعالى الحرية للإنسان ابتداءً، لكي يصنع تاريخه الفردي والجماعي، ولكي يشكل مصيريهما معاً، اعتماداً على ما ركب في وجوده من قوى العقل والإرادة والحس والحركة. وعندما يستخدم الإنسان حريته لصناعة الحدث وتوجيه المصير، فهو إنَّما يعتمد على مقدمات لا يمكنه، بحال، الاستغناء عنها: الزمن، التراب، ثمَّ التعاليم والنظم والقيم والأعراف والتقاليد، وضعية كانت أم دينية(41)".‏

"إنه بدون "حرية"، لن يكون هناك أبداً معنى للموقف الإنساني، أو مغزى للخير والشر، كما أنه لن يكون هذا المعنى أو هذا المغزى ليوم "الحساب" الذي يترتب بداهة على اختيارات الناس الحرة. وإن هذه الحرية، فضلاً عن ذلك، هي بمثابة تحد فعال للإرادة البشرية، تحفظ توترها الدائم، وتضعها دائماً في موقف الانفعال والفعل إزاء الأحداث والأشياء، ومن ثمَّ تجيء (هذه الحرية) بمثابة الخلفية الأساسية لحركة التاريخ البشري، صعوداً وهبوطاً، وبدون حرية، لن يكون هناك تحد ولا توتر ولا مقاومة ولا حركة، وسيجد الناس أنفسهم ساكنين أو مساقين، دونما تقرير إرادي مسبق، إلى مصائرهم، ودونما مقاومة أو عناء. والحرية في القرآن هي "المسؤولية" وبدونها لن تكون هناك مسؤولية أبداً، ولن تكون هنالك معنى لدعوات الأنبياء (عليهم السلام) جميعاً(42)".‏

ونجد في القرآن الكريم آيات تصل بنا إلى منتهى التناسق والتكامل بين إرادة الإنسان وقدر الله تعالى. ويصل هذا التناسق وهذا التكامل إلى درجة أن يفجر الله تعالى طاقات الطبيعة الهائلة لخدمة الإنسان المؤمن الذي يعرف كيف يقف، ومن ورائه القوى التي سخرت له، أمام الله تعالى حامداً شاكراً مسبحاً، كما يعرف كيف يبني بهذه الطاقات، وبأمر الله تعالى، عالماً متقدماً معموراً(43)‏

"إن الله تعالى يمنح نعمه التي تنزل وفق النواميس الطبيعية بالقسطاس على الأمم والشعوب، إلا أن الجماعة التي تسيء التصرف وتطغى وتتجبر ويسوقها الطغيان والجبروت إلى الكفر والمروق والتمرد على النظام الكوني ومبدعه، ستجد في انتظارها العقاب الذي تستحق(44)".‏

وبين القرآن الكريم أن من يرد (لاحظ فعل الإرادة) ثواب الدنيا فله ذلك، وأن من يرد ثواب الآخرة فلن يصده عن هدفه شيء. وفي القرآن الكريم، أيضاً، دعوات إلى الجماعة المؤمنة، إلى أن تتحرك، وألا تقف ساكنة إزاء الظلم والطغيان، من أجل أن تحقق، بإرادتها، الأحسن والأفضل في دنياها وآخرتها(45)‏

ويبين القرآن الكريم، كذلك، أن الله تعالى ما كان ليضرب جماعة ما، أو أحداً من عباده، قبل أن يبعث إليهم بالنذير، ويدلهم على الطريق، يعطيهم الفرصة لكي يختاروا بملء إرادتهم أن ينتموا للحق، أو تسوقهم الشهوات إلى التشبث بمواقع الباطل، حيث يحل العقاب كجزء من خطة العدول الإلهي الشامل في سياسة الكون كله. ويعرضون القرآن الكريم صورة مغايرة في جوهرها للصيغ التي طرحها الغربيون، منذ عهد اليونان وحتى القرن العشرين، عن العلاقة بين الله تعالى وعباده.. فالقدر في تصورهم ضربة مفاجئة تجيء على حين غفلة لكي تقصم ظهر الإنسان، ودعابة درامية ثقيلة ومحزنة تصوّر الآلهة وهم يرسمون الخطط الخبيثة لإيقاع العباد في الشباك التي نصبت بمهارة. إن الصورة القرآنية تكنس في طريقها هذا الغثاء، لكي تعيد صيغة العلاقة بين الناس وأقدارهم إلى موقعها الإنساني، المنطقي، العادل(46).‏

* (وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون. وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها، وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً) ـ الإسراء: 59.‏

* (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذا جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها وكان الله بما تعملون بصيراً) ـ الأحزاب: 9‏

* ( إن الله لا يغير ما بقوم حتّى يغيروا ما بأنفسهم) ـ الرعد: 11.‏

+ الروم: 55. و السجدة: 5. والرحمن: 29. والنازعات:46 . وطه: 104. والحج: 47. وغافر: 49. والأعراف: 54. وسبأ: 10 ـ 13. وص: 17 ـ 20 .‏

9ـ في الصراع‏

يرى الفيلسوف هيغل أن الحركة الحضارية تقوم على النقائض على عالم الأفكار. بينما يرى ماركس وانغلز أن المسرح الحقيقي لاصطراع النقائض هو المادة ووسائل الإنتاج بالذات، تلك التي تخلق ظروفها الإنتاجية فصيغتها الحضارية. وأما توينبي فقد جاء بنظريته حول التحدي والاستجابة، القائلة بأن الحضارة التي تنجح في الاستجابة للتحدي هي التي تستمر وتتقدم، بينما تتعثر منكس الحضارة التي تفشل في ذلك التحدي.‏

إن محور الفاعلية الحضارية وأس الأسس في الحركة التاريخية (حسب المؤلف) هو الصراع. أو الجدل (الدياليكتيك)، أو تحاور النقائض المتبادلة. ويرى المؤلف أن النظريات الوضعية إلى الصراع تجانب الصواب، بسبب من إهمالها دور الإنسان.. فهيغل يقصر الصراع على نطق الأفكار، ويردوه إلى مشيئة "العقل الكلي" الذي يعمل من خلال العالم نفسه، لا من موقع فوقي كما يتوهم البعض فيقربه ـ خطأً ـ من التصور الديني. وهو، بهذا، يجرد الإنسان والجماعة البشرية من اختيارها الحر ودورها الإرادي في حركة التاريخ. ويفعل الماديون (ماركس وانغلز) الشيء نفسه، ولكن على مستوى المادة، التي يجد الإنسان والجماعة البشرية أنفسهم حيالها غير قادرين على تغيير منطلقها الجدلي الصارم الذي يمضي إلى غايته، دونما أي اختيار أو تدخل بشري في طبيعة علاقاته الديالكتيكية. وأما توينبي فيقترب بنا (حسب المؤلف) خطوات واسعة باتجاه الرؤية الصحيحة والنظرة الأكثر انفتاحاً، عندما يضع على ساحة الصراع والحركة طرفي المسألة: "البيئة" و"الإنسان والجماعة"، ويعطي الطرف البشري اختياره وحريته في تقرير المصير(47). فما هو الموقف الإسلامي من الصراع حسبما استخلصه مؤلف الكتاب من القرآن الكريم؟..‏

هناك نوعان من الصراع.. أمَّا النوع الأول فعلى مستوى الكون والطبيعة. وأما النوع الثاني فعلى مستوى الإنسان والجماعة..‏

9ـ1ـ ففيما يتعلق بالنوع الأول من الصراع، يلاحظ في الكون والطبيعة وجود التقابل الشامل بين السالب والموجب، والتركيب الزوجي الذي يتجاوز عوالم الحياة على اختلاف درجاتها إلى صميم المادة. وهذا، في كل الأحوال والأوضاع، مصدر التوليد والتكاثر والاتساع والحركة والإيجابية الهادفة التي تؤول إلى ديمومة الاتساع الكوني الذي يتم بإرادة الله تعالى من خلال النواميس الطبيعية الدقيقة المعجزة القائمة على هذا التحاور والتقابل بين الأزواج سلباً وإيجاباً(48).‏

9ـ2ـ وفيما يتعلق بالنوع الثاني من الصراع (وهو الصراع على مستوى الإنسان والجماعة)، فإن الصراع أو التناقض أو التقابل الثنائي الفعال يأخذ أكثر من شكل، ويمتد إلى أكثر من اتجاه.. فهو صراع، منذ بداية الخلق، مع قوة الشر المقابلة متمثلة بالشيطان، وصراع آخر ميدانه العلاقات البشرية..‏

* ففيما يتعلق بالصراع مع الشيطان: يلاحظ أن الإنسان يجابه، ومنذ اللحظة الأولى لخلق آدم، بقوة الشرَّ المقابلة متمثلة بالشيطان وكل ما يملك من أساليب يدهم بها الإنسان من الخارج أو يبرز لـه من الأعماق، من صميم الذات.. يجيئه من مسارب العاطفة والوجدان والنفس، أو يتقدم إليه محملاً ببهرج الدنيا وزينتها، ويجند لقتاله والمروق به عن ساحة الخير كل القوى المادية والمعنوية وكل الذين يختارون (بإرادتهم) أن ينتموا إليه.. أناساً كانوا أم جناً.‏

ورغم أن أسلحة الشيطان كثيرة، متنوعة، عاتية، إلا أن الإنسان وهب إزاءها قوى معادلة وإمكانات مكافئة تعطي الصراع الدائم بين الطرفين مدى واسعاً ممتداً، وبحيث إن النصر والغلبة لن يجيئنا بسرعة، سهلة، كالضربة الخاطفة لأي منهما.‏

ويمثل هذا "التقابل" في القوى والإمكانات تحدياً واستفزازاً لا بد منهما لتحريك الفرد والجماعة باتجاه الأحسن والأمثل، وصقل طاقاتهم، ليكونوا أكثر مقدرة على المقاومة والصراع، وبالتالي أقدر على مواصلة الصعود في الطريق الموصول بالسماء بدءاً ومنتهى.‏

إن الصراع بين الإنسان والشيطان شامل واسع معقد يتشابك. إنه تقابل بين الخير والشر على أوسع الجبهات، تقابل لابدَّ منه إذا ما أريد للحياة البشرية أن تتجاوز الكسل إلى النشاط، والفتور إلى التمخض، والسكون إلى الحركة. إنه ابتلاء فعال لن يأخذ تاريخ البشرية بدونه شكله الإيجابي، ولن يمضي إلى غاياته المرسومة(49).‏

"ورغم أن الله تعالى وهب بني آدم قدرات العقل والروح والإرادة والعمل، وعلمهم الأسماء كلها، إلا أنه تعالى لم يتركهم وحدهم في تجربة صراعهم في الأرض، فظل يمدهم، حيناً بعد حين، بتعاليم السماء وشرائعها العادلة وصراطها المستقيم، الذي يحيل حركة البشرية في العالم إلى حركة متقدمة أبداً، في خط متوازن صاعد، لا رجوع فيها إلى وراء(50)".‏

* وفيما يتعلق بالصراع في العلاقات البشرية: يلاحظ المؤلف أن الصراع المتنوع المتقابل قائم أيضاً في صميم العلاقات البشرية، تستقطبه دائماً، عبر مجراه الطويل، كلمتا الإيمان والكفر، أو الحق والباطل، وترفده جداول وأنهار متشابكة تجيء من هذا الاتجاه أو ذاك. ومن خلال هذا الصراع الطويل، تتحرك مياه التاريخ، فلا تركد ولا تسكن، وتحفظ بهذا قدرتها على الجودة والنقاء.‏

"إن الإرادة الحرة والاختيار المفتوح اللذين منحا للإنسان، فرداً وجماعة، للانتماء إلى هذا المذهب أو ذاك، يقودان ـ بالضرورة ـ إلى عدم توحد البشرية وتحولها إلى معسكر متشابه واحد أو أرقام في جداول رياضية صماء. إن قيمة الحياة وصيروتها الحضارية الدائمة تكمنان في هذا الصراع القائم بين كتل البشرية المختلفة المتصارعة الموزعة. وإن حكمة الله تعالى شاءت، حتّى بالنسبة للكتلة الواحدة أو المعسكر الواحد، أن يكون ثمَّة انقسام وتغير وتنوع وصراع.. فهذه هي طبيعة العلاقات البشرية ما دامت تمارس حريتها في الأخذ والعطاء. وتلك هي إرادة الله المسبقة في أن تكون حياة الناس مغايرة نوعاً لحياة الخلائق الأخرى"(51)‏

وانطلاقاً من الموقف الواقعي في التفسير، يبين القرآن الكريم في أكثر من موضع أن "الأكثريات" البشرية تقف دائماً في مواجهة الحق الذي لا تنتمي إليه إلا القلة الطليعية الرائدة، نظراً لما يتطلبه هذا الانتماء من جهد وتضحية وعطاء دائم لا يتقبلها الكثيرون. وإن مصادر القوة والطاقة في صراع الحق والباطل لا تكمن ـ كما يعلمنا القرآن الكريم ـ في التباين العددي أو الكمي، بل إن العامل الحاسم هو التباين النوعي بين معسكري الإيمان والكفر. وكثيراً ما يكون اختلاف الألسنة والألوان (الذي هو بحد ذاته من صيغ الإبداع الإلهي المعجز، والذي يعقبه تغاير الثقافات والقوميات) هو أحد العوامل الكبيرة التي تكمن وراء الصراع البشري المحتوم(52) .‏

"إن الصراع (أو التدافع) مركوز في جبلة بني آدم، ليقود إلى تحريك الحياة نحو الأحسن، وتخطي مواقع الركون والسكون والفساد، ومنه القدرة للقوى الإنسانية كي تشد عزائمها، وتصقل قدراتها الصاعدة، في غمرة التحديات المتعاقبة التي يطرحها الصراع، وأن تسعى إلى تحقيق المجتمع المؤمن الذي ينفذ أمر الله تعالى في العالم وفق القاعدة الإيمانية العريضة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"(53).‏

"وما أكثر ما يتساءل المرء عن الحكمة من التقاتل والقصد من سفك الدماء البشري! وما أكثر ما تخيل الفلاسفة والمفكرون عالماً بشرياً لا يشهد قتالاً، ولا تسفك في ساحته دماء! ولكن هيهات مادامت المسألة مرتبطة في جذورها بالوجود البشري المتغاير المتنوع المتضاد المتصارع على الأرض، وما دام "الصراع" أمراً لا مفر منه إذا ما أريد للحياة الإنسانية أن تتحرك وتتقدم وتتجاوز مواقع السكون والركود والفساد".(54)‏

وثمة طيف واسع من الأساليب (أو الأشكال) للصراع.. فهو يتخذ في أقصى طرفه السلبي أسلوب القتال بالسلاح، ويتخذ في طرفه الإيجابي أسلوب التعارف والتقارب والتعاون.‏

وبينما تسعى الهيغلية والماركسية إلى عالم لا صراع فيه.. عالم يسوده السلام والمحبة (فتخالفان بذلك، الواقع، وتناقضان مذهبيهما اللذين يبدآن بالحركة فإذا بهما ينتهيان إلى سكون غير واقعي)، يؤكد القرآن الكريم مسألة الصراع، ويؤبد التمايز بين البشر ويصعّد الصراع ويسمو به إلى التقارب والتعاون(55)‏

إن الصراع الذي يواجهه المسلم (فراداً وجماعة) في هذا العالم يتخذ اتجاهين.. أحدهما باطني ذاتي عمودي، وثانيهما خارجي أفقي..‏

** أمَّا الصراع الباطني، فقد سماه الرسول صلى الله عليه وسلم "الجهاد الأكبر"، لما يواجهه من مصاعب، ويستلزمه من قدرة على المقاومة والمراقبة والحذر والتجرد. وهو يهدف إلى مواجهة الإنسان لذاته، وتغييرها تغييراً حركياً مستمراً، من أجل أن يسقط عنها كل النزعات والشهوات والممارسات السلبية التي من شأنها أن تصدها عن التوحد الكامل والاندماج الشامل في مسيرة الفكرة التي تتطلب ـ عبر ديمومتها الحركية ـ من المنتمين إليها شروطاً نفسية وأخلاقية وذهنية لا بد من توفرها إذ ما أريد للحركة أن تصل إلى أهدافها بأشد الأساليب نقاء وتركيزاً وتوحداً. وبدون هذا الصراع الإرادي الباطني من أجل تغيير الذات فإنه لا ينتظر أبدا ًحدوث أي تغيير أساسي على مستوى الصراع الخارجي مع العالم.(56)‏

** ويطلق القرآن والسنة على صراع الجماعة الإسلامية الخارجي، أي على مستوى العالم، تعبير أو مصطلح "الجهاد". وهو يتضمن كل أشكال الصراع الخارجي على الإطلاق.. مذهبياً سياسياً، عسكرياً، أخلاقياً، اقتصادياً، وحضارياً. وهو صراع دائم ومستمر إلى يوم القيامة.. صراع بين معسكرين: أولياء الله وأولياء الشيطان.. صراع يكون فيه النصر النهائي، دائماً، لأولياء الله. وعندما تمارس الأمة الإسلامية الجهاد الدائم على كل الجبهات. أمراً بالمعروف ونهيأ عن المنكر، وقتالاً بالكلمة والكفاح المسلح، فإنها ستحتل الموقع "الوسط" فتشهد على الناس.‏

وليس صحيحاً أن حركة التاريخ نتيجة للصراع بين النقيضين فقط، ولكنها (أيضاً) نتيجة للاستجابة الداخلية لنداء من فوق، هو نداء القيم والمثل العليا.‏

إن الصراع ليس دائماً قوة إيجابية تشد حركة التاريخ إلى الأمام. وإننا بمجرد تصورنا ذلك نغرق أنفسنا في نزعة مثالية، ونتجاوز ما يحدث فعلاً على أرض الواقع، حيث يتمخض الصراع في كثير من الأحيان عن ردة عكسية إلى الوراء، وربما عن تفتت التجربة التاريخية وسقوطها في صراع غير متكافئ مع قوى تفوقها بكثير. إن الحركة التاريخية نفسها لا تملك عقلاً كلياً واعياً بذاته يمكنها من مواصلة النضال الأبدي، صوب الأحسن والأكمل، كما يرى هيغل وماركس ورفاقهما، كل حسب تصوره الخاص.‏

وإن الذي يملك زمام العقل والوعي والإرادة عبر التاريخ هو الإنسان وحده. وما دام الإنسان حراً في اعتماد قدراته هذه، فإنه كثيراً ما يسيء الاختيار أو يحسنه ابتداءَ ولكنه لا يحيطه بالضمانات الكافية، فيجيء "الصراع" لكي يكشف عن نقاط الضعف في التجربة البشرية، ويوجه إليها الضربة القاصمة التي قد تصدر ـ أحياناً ـ عن فئة غاية في البطش والقسوة واللاأخلاقية.. ويؤول الأمر إلى ردة تاريخية، رجعية، مهما كانت نتائجها البعيدة ومغازيها غير المنظورة إيجابية في شحذ الهم وتعميق الوعي بالمصير، إلا أنها ـ على أية حال ـ رجوع وليست تقدماً(57)‏

* (كل نفس ذائقة الموت، ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون) ـ الأنبياء: 35‏

* (حتّى لا تكون فتنة ويكون الدين لله) ـ البقرة 65‏

* (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً ) ـ البقرة 143‏

+ الأنعام: 10. وطه: 85. والعنكبوت: 2ـ 3. والرعد: 11. والشورى: 8. والنحل: 93. والمائدة: 48. والنساء: 19. والمجادلة: 20. والصف: 9.‏

10ـ في التوازن‏

لقد خلق الله تعالى الناس لكي يعبدوه. وتقوم العبادة على "توازن" بين الأخذ والعطاء، لتحقيق الانسجام الحيوي النشيط والحركي.. أخذ المنهج من الله تعالى، والتوجه إلى الله تعالى بالطاعة. ولن تستقيم أمور الإنسان، فرداً وجماعة، إلا بتحقيق "التوازن" في كافة المجالات.. التوازن السياسي، والتوازن القيمي، والتوازن الاجتماعي/ الاقتصادي، وغير ذلك من أنواع التوازن..‏

* ففي مجال التوازن السياسي (مثلاً)، يؤكد القرآن على ضرورة التوازن السياسي بين "القيادات" و"القواعد".. فهو لا يعلق المسؤولية على تلك "القيادات" فحسب، وهي تمارس جرمها وفجورها وترفها وطغيانها وأخلاقياتها الهابطة. إنَّما هي "القواعد" التي أعانتها في البدء على الوصول، ثمَّ تعينها (بتأييدها المعلن أو الضمني.. مادياً أو أدبياً أو فكرياً أو أخلاقياً أو بسكوتها) على مواصلة السير بالجماعة باتجاه البوار. ومن ثمَّ يصدر القرآن الكريم تحذيراته إلى هذه القواعد من أن يتبلد وعيها، ويتجمد حسها الجماعي، فتنساق في مجرى "الطاعة" و"الاندماج" في مسار السلطة، حيث لا تستطيع حتّى أن تقول "لا" بل إنها ـ أكثر من ذلك ـ تقر في سرائرها هذا الطغيان الذي تمارسه السلطة، ولا تستطيع أن تجد في نفسها أي مبرر للرفض أو المقاومة. ومن ثمَّ تجد الجماعة نفسها وقد غفلت عن أهدافها وقيمها ومطامحها، لأنها لم تدع مسافة كافية بينها وبين "السلطة" للرؤية والنقد والتمحيص والرفض والمقاومة، بل اقتربت منها رغباً ورهباً، واندمجت بها فأصبح محتوماً أن تتحمل معها المسؤولية، حتّى ولو لم تحصل باندماجها هذا إلا على الفتات، وأحياناً على الاحتقار والازدراء والصفعات. وسينزل عقاب الله تعالى على الجميع.. قيادات وقواعد. فالمطلوب من القواعد تجاه الطغاة والمترفين: رفض ممارساتهم، والخضوع لله تعالى فحسب، والهجرة إلى أرض الله الواسعة، لإنضاج رؤية الموقف على حقيقته، والتسلح بالوعي والقوة، والعودة لمقاومة الظالمين(58)‏

* وفي مجال التوازن القيمي: يقدم لنا القرآن الكريم صيغة للنشاط البشري على الأرض تتميز بالتوازن (والتداخل والتكامل) بين قيم الروح وقوى المادة (نفخة الروح + قبضة التراب).‏

وإن أي خلل في هذا التوازن الذي يؤكده القرآن ويدعو إليه كشرط أساسي للاستخلاف، سيؤدي ـ بالضرورة ـ إلى تفكك وانحلال الفرد والجماعة وتمزقهما وتشتتهما، الأمر الذي يقود، بلا ريب، إلى تأزم في الفعالية البشرية، وبالتالي في تدفق معطياتها الحضارية، ممَّا يعرض الجماعة إلى انتكاسة قاسية قد تأتي عليها من القواعد(59).‏

إن مسألة التوازن عميقة في نسيج القرآن الكريم، وبحيث إننا نراها في أكثر من اتجاه، وتتلبس في أكثر من شكل.. فمثلاً، إنه يأمر بأخذ الزينة حتّى عند التجرد للعبادة في المسجد. والمحرم أو المرفوض في الإسلام هو الفاحشة، أيا كان مصدرها (الجسد أو الروح) وليس ثمَّة رفض أو احتقار للجسد بما هو جسد أو للغرائز بما هي غرائز(60).‏

وإن إحدى كبريات البدهيات الدينية في القرآن الكريم، أن الحلال هو القاعدة العريضة في ميادين الإشباع الغريزي جميعاً، طعاماً وشراباً وجنساً، وأن التحريم مسألة استثنائية محدودة المساحة، حتّى إن القرآن الكريم ليعتبر توسيعها بشكل اعتباطي، افتراء على الله تعال، ويكون من وظائف الأنبياء والرسل إعادة إلى الأمور إلى نصابها وتصحيح التزوير(61).‏

ويؤكد القرآن الكريم، دائماً، وبوضوح تام، على الأهمية التي يوليها للمسألة المادية، إلا أنه يضع دائماً في صميم العلاقات والممارسات المادية (ولا نقول بمواجهتها، إذا إن القرآن الكريم يرفض الثنائية والازدواج) قضايا الروح والقيم والأهداف البشرية العليا، التي تحفظ توازن الموقف البشري في الأرض، وتمكنه من أداء مهمة الاستخلاف الضخمة المنوطة به، وتحركه باتجاه الهدف الأشمل الذي خلق من أجله، ألا وهو عبادة الله تعالى وحده، والتلقي عنه، والتوجه إليه.. أخذاً وعطاء(62).‏

* (إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا، ورأوا العذاب، وتقطعت بهم الأسباب. وقال الذين اتبعوا: لو أن لناكرة فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا، كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار) ـ البقرة: 166 ـ 167.‏

* (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم، قالوا: فيم كنتم؟ قالوا: كنا مستضعفين في الأرض. قالوا: ألم تكن أرض الله الواسعة فتهاجروا فيها، فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا. إلا المستضعفين من الرجال والنساء والوالدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً) ـ النساء: 97 ـ 98.‏

+ الأحزاب: 67 ـ 68. وإبراهيم: 31 ـ 32 و 45. والأعراف: 31 ـ 32. والعنكبوت: 56 والتوبة: 14. والأنفال: 46 ـ 53. والرعد: 11. وآل عمران: 14 ـ 17.‏

11ـ في سقوط الدول والحضارات‏

يجمع معظم مذاهب التفسير الوضعي للتاريخ على القول بحتمية سقوط الدول والحضارات.. فهيغل ـ في مثاليته ـ يرى الناس والمجتمعات والدول في ممارساتهم وتجاربهم التاريخية كأدوات مرحلية يستخدمها العقل الكلي في فترة زمنية محدودة، ثمَّ ما يلبث أن يطيح بها باتجاه الفكرة الأحسن لكي يجيء ذلك اليوم الذي يكون فيه التاريخ، بشتى معطياته، تعبيراً متجلياً كاملاً لهذا العقل. ويخضع ماركس حركة التاريخ، بدولها وحضاراتها وتجاربها، لحتمية تبدل وسائل الإنتاج وانعكاسه على الظروف، وإن كل وضع تاريخي مآله الزوال بمجرد هذا التبدل الديناميكي الدائم. ولكن ماركس لا يلبث أن يقع في تناقض أساسي مع نظريته، عندما يقرر الدوام والثبات لمرحلة حكم الطبقة العاملة (البروليتاريا) حيث لا زوال بعدها. وهذا يشبه، في أحد جوانبه، الديالكتيك الهيغلي الذي يؤول بحركة العالم إلى السكون والكف عن التغير بمجرد بلوغها مرحلة تجلي المتوحد!! أمَّا اشنبغلر ووتوينبي فيعلنان عن حتمية السقوط كأمر لا مفر منه. وبينما يغرق اشبنغلر في تشاؤميته نجد توينبي يقع، هو الآخر، في تناقض صريح، عندما يؤكد، في الأجزاء الأخيرة من دراسته للتاريخ، على أن هناك أملاً في بقاء الحضارة الغربية المعاصرة بوجه الأعاصير(63). فما هو الموقف الإسلامي في هذا الصدد؟‏

يقرر القرآن الكريم حقيقة مداولة الأيام بين الناس. وتوحي "المداولة" بالحركة الدائمة، وبالتجدد، وبالأمل، وتقرر أن الأيام ليست ملكاً لأحد، ومن ثمَّ فلا داعي لليأس والهزيمة، فمن هم الآن في القمة، ستنزلهم حركة الأيام إلى الحضيض، ومن هم في القاع، ستصعد بهم الحركة نفسها ـ من خلال فعلهم الحر وحركتهم واختيارهم ـ إلى القمة. وتحمل المداولة القرآنية كافة جوانب إيجابيتها التاريخية: حركة العالم المستمرة، وتمخض الصراع الفعال، وديمومة الأمل البشري الذي يرفض الحزن والهوان وتكاد الحياة الدنيا تبدو من خلال الموقف الإسلامي أشبه بالناعور، والشجاع الشجاع هو الذي يحصل على صعدة أكثر في تاريخ هذه الحياة الدنيا التي تدور فيها المواقف ولا تستكين لأحد (64).‏

وإن الذي يفرق الموقف الإسلامي ويميزه عن غيره، هو أنه يطرح، إزاء مسألة سقوط الدول والتجارب والحضارات، ما يمكن تسميته "الحتمية التفاؤلية".. إنه يقرر حتمية الانحلال والسقوط، ولكنه يقرر، في الوقت نفسه، إمكانية أية أمة أو جماعة أن تعود باستمرار لكي تنشئ دولة أخرى، أو تمارس تجربة جديدة، أو تتولى زمام القيادة الحضارية والعقائدية، بمجرد أن تستكمل الشروط اللازمة لذلك، وأولها عملية التغيير الداخلي، أي تغيير ما بالنفس تغييراً يمتد إلى كافة المساحات الأخلاقية، وسائر المكونات النفسية الأساسية، وكل العلاقات الداخلية مع الذات، ومع الآخرين، والتي تمكن الإنسان (فرداً وجماعة) من مواجه حركة التاريخ. فالقرآن الكريم يطرح، إذن، مبدأ التغيير الذاتي مقابل حتمية السقوط، والمداولة كوسيلة للاستعادة، ولا نقول للاستمرار، لأنَّه ليس بإمكان أية جماعة بشرية أن تظل متوترة الإرادة في مواجهة التحديات الدائمة، قرناً بعد قرن، دون أن تضعف أو تغفل أو تفقد توترها هذا، فتتخلى عن مكانها المتقدم للجماعة الأكثر استعداداً وحيوية وتوتراً (65).‏

إن الأسباب الرئيسية لسقوط الدول والأمم والحضارات هي: وجود قيادة ظالمة وقاعدة ساكنة خانعة قابلة بالظلم، واجتماع الترف والحرمان، وتفشي الأخلاق الهابطة، وافتقاد التوازن بين الروح والمادة. إن السقوط نتيجة منطقية لمخالفة شروط الاستخلاف(66)‏

ولتفادي أسباب السقوط، لا بد من الجهاد، بتغيير ما بالنفس باتجاه الالتزام بالقيم الأخلاقية التي جاء بها الدين، والعمل على إتاحة حرية الاعتقاد الإنسان حيثما كان هذا الإنسان.. الجهاد الذي هو مبرر وجود الجماعة الإسلامية في كل زمان ومكان، أو مفتاح دورها في الأرض، وهدفها العقيدي، ومعامل توحدها، وضامن ديمومتها وتطورها.. وبدون هذه الحركة الجهادية، يسقط هذا المبرر، ويضيع المفتاح، وتفقد الجماعة المسلمة قدرتها على التوحد والتماسك والاستمرارية والبقاء"(67).‏

* (وتلك الأيام نداولها بين الناس) ـ آل عمران: 140.‏

* (ذلك أن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم قط حتّى يغيروا ما بأنفسهم) ـ الأنفال: 53.‏

* (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فحق عليها القول فدمرناها تدميراً) ـ الإسراء: 16‏

+ هود: 8. والحجر: 4ـ 5ـ و 24. والأعراف: 34. وآل عمران: 178. والنحل: 61. والرعد، 11، والبقرة: 134 و 286. غافر: 29. الأنعام: 129و 147.‏

12ـ بمثابة خلاصة‏

لقد خلق الله تعالى الكون، ثمَّ خلق الإنسان، وجعله خليفة في إعمار الأرض، ومنحه حرية الاختبار بين البدائل ووسيلة الاختيار التي هي العقل، وزوده بالقدرة على التعلم والفعل والاستيعاب، وسخر له كل الكائنات الأخرى، وأرسل إليه الدين طريقة للعبادة (التي هي الهدف من خلق الإنسان)، شاملة الجوانب المعنوية والشعائرية والعملية، من أجل تحقيق مصلحة البشر في الدنيا والآخرة.‏

وهكذا، فالإنسان (وخلافاً لما تقول به التفاسير الوضيعة للتاريخ)، هو العامل الحاسم في مسيرة التاريخ. أمَّا الفعل الإلهي في التاريخ فيكون إما مباشراً (لتذكير الناس بخالقهم)، ومعاقبة الكافرين)، أو غير مباشر عن طريق الحرية الإنسانية التي هي في مداها البعيد جزء من إرادة الله في خلق الأفعال والأحداث. وليس التاريخ مسرحاً للعبث، ولكنه محكوم بسننية صارمة وثابتة تقوم على المقدمات والنتائج المنطقية، وخضع للصراع الذي يحرك مياه التاريخ (فلا تركد ولا تسكن ولا تفسد)، فيحرك الحياة نحو الأحسن. الصراع الذي هو صارع على مستوى الكون والطبيعة (بين السالب والموجب مثلاً)، وصراع داخلي بين الإنسان والشيطان (الذي هو الجهاد الأكبر)، وصراع خارجي أو تدافع في العلاقات بين البشر ضد أولياء الشيطان (وهو الجهاد). وليس صحيحاً أن حركة التاريخ نتيجة للصراع بين النقيضين فقط (كما تقول التفاسير الوضعية)، ولكنها، أيضاً، نتيجة الاستجابة الداخلية لنداء من فوق هو نداء القيم والمثل العليا.‏

وتبقى الدول والحضارات، وتتقدم، ما بقيت ملتزمة بشروط الاستخلاف. فإذا ما تحللت منها بممارسات معينة (مثل: ظلم القيادة وخنوع القاعدة، واجتماع الترف والحرمان، وشيوع الأخلاق الهابطة، وافتقاد التوازن بين الروح والمادة)، تدهورت وانهارت وهزمت أمام الدول والحضارات الأخرى. ولكنها تستطيع (إذا ما عادت إلى الالتزام بشروط الاستخلاف ابتداء من تغيير ما بالنفس) أن تعود لتمارس دورها في مسيرة التاريخ.‏

* باحث من سورية.‏

(2) التفسير الإسلامي للتاريخ، الدكتور عماد الدين خليل، بيروت، دار العلم للملايين، الطبعة الأولى 1975.‏

(3) المرجع السابق، ص 5‏

(4) المرجع السابق، ص 13‏

(5) المرجع السابق، ص 17‏

(6) المرجع السابق، ص 24‏

(7) المرجع السابق، ص 25‏

(8) المرجع السابق، ص 31‏

(9) المرجع السابق، ص 42‏

(10) المرجع السابق، ص 47‏

(11) المرجع السابق، ص 60‏

(12) انظر: المرجع السابق، ص 72 و 73 .‏

(13) انظر: المرجع السابق، ص ص 74 ـ 77 .‏

(14) المرجع السابق، ص 80‏

(15) انظر: المرجع السابق، ص ص 83 ـ 85‏

(16) انظر: المرجع السابق، ص ص 89 ـ 94‏

(17) المرجع السابق، ص 106‏

(18) انظر: المرجع السابق، ص ص 108 ـ 111‏

(19) المرجع السابق، ص 114‏

(20) انظر: المرجع السابق، ص 116‏

(21) المرجع السابق، ص 117‏

(22) المرجع السابق، ص 191‏

(23) انظر: المرجع السابق، ص 191، 192‏

(24) المرجع السابق، ص 193 و 194‏

(25) المرجع السابق، ص 194‏

(26) انظر: المرجع السابق، ص 197‏

(27) المرجع السابق، ص 207.‏

(28) انظر: المرجع السابق، ص ص 207 ـ 210‏

(29) المرجع السابق، ص 211‏

(30) انظر: المرجع السابق، ص ص 211 ـ 213‏

(31) انظر: المرجع السابق، ص 179‏

(32) انظر المرجع السابق، ص ص 179ـ 180‏

(33) المرجع السابق ، ص 181‏

(34) انظر: المرجع السابق، ص 186.‏

(35) المرجع السابق، ص 187‏

(36) انظر: المرجع السابق، ص 203‏

(37) المرجع السابق ، ص 204 و 205‏

(38) انظر: المرجع السابق، ص 205 و 206‏

(39) المرجع السابق، ص 206‏

(40) انظر: المرجع السابق، ص ص 118 ـ 137‏

(41) المرجع السابق، ص 138‏

(42) المرجع السابق، ص 141‏

(43) انظر المرجع السابق، ص 141 و 142‏

(44) المرجع السابق، ص 148‏

(45) انظر: المرجع السابق، ص 148 و 149‏

(46) انظر: المرجع السابق، ص 149‏

(47) انظر: المرجع السابق، ص ص 231 ـ 233‏

(48) انظر: المرجع السابق، ص 234‏

(49) انظر : المرجع السابق، ص 235 و 236‏

(50) المرجع السابق، ص 237‏

(51) المرجع السابق ، ص 239 ـ 240‏

(52) انظر: المرجع السابق، 241 و 242‏

(53) المرجع السابق، ص 242‏

(54) المرجع السابق، ص 234 و 244‏

(55) انظر: المرجع السابق، ص 244، 245‏

(56) انظر: المرجع السابق، ص 246‏

(57) انظر: المرجع السابق: ص ص 247 ـ 251‏

(58) انظر: المرجع السابق، ص 282 و 283‏

(59) انظر: المرجع السابق، ص 294‏

(60) انظر: المرجع السابق، ص 295‏

(61) انظر: المرجع السابق، ص 297‏

(62) انظر: المرجع السابق، ص 300‏

(63) انظر: المرجع السابق، ص 255‏

(64) انظر: المرجع السابق، ص 259‏

(65) انظر: المرجع السابق، ص 261 و 262‏

(66) انظر المرجع السابق، ص 266‏

(67) المرجع السابق، ص 292‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسية | | صفحة الدوريات | | صفحة الكتب | | جريدة الاسبوع الادبي | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244