|
||||||
| Updated: Monday, December 05, 2005 01:05 PM | ||||||
| فهرس العدد |
|
الشاعر المسرحي ممدوح عدوان في كتابه الجديد (حيونة الإنسان) ارتكاس الخلق والتطور في موازين الحضارة..! ـــ زهير غانم فــــي في قصائد ابن الرومي المدحية واحدة مشهورة على حرف النُّون أنشدها في مدح أبي الصقر إسماعيل بن بُلبل([1])، قال في أوّلها([2]):
واسترسل ابن الرومي في المقدّمة، يُغرِيه: قُدرتُه الفائقةُ على الوَصف، ومذهَبُه في التّفصيل والاستِغراق، ثم انتقلَ إلى الغَزَل انتقالاً لطيفاً، وأطال حتى وصل في البيت الثالث والثلاثين إلى مدح أبي الصّقر حتّى البيت الحادي والسَّبعين وتنبّه معاصرو الشّاعر إلى طول المُقَدّمة، ووقوف الشّاعر فيها عند ألوانٍ كثيرةٍ من المأكول والمشروب والمَنْظُور والمَشْمُوم من جَنى الطّبيعة الجميلة في أبياتٍ رائقةٍ حَسنة. على أنَ بعضهم استغرب ذلك حتّى قال عُبيد الله بن عَبد الله بن طاهر وكان من الرؤّساء آنذاك في محضرٍ من بعض جُلسَائِه: إنّ هذه القصيدة: (دار البطّيخ). ودار البِطّيخ: السُّوقُ الكبيرة للفَواكِه والخَضْرَاوات!..([3]) ولمّا اطّلع أَبُو الحسَن الأَخفش (الصَّغير من بَيْن الأَخافِش)([4]) على القصيدة قال: إذاً يكونُ الوزيرُ أبو الصَّقر ملازماً لدار البِطّيخ([5]). ونُقِلَتْ كلمةُ الأخفش إلى ابن الرُّومي فهَجاه بقصيدة؛ قال الثّعالبي مُعَلّقاً على هذا الجانب من الخَبر: "ثم عاود الأخفش رعونته، فمزّقَ ابن الرومي عرضه بالهجاء في عدّة قصائد"([6]). واشتهرت أَهاجي ابن الرُّومي في الأَخْفَش، وتكرّر نَقْد الأخفش لشِعر ابن الرومي على غير ما يُرْضي الشاعر، ولا يَسُوغ عنده، واسترسل أبو الحسن غير عابئٍ بِغَضبات الشاعر المُتَوالية.. فهذه كلمة في "قضية" نقد الأخفش لابن الرُّومي، وحقيقة أمْرِهَا بمقدار ما نَستطيعُ استخراجَهُ واستنتاجَهُ في بقيّة الأَخبار، وحاضر الأشعار؛ فإن شهرة المَسألة تقتضي وقفةً عندها؛ وهي وقفة تجلو جانباً (ولو كان محدوداً) من حركة النقد الأدبي في القرن الثالث الهجري، وجانباً من العلاقة بين شاعر مبدع، وناقدٍ أو مشتغل بطرف من النقد. (1) نقل المزرباني في الموشّح([7]) خبر قصيدة ابن الرومي هذه، واعتراض عُبَيد الله المذكور، ونقل موقف الممدوح بعد سَماعه القصيدةَ، فقد اعترض على قول ابن الرُّومي([8]):
قال: هَجاني والله!! قيل له: هذا من أحْسَنِ المديح، اسمعْ ما بَعْدَهُ:
فقال: أَنا بِشَيْبَان ليسَ شيْبَان بي! قيل له: فقد قال:
فقال: والله لا أُثِيْبُهُ عَلى هذا الشّعر وقد هَجاني به!! عَلّق المَزْرُبَانيّ صاحب المُوَشّح بَعْدَ هذا كله فقال: "هذا ظُلْمٌ من أَبي الصَّقر لابن الرّومي، وقلّةُ علمٍ منه بالفَرْق بينَ الهِجاء والمَدِيح". ـ ولنا وقفةٌ ـ بعد ـ عند قسمِ المُقَدّمة والغَزل من صَدْر القَصِيدة أيضاً. *** ولم يذكر المَرْرُباني شيئاً من كلام الأَخفش في قصيدةِ ابْن الرُّومي هذه، ولا في غيرها. (2) كان الأخفش من العُلَماء: عُرِف بالنّحو، واللُّغة أَوَّلاً، وكان ابن الرومي شاعِراً؛ وكانَ بينهما من "العلاقة المُضطربة" ـ إن صحّت العِبَارة ـ مثل الذي عَرفنا بينَ الفَرزدق وابن أَبي إسحاق الحَضْرَمِيّ؛ وبَيْنَ ابن دُرَيد ونِفْطَوَيْه، وبين المُتَنَبّي والحَاتِمي؛ فقال المَرْزُباني([9]): "وكان ابْنُ أَبي إسحاق يكثر الرّدَّ على الفَرْزدق" ثم إنّ الفَرَزْدق هَجا الحَضْرَمِيَّ المذكور فقال فيه:
وفي معجم الأدباء في ترجمة نِفْطَوَيْه: "وكان بين ابْنِ دُرَيد وبين نفطويه مُمَاظَّةٌ فقال فيه لمّا صَنّف كتاب الجمهرة:
فقال ابن دريد من أبياتٍ:
وبعض مؤلّفات الحاتمي في المُتَنبي موجودة، وهناكَ مناظَرَةٌ يقول الحاتمي إنّها جرت بينه وبين المُتَنبّي ظَهر له فيها شُفوف عَليه([10]). لكنّ المتنبيّ أَهْمَل هذا الأَديب، واكتفى بردّه العامّ القديم:
وإذا كان الأَخفش قدر مارسَ نَقْداً لشعر ابن الرومي. كما هو معلومٌ من الأَخبار، (وإن لم يصل إلينا من نقده أكثر من بعض اللّمحات من الأخبار)، ومن شعر ابن الرومي نفسه؛ فإنّه ليس بِدْعاً، وإن كان لموقفِه من ابن الرّومي خصُوصيّةٌ نحن في سيبل الكشفِ عنها، وجَلائها على الوَجْه المُستطاع من الأَخبار الباقية والنّصوص. الأخفش الذي ارتبط اسمه ببعض شعر ابن الرومي هو أبو الحسن عليّ بن سُلَيمان بن الفَضْل، المَشْهُور بالأَخفش الأصغر (تمييزاً له عن الأخفشَيْن: الأكبر والأوسط) ويوصف بالنّحوي فقد كان النحو أكبر اهتمامه. مولده سنة 236 ووفاته سنة 315 (أَو سنة 316) فقد ورد أنه عاش ثمانين عاماً([11]). واختلف الحُكْمُ على الأَخفش الأصغر هذا في كُتب التّراجم، فقد نقل ياقوت عن([12]) المرزباني أنّه "لم يكن بالمُتَّسع في الرّواية للأَخبار والعلم بالنّحو" قال "وما علمتهُ صَنّف شيئاً البتّة ولا قال شعراً، وكان إذا سُئل عن مَسائل النّحو ضجر وانتهر كثيراً مَنْ يُوَاصل مسألته ويُتابعها..." على أنّ ابن النديم ذكر له مؤلفات، وهي: كتاب الأنواء، وكتاب التثنية والجمع، وكتاب: الجَراد؛ وهي عند ياقوت: الأَنواء والتثنية والجمع، وشرح سيبويه" وقال إنّه قرأَها بخطّ يد ابن النديم. ورُسم كتابُ "الجراد" هكذا في مطبوعة الفِهرسة، ورُسِمَ في معجم الأُدباء: "الحُداء". ولا أَدري أيّهما المُصَحّف منهما. وذكروا له كتاباً في النّحو هَذّبه أحمد بن جعفر الدِّينوري سمّاه: المهذّب. ـ أمّا ابنُ الرّومي عليّ بن العَبّاس بن جُرَيج فقد ولد سنة 221 ببغداد وتوفي بها سنة 283 (هذا أَوّل اختيار أثْبَته ابن خَلّكان لوفاته؛ ثم أَضاف على الظّن: 284 و276). فالشّاعر والنّحوي مُتَعاصران. ومعلومٌ أنّ الأخفش سافرَ إلى مصر سنة 287 سبع وثمانين ومئتين وبقي خارج العراق إلى سنة 305 خمس وثلاث مئة (خرَج إلى حلب مع ابن بسطام ومكث من 300 إلى 305؛ ثم عاد إِلى بغداد)([13]). فإذا قَدَّرنا أَنَّ الأَخفش تصدّر للإِقراء والتّدريس، وصار ذائع الصّيت وهو ابن 25 ـ 30 سنة فإنّ المدّة المتوقعة الحدوث "الصّدام" بينه وبين ابن الرُّومي ليست بالطّويلة. فالثّلاثون من عمر الأَخفش تجيء سنة 266. فإذا كانت وفاة ابن الرومي سنة 276 فالمُدَّةُ المُقَدَّرة هي عشر سنوات، فإن كانت سنة 283 فالمُدّة نحو 17 سنة تقريباً. وقد كان ابنُ الرُّومي حاضِرَ الحال، مُتَوفِّزَ الهَيئة للردّ على أمثال الأَخفش، جادِّين كانوا أو هازلين؛ فإنّ كثرة الّذين تعرَّض لهم ابْنُ الرُّومي، أو هَدّدهم، أَو حَذَّرهم، أَو هَجاهم فِعْلاً تجعلُ الأخفش الأَصْغر هذا واحداً من جماعةٍ كثيرة. وقد اخْتَلَط الجِدُّ مع الأَخفش بالهَزْل، لكنّ ابن الرّومي لم يكن هَزْلاً، وهجاءه لم يكن خَفِيفاً. فكيفَ كان ما كان؟ وما حَقيقَتُه؟ وأَيْنَ الخَطُّ الفاصلُ بين الجانبِ الاجتماعي الشّخصي من الخُصومة، والجانب الأَدبيّ النّقدي؟ (3) نقل ياقوت في معجم الأُدباء في أَخبار الأخفش([14])، قال: كان ابنُ الرومي كثير الهجاء للأَخفش؛ وذاك أنّ ابن الرومي كان كثير الطِيَرَةِ (التشاؤم) وكان الأخفشُ كثير المزاح، وكان [الأَخفش] يباكِرهُ قبل كل أَحدٍ [من النّاس] فيطرقُ البَاب على ابن الرّومي فيقول: مَنْ بالباب؟ فيقول الأَخفش: "حرب بن مُقاتل"([15]) وما أَشْبه ذلك [من عبارات تُثير في ابن الرّومي نزعة التطيّر والتشاؤم] فقال ابنُ الرّومي يهجوه ويتهَدّدهُ([16]):
وإذا كان هذا الشّعْر هو أَوَّلَ كلامٍ تَناولَ ابنُ الرُّومي فيه الأَخفشَ رادعاً زاجراً أَو لم يكن كذلك، فإنَّ حَدْسَ ابْنِ الروميّ كان صحيحاً، فإنّ الأَمر آلَ إِلى طلبِ الصُّلح على ما سأبيّن. ويُمكن أَن نَرُدّ أَسبابَ الخُصومة إلى: 1) هذا المُزَاح غير المقبول الذي كان يُثيره الأخفش ويُزعج ابن الرُّومي. فإذا كان عمله هذا دُعَابةً في نَظرِه فإِنَّه إِزعاجٌ شديدٌ يسْتحقُّ الردّ عند الشاعر. 2) واستثارَةُ غضبِ ابْنِ الرُّوميّ بالانتقاصِ من شاعريّته. فقد قال الأَخفش لابن الرّومي يوماً: إنّما كنْتَ تدَّعي هجاء َمِثقال فلمّا ماتَ مِثقال انقطع هِجَاؤك! قال [ابن الرومي] فاخْتَرْ عليَّ قافيةً! قال [الأَخفش] على رَوِيّ قصيدة دِعْبل الشّينيّة، فقال قصيدته التي يَهْجُوه فيها، ويُجَوِّدُ حتّى لا يقدر أحدٌ أن يدفعه عن ذلك، ويُفحش حتى يفرط. أَوَّلها([20]):
القصيدة... ووجدتُ خبراً في معجم الشعراء للمرزباني([21]) يوضّح ما نقله ياقوت إشارةً، وفيه؛ في ترجمة مِثقال الواسطي، واسمه محمّد بن يعقوب، "نَزل بغداد واستفرغ شعره مع نزارته في الهجاءِ والرّفث، وكان ابنُ الرّومي في أَوّل أمره ينحله أشعاره في هجاء القَحْطَبِيّ وغيره. وأَخْطَأ محمّد بن داود فيما رَواه لمثقال من أَشعار ابن الرّومي التي ليست في طاقةِ مِثقال، ولا أَحدٍ من شعراء زَمانه أن يقول مثلها غير ابن الرومي…". فالأَخفشُ يتّهمُ ابنَ الرُّومي (حَقّاً أو مُعابثَةً لاستِثَارته) بأَنّ شعره الهجائي لم يكن له، ولكنّه كان لمِثقال، ودليلهُ أنّه انْقطع بوفاة مثقال. وهكذا وُلدت القصيدة: الشّينيّةُ في هِجَاء الأَخْفَش. وسنقف عندها مع شِعره الآخر فيه. 3) إبداء الأَخفش آراءً في شِعر ابن الرومي يَراها آراءً فاسدةً، وأَهواءً تتزيّا بِزيّ النّقد الأَدبي، ومن هُنا كان ابنُ الرّومي يتّهم الأَخفش. ومن ذلك اعتراضهُ على القصيدة، التي مدحَ بها ابنُ الرّومي أَبا الصّقر، قال الثعالبي([22]): ذكر أَبو نَصر سهل المَرْزُبَان في كتابه "أخبار الوزراء" أنّ ابْنَ الرّومي عمل قصيدته في أَبي الصَّقر التي أَوّلها: أَجْنَتْ لك الوجد أغصانٌ وكثبانُ.... فبلغت الأخفش فقال: إذاً يكون الوزير ملازماً لدار البطيخ، فَحُكِيَتْ كلمتهُ لابن الرومي فهجاه بقصيدة... إلى آخر الخبر، وقد أَشرنا إليه. 4) وفي شعر ابن الرّومي ما يدلّ على نقدٍ "سلبيّ" مارَسَهُ الأَخفشُ تطبيقاً على شيءٍ من شعره، ولم يصل إلينا شيءٌ من ذلك النّقد، سوى إشارة الشاعر إليه في بعض شعره، ومنه قوله في الدّالية([23]):
وبعيداً عن الأَبيات الكثيرة التي استطال بها الشاعر الأخفش فإن حُجّة ابن الرّومي أنَّ بضاعة الأَخفش من علم الشعر ونقده بضاعةٌ هزيلة (لا ثعلب ولا أَسد) والتّوريةُ واضحة بالثّعلب أَيضاً. وقَناعَةُ الشّاعر بعدمِ أهليّةِ الأخفش للنّقْدِ زادت من حدّة هُجومه عليه. 5) وفي شعر ابن الرّومي في الأَخفش جانبٌ آخر زادَ من حماسته لهجائه، وهو نكوصُ الأَخفش عن وعدٍ قَطَعَهُ لوجهاء تَوسَّطُوا عِند ابن الرُّومي ليكفّ عن هجائه. ويبدو أَنَّ الأَخفش لم يلتزم ما تعهّد بهِ من كَفّ لِسَانهِ عن ابن الرّومي وشعره، وفي مثل هذا المقصد يقول([24]):
وله في هذه القصيدة:
وقد صدق توقُّع ابن الرّومي، على ما نَقل ياقُوت، وفيه: لمّا سارَ هِجاءُ ابن الرومي للأَخفش جَمع الأخفشُ جَماعةً من الرّؤساء، وكان كثير الصّديق، فَسألوا ابنَ الرّومي أن يكفَّ عَنه، فأَجابه إِلى الصَّفْح، وسأَلُوه أن يَمْدَحَهُ بما يُزيل عنه عارَ هجائه، فقال فيه([25]):
ولنا عودةٌ إلى هذا الموضوع بعد استعراض قصائد ابن الرُّومي فيه. (4) في ديوان ابن الرُّومي 7 سبع قصائد وقطع تَخُصّ الأخفشَ الأصغر: خمس منها في هجائِه واثنتان نُظِمتَا بعد مُحَاولة الإصلاح بينهما. وهذه القصائدُ والقطع هي: 1 ـ قصيدةٌ دَالِيّة أَوّلها([27]):
وآخرها:
وفي بيت الختام تصميمٌ على تأبيدِ ذَمّ الأَخْفش وتخليده؛ وقد جاءت القصيدة في 63 ثلاثة وستين بيتاً، يغلبُ عليها القَدْحُ والثّلب واختراق حاجِز الاعْتِدال إلى الإِسراف الشّديد. ويلفتُ النّظر في القصيدة إشارته إلى "إخوان سَوء" كان يظنّهم عُدَّةً للزّمان الصّعب، وتصميمه على هجائهم مستفيداً من أُسلوب التأبيد أَيضاً:
وتثنيتهُ بهجاء الأَخفش بعد أن حدّثه "مجهول" لم يسمّه بما يقولهُ الأَخفش في شعره:
وابنُ الرّومي يرى أَنّ الأخفش غير مؤهّل أَصلاً، وغَيْرُ قادر على تذوّق شعره وإدراك خصائصه؛ إضافةً إلى ما يَعْتَمِلُ في صدرِ الأخفش ـ كما يقول ابن الرّومي ـ من الغِلّ والحَسَد:
2 ـ وقطعة من بيتين([30]) عنوانها "وقال في الأَخفش"؛ أَوّلهما:
واعتمد في البيت الثاني على تشبيهه بالكلب. وقولُ ابن الرومي "تَعِيْبُ شِعري" فِيْهِ معنى العَيْب العامّ الذي فيه ذَمٌّ أَو ردٌّ أو تَنَقُّص؛ وفيه أَيضاً إشارة إلى النّقد السَّلبي الذي لا يَرْضاه أَو يَعُدّه تآمراً على شعره، وقد قال في البُحتري الذي مَرّت علاقَتُهُ مَعه بالصَّحبة، الخُصومة([31]):
3 ـ وقصيدة شينية أوّلها([32]):
في 61 واحدٍ وستّين بيتاً. وقد هاجَ الأخْفَشُ الشّاعِرَ لإنشاء هذه القصيدة كما نقل ياقوت. فبعدَ أَن شكّك الأخفش في قدرة "ابن الرومي الشّعرية سأَله ابن الرّومي أَن يختارَ قافيةً ينظم عليها فاختار الشين" على رَوِيّ قصيدةٍ لدِعبل، كما أَسلفتُ. وفي القصيدةِ: عَجِب الشّاعِرُ من "نَقْدِ" الأَخفش وسَمّاه "هِجَاءً":
وجعلَ الشّاعر خصمه قوياً (بالأَبْطشِ) لعلاقته ببعضِ ذوي الشّأن من رجال عَصْره، وهذا ثابتٌ في بعض أَخبار الأَخْفَش([33]): 4 ـ وقصيدة ضاديّة من 25 خمسة وعشرين بيتاً، تبدأ بخطاب اثنين يطلب إليهما الشاعر تبليغ "رسالة خاصّة" منه إلى الأخفش([34]):
وفيها تهديدٌ ووعيدٌ، ومطالَبةٌ بالسّيرة المعتدلة من الأخفش ليضمن سلامته من الهجاء، ويركّز على جانب "النحويّ" من الأخفش، كأنَّه يُبعِدُهُ بهذه الصّفة ـ التي تكرّرت في شعره عنه ـ عن صِفَةِ النّاقد، الذي يُعْتدُّ بقوله؛ ومنها:
وفي خاتمةِ القصيدة تأبيدٌ آخر، على طريقته؛ وفيها التهديد المتواصل:
5 ـ وقِطْعَةٌ من 5 خَمسة أَبْيَات بَنَاها على التهكُّم، أوّلها([36]):
ولكنّها غاياتٌ سخيفةٌ: "شركْتَ القِرْدَ في سُخْفٍ وقُبْحٍ"... الأَبيات. (5) وبقي من الشّعر المذكور قصيدةٌ وقطعةٌ نظمها الشّاعرُ في معنى المُصَالحة التي جَرتْ بين الشّاعر والأخفش بعد الوساطة في ذلك، وقد وَرَدَ خَبَرُها في كُتب التّراجم، نَقَل ياقوت([37]) أَنّه: لمّا سارَ هجاءُ ابن الرّومي في الأخفش جمع الأخفش جماعة من الرّؤساء، وكان كثير الصديق فسأَلُوا ابن الرُّومي أن يكف عنه، فأجابه إلى الصّفح عنهُ، وسأَلوه أن يمدحه بما يُزيل عنهُ عارَ هجائه، فقال فيه (القصيدة اللاّمية)([38]) وفي مُنَاسبتها في الدّيوان: "قال، وكان بَلَغه عن الأخفش كلامٌ كرهه فهجاهُ هِجاءً كثيراً فاعتذر إليه الأَخفش، فقبل عُذره وقال فيه..." والقصيدة في 27 سبعة وعشرين بيتاً أَولها:
وقد استجاب الشّاعر لطلب الوُسَطاء فأثنى عليه نَحَوْيّاً:
وأَشار إلى الأَخفش بكلمة "مُقَوّم"([39]):
فاسْماهما وكُنْيتاهما تتشابه: "أَبو الحسن/ عليّ" وأَمَلُه أَن يَغْدُوَ الأخْفَشَ شكلاً له في تلاؤمٍ وتصافٍ؛ ولو تَمّ ذلك لكانَ تقويمُه لشعرهِ مقبولاً أَيْضاً. وأقول: إنَّ هذه المُصَالحة، كما تبدُو من هذه القصيدة، ومن القطعةِ التالية مُصَالحةٌ مشروطةٌ، فقد قال:
ـ والقطعَةُ الثّانية في معنى المُصَالحة من ستّة أبيات عنوانها في الديوان: "وقال في الأخفش بعد ما صالحه"؛ وهي أشدُّ حَذَراً، وفي أُسلوبها حِدّةٌ تفوق ما في القصيدة، فقد بدأها ـ على رغم المُصَالحة المشروطة ـ بالتحذير([42]):
يقول فيها إنّ نَبْلَهُ مُفَوَّقُ، وإنّه مُسْتَعِدٌّ إنْ "هاجت الهَيْجَاء"؛ وإنّ "بدائه شِعره حاضرة" عند أيّ طارئ!.. (6) معلوم أن قصائد الديوان غير مؤرّخة، وشواهِدُ الأَحْوال فيها لا تسمح برأي قاطع في ترتيبٍ زمنيّ مُقْتَرح؛ وإن كانت كتبُ التّراجم تجعلُ القصيدة الشينية بدايةً للمُشكلة بينهما، ولكنّ النار المُتَوهّجة في القصيدة تَدُلّ على أحوالٍ سابقةٍ وتاريخٍ في الخلاف قديم، أَو تسمحُ بمثل هذا الاستنتاج فإنَّ الهجاءَ الفاحش الذي يخترقُ الأَعراضَ بأَلفاظ فاضحة لا يُمكن أن يكون جَواباً عن قبول التحدّي بصناعة قصيدةٍ على قافيةٍ من القوافي الصَّعبة "الشين"؛ على أنّ في القصيدة ما يدل على كلام "سابق" بلغَ ابن الرّومي عن الأَخفش؛ ففي البيت 39 "وقد جاءني أنه ينوش هجائي... البيت"؛ ومعنى ناش: ذكره بسوء([44]). ومن المفهوم المقبول أَن يقول قائل إن هناك قطعاً أو قصائد تتعلق بالخلاف ـ أَو الخصومة ـ بين ابن الرومي والأَخفش قد سقطت من الدّيوان أو لم تقع لجامع شعره. وفي مقدمة تحقيق الدّيوان بعضُ الشّواهد على "فقدان" نُصوص من شعر ابن الرومي، أو ضياعها لأسباب مُختلفة([45]). على أنّ الصّورة العامّة للعلاقة بين الرّجلين صارت واضحة من خلال الأخبار، والأشعار الباقية، وضوحاً يفسّر الأحداث، أو يقرّبها تقريباً شديداً. وإذا كانت أَسباب هجاء ابن الرُّومي واضحةً باعتبار ما يقولُه هو ما يدّعيه على الأَخفش، فإنّنا لا نَمْلِكُ ا لدَّليل المباشر، أو الكلام المَبْسُوط من الأَخفش في شعر ابن الرُّومي؛ وليس هناكَ ما يرشح من الأَخبار الباقية بوجهة نظر مدوّنة لهذا العالم النّحوي اللّغوي الذي تَصدّى لشعرِ أَحدِ كبار شعراء القرن الثّالث (ابن الرُّومي) والذي يُعَدّ أحياناً خَيْرَ شُعراء زَمانِه؛ ونقرأ لأستاذنا الدكتور شوقي ضيف: "والحقّ أنّه كان شاعراً بارعاً، بل لا أشُكّ في أَنه أبرع شعراء العصر"([46]). ويصح أن نطرح سؤالاً تساعدنا الإِجابَةُ عنه في فَهْم شيءٍ عن الموقف بين الشّاعر المُبدع الّذي اخْتَار طريقَ الحَداثة، وعَمّق هذا التيّار ببراعته ومقدرته وخياله وقُدرته على الاستقصاء والتّصوير، وبينَ النّحوي اللّغوي الذي مارس (أَو شاركَ في) النّقد الأَدبيّ في مَجالِسه، ومُحَاضراته وإن لم يُذْكَر لَهُ كتابٌ في النّقد، ولم تُنقل عنه آراءٌ تطبيقيّةٌ على شعر ابن الرّومي أَو غيره... هذا السؤال هو: أين نَضعُ الأخفشَ في حركة النَّقد في القرن الثالث؟ وهل كان هناك تَيّارٌ هو مِن أَتبّاعه أَو: أُستاذٌ هو من أَنصاره؟... شهدَ القرنُ الثّالثُ حركةً نقديّةً مُهِمّة، وهو عند المؤرّخين بداية النّص الموضوعي عند العَرب، وشارك في هذه الحركة أُدباء، وشُعراء، وعلماء من أهل النحو واللّغة. وظهرَ النّقد في أَثناءِ مؤلّفات أَدبيّة وثقافية عامّة، كالبَيان والتبيين للجاحظ والكامل للمبرّد؛ أَو في مقدّمات بعض الكُتب كَطبقات فُحول الشعراء لمحمد بن سلام الجحمي والشّعر والشعراء لابن قُتيبة، كما صَدَر كتابٌ عليه اسم "ثعلب" أحد أئمة اللغة والنحو اسمه: "قواعد الشعر" وصدرَ كتابُ "البديع" لابن المعتزّ، إِضافةً إلى نَثراتٍ في أثناء كتابه: طَبقات الشّعراء... وكان الأخْفَشُ تلميذاً للمُبَرّد، وكان المبرّد من عُلَماء اللّغة والنحو في الاعتبار الأوّل؛ وعلى رغم عطفه على الشّعر المُحْدَث إذْ قدَّم اختيارات منه، كان مَيّالاً إلى مَذْهَبِ العَرب، وكان يفضّل البُحتريّ، فَهُوَ قريبٌ من النّهج القديم ويأخذ بما عُرِفَ بَعْدُ بعمود الشّعر؛ غير أنَّ الصّلة بين المُبرّد وبين الشعر المُحدث "لا تتجاوز مجالَ العَطْف كما عبّر د. إحسان عَبّاس([47]). وفي الدّيوان ـ بمناسبة الكلام على المُبَرّد والبُحتري([48]) ـ شعرٌ لابن الرّومي في الرَّجُلَيْن فهناكَ قصيدةٌ واحدَةٌ في الثّناء على المُبَرّد، واستعطافهِ والاستعانةِ به وقد سأله فيها "أن يُحْسِنَ مَحْضَرَهُ عند صاعد"([49]) وأَوَّلُها:
يقول فيها عن المبرّد (محمد بن يزيد الثّمالي):
إلى أن يقول:
فالعلاقَةُ طيبّةٌ، و الأَمل معقود بالثّمالي. لكنّ الموقفَ يختلفُ في نصٍّ جاء على هيئةِ قطعةٍ من خمسةِ أَبياتٍ فيها إقذاعٌ شديدٌ، أَضْرِبُ صَفْحاً عن الاحتجاج منها بشيء([51]). وقد سكتت الأَخبارُ عن أَسباب انبعاث الهجاء بعد الصَّفاء([52]). وليس بعيداً أن يكون هناكَ سببان: شخصيّ: (كعدم إنجاح رجائه عنده)؛ وفنّي يتعلّق بموقف المُبَرّد من ابن الرومي (والشّعر المحدث) وانحيازه إلى البُحتري الذي انقلب إلى خصم مع ابن الرّومي كما أشَرْتُ من قبل. وقد اتّهم ابنُ الرومي البُحتريَّ بسرقة شعره: (قال مخاطباً العَلاء بن صاعد([53]) الذي أمَّن الطّرق من اللُّصوص):
واتهّمه بـ (عَيْبِ شعرِه) وهي عظيمةٌ من العَظائم عند ابن الرّومي كما قرّرنا. ويُضاف إلى النّاحية الفنيّة الّتي أَثارت ابن الرّومي أَنَّها لم تَعُدْ مقصورة على شخصي الشاعرين: البُحتري وابن الرّومي، ولكنّها تجاوزت ذلك، وأَنّ المنافسة بينهما امتدّت، "وانقسم الأُدباء قسمين: قِسْماً هو الأكثر لما كان يُؤازره من اللّغويّين وهم أنصَار البُحتري، وقسماً مقابلاً هو أنصار ابن الرُّومي، وفي مقدّمتهم: عُبَيد الله بن عبد الله بن طاهر....([54])". وكان المُبرّد من أَنصار البحتري ضد ابن الرومي: "وتَبِعَهُ تلميذه الأخفش في هذا التعصّب([55])، ولم يكتف ( الأخفش) بإعلان رأيه في شعره ونقده "فقد كان يأتيه من قبل تَطَيُّرِه..." وقد سبَق هذا في فقرات سابقة من هذا البحث. ويَصِحُّ بعد هذا أن نقول إنّ القضية الشّخصية بين ابن الرّومي والأَخفش كانت موجودةً من استثارته، وتهييج تطيّره، ولكنّ القضية الفنيّة هي المحرّك الأكبر لهذا الغضب من الشاعر على "نقد" الأخفش، ويؤيّد ذلك المفردات والعبارات المتعلّقة بذلك، ابتداءً من مادة ( ن ق د ) وفروعها، وكلّ ما يدخل تحت ظلّها من عبارات وكلمات وإشارات؛ ويدعم ذلك أيضاً "تجهيل" الأَخفش والانتقاص من ملكاته وخبراته، وتحقير آرائه ومُطالعاته في شعر. وقد امْتَزج ذلك كلّه بحدّة وشدّة، وقساوة ومرارة. وحظي الأخفش بتشبيهات مختلفة وصفات كثيرة؛ ولكنّها ليست من الصّفات الحميدة أو المقبولة. ولا ضرورة للإكثار من الشّواهد الدالّة على ما نذهبُ إليه؛ فقد اشتهر ابنُ الرُّومي بانتهاك الأَعراض، واستسهال إطلاق الأوصاف، وعَقْدِ التّشبيهات، وهذه في حال الأخفش تتناولُ الكلابَ والقِرَدة، والبَهائم جُملة".... وكان لابدّ، لهذا الشّاعر، من أَن يُصادفَ رَجُلاً فاقدَ الصَّبر، أو مَيّت القلب فَيعاقبُه على جَنى لِسَانِه، وقد كان؛ كما هو مَشهورٌ في خَبرِ وفاته([56]). (7) تفَاعَل شعر ابن الرّومي الذي ذكر فيه الأخفش أو توجهّ به إليه "قضية" الخلاف بينهما. وهو خلاف بدأه الأخفش، بدليل بعض الأخبار التي وردت في البحث، ودليل شعر الشاعر نفسه. ويلاحظ أنّ ابن الرومي أَغْفَل تَصَرُّف الأخفش الشّخصي، وهو استثارَتُه بعبارات وأَلفاظ تهيج فيه نزعة التّطيّر والتشاؤم. وكأنه ترك ذلك لما هو أكثر أهميّة. فشخصه وإن كان مهمّاً فإنّ القضية الأُولى عنده عند شعره، وشاعريّةُ، وثقافته. وهو يعتدّ بذلك كله ويحرص على نقائه وصفائه. ونقرأ في إحدى قصائده (وهي قصيدة مصالحة مع الأخفش) مُنَوّهاً بأصْلِه وثقافته([57])
فهذه جوانبُ ثقافيّة، وفكريّة يعتدّ ابن الروّمي بها تُضَافُ إلى أَصله الرُّومي الذي يَعتزّ به، ومواقفه التي يفتخرُ بالوُقوف عندها. ولا يغيبُ عن البال أنّ الشاعر كان مُثقّفاً ثقافةً عالية، وكان على رأي المُعتزلة المعروفين بسعة الثقافة ووضوح المَواقف من قضايا مهمّة في الدّين والحياة([58])؛ ومن شعره([59]):
ـ واعتدادُه بشعرهِ شديد؛ ونقرأ في الداليّة([60]):
هكذا يقول ابنُ الرُّومي. ومَنْ نَظر هذه النظرة إلى نِتاجه استَقْتَل في الدّفاع عنه، وفي الهُجوم على خُصومه...، وقد قال في القصيدة نفسها إنّه تجاوز في شاعريّته: عَبَدة بن الطبيّب، وعَلْقَمة الفَحل (كناية عن فحول الشّعراء):
ومن جهة أخرى فإن الأخفش، كما يقول ابن الرّومي، ليس بشاعر وليس برواية للشعر، إن هي إلاّ دفاتر لا حَيويّة فيها([62]):
وهو جاهدٌ، لا يزيد عن المعرفة بالنحّو وقد ذكره عنده الصِّفةِ وَحْدَها في شعره الهجائي، وفي شعره التّصَالحِيّ أيضاً([63]). والأخفشُ يدَّعي المعرفَة بالنّقد والنقّاد، ولا حقيقةَ وراء ذلك، إنْ نَقََدَ الشعّر فهو "مُبين العمى" إذا انتقده([64])! وانطلق ابنُ الرّومي في الهُجوم على الأخفش ـ بعد تجريده من مُؤهلات الأَديب، والشاعر، والنّاقد ـ ليصفه بكلّ ما يخطر على باله من صفات الجَهْلِ والمرواغة. فلّما استقرّ للشاعر ذلك، كما يرى، التفت إلى الأخفش يتهدّده ويتوعّده بإبراقٍ وإرعادٍ، ويُحذّره من صَواعقِه، وقوافيه (الهجائية)، ويجعل من نَفْسِهِ ـ بمواهبِه ـ سلاحاً فتّاكاً ضدّ الأَخفش، فإنّ للحِلْمِ حُدوداً ينتهي عندها... وفي هذا المعنى يقول ـ مثلاً ([65])ـ:
فهو يَبري خصمه، ويؤذيه بشوكه الذي يشبه شوكَ القَتاد الصعب الذي يَسيْتَعصي على الاستخراج من مغارزه ومَغارسه.... والشَّواهِدُ كثيرة، يكفي ما أَشَرنْا به منها. أمّا الإفحاشُ في الهجاء والقَوْل في الخصُوصيات، والخوضُ في الأعراض فهو أكْثَرُ ما اقتصَّ به الشاعِرُ من الأَخفش. ومن هذه الملامح، وخُصوصاً من المَلَمح الأخير: جَمَعَ الأخفشُ بعضَ ذوي الشّأن، وهادَنَ ابنَ الرُّومي أَوْ صالحه. ولهذا الرغبة من الأخفش تدلّ على الأثر السّيئ لشعر ابن الرّومي فيه، وطلبه السَّلامة من لسانه. ومن هنا أُوَجّهُ الخبرّ الذي ورَدَ عند الزّبيدي الأندلسي، وابن خلكان، ففي طبقات النحويين واللغويين بعد خبر هجاء ابن الرّومي للأَخفش "فكان الأخفش يستعملُ حِفظ هجائه، ثم يمليه في ما يُملي من الأخبار والأشعار على ِأصحابه. فلمّا رأى علي بن العَبّاس (ابن الرّومي) أنّ الأخفش لا يألم لهجائه أقصرَ عنه" وتوجيهه أنّ هذا كان ـ إن وقع ـ في شعرٍ ليس فيه فحش وإقذاع (كالذي بين أيدينا من هجاء ابن الرومي للأخفش) فلّما أسرف وأفحشَ لجأ إلى طلب المُصَالحة كما بيَّنا في هذا البحث. وأنا أميلُ إلى تحليلٍ مُهمّ ورَدَ في مصدر ثمين يلي بَيانهُ. (8) في كتاب الدَّلجي: "الفلاكة والمفلوكون" فصلٌ فيه تحليل لمواقف بعض المَفْلُوكين الذين: "يَسْتَرْوِحُوْنَ ويَتَنَفْسُونَ" بالأقْوالِ، لأنّ في الكلام راحةً وفَرَجاً. وهذه عبارته في مقطع من الفصْل، موصولة بكلام يصحّ النظر فيه عن الأخفش وعلاقته بابن الرومي([68]): قال: "اعلمْ أنّ الفلاكةَ إذا اسْتَوْلَتْ على شخصٍ وسَلَبَتْهُ القُدرة على الأفعال انتقل إلى الاسِتْرواح والتنفّس بالأقوال، وذلك لِما أنّ في الكلام راحةً وفرَحاً وتنقيصاً من ألم الباطن. ولذلك قلّما يطيق كتمان الأسرار إلا الواحدُ الفذّ. وكذلك أيضاً قلّما يطيق الإنسان استدامةَ أقوال تخالف ما في باطنه بل لابد له من فلتاتِ مُطابقة لما في باطنه، لما أنّ النفس بطبعها تطمح إلى طلب الراحة والاستلذاذ بحسب المقدور. وإذا اتّضح أنّ في الأقوال تنفساً وراحةً ولذة وتنقيصاً من آلام الباطن وضحت الحكمة في انتصاب المفلوكين خطباء وشعراء وحكماء: فمّرةً يُسَلّون أنفسهم بترجيح الكمالات النفسانيّة على الكمالات المادّية بالأدلة الخطابيّة والتشبيهات الشعريّة، ومرّةً يذكرون عوارضهم اللازمة بمقتضى الفلاكة. ويصوغون عنها أعذاراً وحكمةً وتشبيهات رائقة وكلمات فائقة تنقيصاً من قبح صورتها، وليشغلوا الناس بما أوردوه فيها من محاسن الكلام عن الفكرة في صورتها الشنيعة، ومرة يسابقون إلى ذكر نقائصهم ويجعلونها رقة أدبيّة أو نكتة شعرية أو كلمة هزليّة قبل أن يذكرها غيرهم عنهم ليصرفوا الناس عن الاشتغال بها لأن النفوس تكره المُعَاد. ولذلك قيل في الأمثال "أقبحُ من مُعَاد" وليكون ذلك أخفّ على نُفوسهم لِما أَنّ الشخصَ لا يتأنّفُ من نفسه ما يتأنفّه ممن غيره، ولا يثقل عليه كلامُه ككلام غيره. حُكِيَ أنّ الأخفش الصغير كان يحفظُ الأهاجي التي هجاه بها ابنُ الرومي، ويُوردها في جُملة ما يوُرده. والحكمةُ فيه ما ذكَرْتُهُ لا ما ذكره ابن خلّكان في تاريخه من أنه كان يقول: أنوّه بذكري بها. فإنّ ذلك إنْ قال الأخفش فقوله غطاءٌ على المعنى الحقيقيّ([69])". احترس الدّلْجي سليمٌ في قوله: "فإنّ ذلك إن قاله الأخْفَش". وإذا صح أنه قال ـ وبهذا جاءت الأخبار ـ فإنّ احتمال وجود نُصوص أُخرى لابن الرومي في الأخفش واردٌ كما بينتُ في ما سبق. ومن هنا يكون الأخْفَشُ قد احْتَمل الشاعِرَ في بعض شعره، فملا كَثُرَ الهجاءُ واشتدَّ طلبَ المصالحة. ويبقى حكم الدَّلْجِي صحيحاً في تحليله الذي يَدْخُلُ في العصر الحديث في الدراسة النّفسيّة "على المنهج النفسي الذي أفاد منه العقّاد في دراسته لابن الرومي. وعبارة ابن خَلّكان التي اطّلع عليها الدّلجي في مَعْنى عبارة الزّبيدي الأندلسي، ونصَّها في وفيات الأعيان: "وكان الأخفش يحفظها، ويوردها في جُملة ما يورد استحساناً لها، وافتخاراً بأنّه نوّه بذكره إذْ هجاء" وزاد بعدها "فلّما علم ابن الروّمي بذلك أَقْصَر عنه([70])". لقد جَعل ابن الرُّومي الهجاء الذي يصل إلى الإقْذاع وانتهاك الأعراض وسيلةً للردّ على النّقد: نقد الشعر خاصّة.. نعم لقد كان ابنُ الرّومي مسبُوقاً بالفرزدق وغيره ممّن ينظم القطعة والقطعتين، والبيت والبيتين؛ ولكنّ ابن الرومي تجاوز ذلك كلّه، وصار ظاهرة أو "قضية" تدخلُ في الأدب والنقد، وتوضع في حُسبان الذّين يؤرّخون للحركة النّقدية، وإن كانت قضيةً جُزئيةً أو محدودة ويظهرُ لي أنّ المعركة بين الرَّجُلَين هَدأت بكفّ الأخفش عن ابن الرُّومي، فإنّ الأخفش هو الذي تأذّى بين طُلاّبه، وأصحابه من ذلك الهجاء الفاحش. وتحلّي الأَخفش بالصبّر وسعة الصّدر ينتهي عند حُدود الإزعاج، وسيرورة الكلام القبيح الذي كان يسيرُ ويشيعُ، ويتلقَفُه الكبير والصَّغير، ويكون مادّة للسَّمَر والسّهر عند عِلية القوم وعامّتهم على السَّواء... أمّا ابنُ الروُّمي فلم يكن الأخفشُ هَمّه الأَوّل في حَياته المُضطربة الصَّعبة، ولا هَمّه الأخير...! خلاصة البحث ونتائجه شهد القرن الثالث الهجري امتداداً واسعاً لتيّار الشعر المحدث الذي أَبْرزَ شخصية أبي تمام الطائي (توفي 231هـ) في الوقت نفسه الذي استمر في تيّار الشّعر التقليدي، وكان أيضاً مجالاً لحركة نقدية متطوّرة مارس النقد فيها شعراء وأدباء، وعلماء، ولغويّون ونحويون، ومن وراء تخصصاتهم الدقيقة خلفيّات فكرية وثقافية متنوعة. والدّراسات والبحُوث التي تتناول جوانب جديدة تخصّ القضية الأدبية والنقدية ممّا أهْمَلَهُ الدارسون أو تجانفوا عنه: تقدّم فائدة أو إضافة أو إنارة، وربّما صوّبت أو صححّت أو عدّلت من آراء أو أحكام سابقة. ـ من رجال هذا العصر القرن الثالث الشاعر المبدع علي بن العباس (ابن الرومي) واللغوي النحوي علي بن سليمان (الأخفش الأصغر) الذي يُعَدّ ثالث الأخافش. وكان بين الرجلين لقاءات ومطارحات؛ ووضع الأخفش شعر ابن الرومي على المحكّ، وجهر بنقده. وردّ ابن الرومي عليه، معتمداً على طريقته وأسلوبه. ـ كان الأخفشُ تلميذاً للمبرّد والاتجاه اللغوي المَيّال إلى الشعر العربي التقليدي، وكان كأستاذه المبّرد من أَنصار البحتري (الذي آلت علاقته بابن الرّومي إلى الخصومة) ومن هنا كان مَيّالاً عن شعر ابن الرّومي ومذهبه الفنّي. وكان الصّدام بين الرجلين متوقعاً، فالموقفُ بينهما مهيأ للاختلاف فإذا عرفنا شخصيّة ابن الرّومي الشديدة التّعقيد (والحساسية والإعجاب بالذات والهُجومية) قدّرنا أنّ الاختلاف سيؤول إلى صِدام شديد. ـ تحدّى الأخفشُ ابنَ الرّومي في قُدرته على شعر الهجاء واختار وزناً وروياً مُعَينّاً وأنشأ ابن الرومي الشعر المطلوب، ولكنه حشاه بشيء من الهجوم، والهجاء وأعلن الأخفش نقده لشعر ابن الرومي وانحرافه عن مذهبه الفنّي، فازداد تطاير الشر، من النار المُلتهبة. ـ اتّضحت المَواقف بين ناقد "محُافظ" وشاعر "حَداثي" (بالمقاييس الشائعة آنذاك) واستمر هجوم ابن الرومي الذي لم يكتف بقطعة أو قصيدة، حتى طلب الأخفش الصُّلح وقدّم الوساطة. ـ جاءت أشعار ابن الرومي في الردّ على الأخفش مزدحمة بعبارات الهجاء المُرّ وألفاظ الانتقاص المُحرجة، لكنّها عبّرت عن موقفه من نقد الأخفش مع استعراض لبراعته في فنّ الشع. ـ يتعمّق هذا البحثُ في شعر ابن الرومي في الأخفش ويفصّل في جوانبه المختلفة، ويركز على قضية النقد وإشكالاتها بني المبدع والقارئ الناقد: مما يضيف إضاءات جديدة تدخُل في معطيات الحركة النقدية في القرن الثالث الهجري. ـ يؤكّد البحث فائدةَ المنهج النفّسي في دراسة شعر ابن الرّومي وفي معالجة (الحال التي تأزّمت طويلاً بين شاعرٍ وناقدٍ من تلك المرحلة من حياة الشعر من جهة والنقد الأدبي من جهة أخرى. ـ ينبّهُ البحث على اتّساع الاهتمام النقّدي في هذا العصر ليشمل نفراً غير قليل من المُشتغلين بالأُمور العامّة من الوزراء والرؤساء والإدارييّن وغيرهم... ـ ينبّه البحثُ على اتّساع الاهتمام النّقدي في هذا العصر ليشمل نفراً غير قليل من المُشتغلين بالأمُور العامّة من الوزراء والرؤساء والإداريّين وغيرهم... ـ يفتح البحثُ البابَ، من خلال مُعطياته وإشاراته، لبحوث أُخرى تعالج جوانب قابلة للبحث والدَّرس، واعدة بإضافات وإضاءات في التيارات الأدبية والمذاهب النّقدية من ديوان ابن الرومي نفسه، ومن شعراء آخرين كالبحتري وابن المعتزّ وعليّ بن الجهم ودعبل الخُزاعي وغيرهم من أعلام هذه المدّة. ـ يقدّم البحث صُورةً مُوَضَّحَةً لإشكاليّة العلاقة بين الأدب والنّقد، ومثالاً للصّلة بين التيار الذي يُهيمن عليه اللغويون والنحويون وأنصارهم الذين أسهموا في حركة النقد، وتطويرها، وقد كان الأخفش منغمساً فيه، تابعاً له؛ وبين تيار الشعر المُحْدَث، وكان ابن الروّمي امتداداً له، وشخصيّةً بارزةً فيه. ـ والبحث: يفتحُ نافذةً جديدةً على قِطْعٍ من شعر ابن الرّومي، أحد كبار شعراء العصر العبّاسي، وأحد ممثلي التيار الجديد في القرن الثالث.... //// في المصادر والمراجع: ـ إرشاد الأديب إلى معرفة الأريب (معجم الأدباء) ياقوت الحموي ـ دار المأمون/ مكتبة عيسى البابي الحلبي ـ القاهرة 1355 ـ 1936. ـ إشارة التعيين في تراجم النحاة واللغويين ـ عبد الباقي اليماني ـ تحقيق عبد المجيد دياب ـ مركز الملك فيصل للبحوث والداسات ـ 1406 ـ 1986. ـ إنباه الرّواة على أنباه النحاة ـ علي بي يوسف القفطي ـ تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ـ دار الكتب المصرية 1369 ـ 1950. ـ تاريخ الأدب العربي ـ العصر العباسي الثاني ـ د. شوقي ضيف ـ دار المعارف بمصر ـ ط3 ـ 1973. ـ تاريخ الأدب العربيّ ـ ج2 ـ د. عمر فروخ ـ دار العلم للملايين ـ ط1. ـ تاريخ النقد الأدبي عند العرب ـ د. إحسان عباس ـ ط1 ـ دار الأمانة، مؤسسة الرسالة ـ بيروت 1319هـ ـ 1971م. ـ "تراث" مجلة تصدر في أبو ظبي عن مركز زايد للتراث. ـ ثمار القلوب في المضاف والمنسوب ـ الثعالبي ـ تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ـ دار النهضة مصر 1384 ـ 1965. ـ ديوان البحتري ـ تحقيق حسن كامل الصيرفي ـ دار المعارف بمصر ـ 1963. ـ ديوان دعبل الخزاعي ـ جمع وشرح د. عبد الكريم الأشتر ـ مجمع اللغة العربية بدمشق ط1 . ـ ديوان ابن الرّومي ـ د. حسين نصار ـ دار الكتب المصريّة ـ 1393هـ ـ 1973م. ـ ديوان أبي الطيب المتنبي (التبيان) ن مصطفى السقّا ـ نشر مصطفى البابي الحلبي ـ القاهرة. ـ ابن الرّومي حياته من شعره ـ عباس محمود العقاد ـ كتاب الهلال ـ مصر 1388 ـ 1969. ـ يوم دار الخلافة ـ هلال بن المحسن الصابي ـ تحقيق ميخائيل عوّاد ـ دار الرائد العربي ـ بيروت؛ 1406 ـ 1986. سير أعلام النبلاء للذهبي ـ حقق بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط ـ مؤسسة الرسّالة ـ دمشق، 1401هـ ـ 1981م. ـ طبقات النحّويين واللغويين ـ الزبيدي الأندلسي ـ تحقيق محسن أبو الفضل إبراهيم ـ دار المعارف بمصر ـ 1392هـ ـ 1973م. ـ الفلاكة والمفلوكون ـ أحمد الدَّلجي ـ مطبعة الشعب ـ القاهرة ـ 1322 هجرية ـ معاهدة التّنصيص ـ العباسي ـ محيي الدين عبد الحميد ـ المكتبة التجاريّة ـ مصر 1367 ـ 1947. ـ معجم الشعراء ـ المرزباني ـ تحقيق عبد الستار فرَّاج ، 1379 ـ 1960 ـ عيسى البابي الحلبي. ـ الموشح (مأخذ العلماء على الشعراء في عدة أنواع من صناعة الشعر) المرزباني ـ تحقيق علي البجاوي ـ دار النهضة مصر ـ 1965. ([1]) أبو الصقر إسماعيل بن بلبل الشيباني: أَحد الشّعراء والبُلغاء والأجواد المُمَدّحين، وَزَر أكثر من مرّة، وكان ضحيّة نكبةٍ من نكبات المعتضد العباسي (ولد 230 وتوفي 278) سير أعلام النبّلاء 13: 201 وانظر مصادره ثمّة ([5]) لم أر أحداً: ذكر صلةً بين قول ابن طاهر وقول الأخفش في صفة القصيدة بدار البطّيخ. على أنّ عبيد الله كان من أهل الأدب والشعر والسّياسة وله مؤلّفات (توفي سنة ثلاث مئة عن سبع وسبعين سنة) انظر سير أعلام النّبلاء 14: 62، ومصادر ترجمته ثمة. ([8]) الأَبيات في الدّيوان 6: 2425 وأرقامها من القصيدة على التسلسل 86، 87، 89، 90. وترك المرزباني البيت 88، وهو:
([10]) انظر ـ مثلاً ـ تاريخ النقد الأدبي عند العرب د. إحسان عباس (ط1) الفصل الذي عقده للمعركة النقدية حول المتنبي ابتداء من 252. وانظر خاصة ما كتبه عن كتاب الحاتمي: الرسالة الموضحة في ذكر سرقات المتنبي وساقط شعره: 263. ([11]) وكان الأخفش كما حلاّه أكثر من مؤرخ: نحوياً لغوياً؛ روى عن المبرّد وثعلب وغيرهما. وترجم له الدَّلْجي في المفلوكين (ولنا في متن هذا البحث كلامٌ في ذلك). وانظر وفيات الأعيان 3: 301 ومصادره، وسير أعلام النّبلاء: 14: 48. ([13]) في ترجمة الأخفش عند الزبيدي الأندلسي (طبقات النَّحويين واللغويّين: 116): "قَدِمَ أَبو الحسن الأخفش مصر سنة سبع وثمانين ومئتين، وخرج عنها سنة ثلاث مئة إلى حلب مع أحمد بن محمد بن بسطام صاح بالخراج...". ([15]) في طبقات النحويين واللغويّين للزّبيدي: (115) "وكان الأَخفش قد أُولع باعتراض ابن الرُّومي في مَخارِجهِ بما يتطيّر به، فربّما صَرَفه بذلك عن وَجْهِه، وربّما دقّ عليه الباب، فإذا قال: مَنْ أنت؟ قال: الشّؤم والبَلاء!! فلا يبرحُ عليّ بن العبّاس يَوْمَهُ ذلك. فلما شقّ عليه ذلك هَجاهُ فأقذع في هجائه... الخبر". ([17]) كذا في إرشاد الأريب "قل لنحويّنا" ورواية الدّيوان: "قُولا لِنَحْوِيّنا.." وهي الصَّواب، فالبيت من المُنسرح. وفي الديوان: "إنَّ حُسَامي" في الشّطر الثاني. ([20]) القصيدة في الدّيوان 3: 1247. ـ قلت: قصيدة دعبل المشار إليها ضائعة. ولم يُثبت جامع ديوانه: (طبعة مجمع اللّغة العربية بدمشق) غير قطعة واحدة على رويّ الشين المفتوحة؛ ليست من عروض قصيدة ابن الرّومي ولا علاقة لها. ([26]) ولا يغيبُ عن القارئ المتابع الجانِبُ النّفسي في إعراض ابْنِ الرّومي عن الأَخفش "القديم"، واستقبال الأخفش "الحديث". ولولا فصْلُه بين "الشخصيتيّن" لما تَجرَّعَ هذا المُصالحة التي سيتبيّنُ أنّها على خشيةٍ وحَذرٍ وريبة. ([28]) في الديوان: "على مبين العمى إذا انتقده" قلت: والمحفوظ قبل طباعة الدّيوان كاملاً: "على مُبِين العمى إذ انتقده"؛ وله وجهٌ حسنٌ؛ ولعلّها أَولى بمراد الشاعر. ([29]) قوله: "لا خَفّف الله عنهُ من حَسدي" يدعو عليه بأن يزيد حَسده لكي تزيد حَسْرَتُه، ومثله قول الشاعر:
([31]) ديوان ابن الرّومي 1: 272، وقدّم لها جامع شعره بهذه العبارة: "وقال في البحتري، وهي قطعة من قصيدةٍ ما وقع إلينا منها غير هذا... إلخ". ([33]) من أخباره أنّ إبراهيم بن المدبّر سأل المبرّد أن يرشح له رجلاً يجمع إلى تأديب ولده الاستمتاع بإيناسه ومفاكهته فرشّح له تلميذه الأخفش (إرشاد الأَريب 13: 255). ([43]) "حَذارِ" اسم فعل أمر من الحَذر. ونَظارِ: على قياس حَذارِ: يَطْلُب من الأَخفش التفكّر والتدبّر (قبل إخلاف الوَعْد ونقصِ المُصَالحة) والعُرَام: الشدّةُ والشراسة. والرِّجْزُ: العَذاب.
فقد "هجاه" كما في عبارة ابن الرومي، والمُرَاد أَنّه تعرّض لشعرِه بنقدٍ يذكر عُيوباً أو انتقاصاً، أو يبدي رأياً لا يرضى الشّاعر عنه. ([48]) "عزم البحتري على أن يعمل قصيدة على وزن قصيدته الطّائيّة في الهجاء فنهاه عن ذاك لأنه ليس من عمله" أضاف العقّاد: فإذا كان بينهما اقتباسٌ أو معارضة فالبُحتري هو المقتبس وهو الراغب في المعارضة.." ثم قال "إنهما نمطان متباينان ولكل منهما اعتدادٌ بنفسه يكفيه ويغنيه" ابن الرّومي 211 ـ 212. ([52]) انظر القسم 3 من هذا البحث، الفقرة ذات الرّقم 5؛ وقد قال الشاعر:
([53]) كان العلاءُ بن صاعد، وأَبوه صاعد بن مَخْلد ممّن تولَّوا الأَعْمالَ الإداريّة في الدَّولة العَبّاسيّة؛ منها الوزارة (سِيَر أَعلام النّبلاء 13: 326، رسوم دار الخلافة 130 وتاريخ ابن الأثير مواضع متفرقة) وصاعد وابنه من ممدوحي البُحتري. انظر ص 53 من الجزء الأَول (مثلاً) من ديوان البُحتري. ([56]) في وفيات الأعيان (3:361) في ترجمة ابن الرّومي: "وكان سبب موته، رحمة الله تعالى، أن الوزير أبا الحسين القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب وزير الإمام المعتضد كان يخاف من هجوه وفلتات لسانه بالفحش ندسّ عليه ابن فراس فأطعمه حشد كنانجة مسمومة" وهو في مجلس فلما أكلها أحَسّ بالسمّ فقام، فقال له الوزير: إلى أين تذهب؟ فقال إلى الموضوع الذي بعثتني إليه، فقال له: سلّم على والدي! فقال: ما طريقي على النّار! وخرج من مجلسه وأتى منزله وأقام أياماً ومات....". ـ والخبر فاش في كتب التراجم والأخبار ([58]) "نال ابن الرومي طرفاً صالحاً من علوم العربيّة كاللغة والنحو والأدب، ومن المعلوم العقلية والطبيعية، كما أَلمّ بأخبار الفلاسفة وبعلم الكلام" تاريخ الأدب العربي للدكتور عمر فرّوخ 2: 340. ونقرأ للدكتور ضيف إنّ اعتزل ابن الرومي المبكر أدّاه إلى أن "يتمثل جميع الثقافات في عصره فلسفية وغير فلسفية..." تاريخ الأدب العربي: العصر العباسي الثاني: 313. ([59]) ديوان ابن الرومي 6: 2491، وفيه "لهني" قلت العرب تقول: علمت عنّك منطلق، أي أنك. وكتبه العقاد "كلا لأنيّ...". قال العقاد (186) وأما الاعتزال فابن الرومي لا يكتمه..."... ([66]) فكرة البيت موصولة يَبرْي السَّهم ورَيْشِه. فالقِدْحُ أَوَّل ما يُقْطَعُ يُسَمّى قِطْعاً، ثم يُبرى فَيُسمى: كريّاً، فإذا قُوّم وأَنَ لهُ أَنْ يُراشَ وأن يُنصَل فهو: القِدح، فإذا رِيْشَ ورُكب نَصْلُهُ صارَ: سَهْماً..." ضربَه الشاعر مثلاً لبراعته في صنعة الشعر ـ وانظر اللّسان ( ب ر ي / ر ي ش ). ـ يقال: انتقش الشوكة من يده: أخرجَها. والقتادات جمع القتادة؛ وفي كتب اللغة: القتادة جمع القتاد: شجر صُلب شائك، شوكة شديد. ([68]) الفلاكة والمفلوكون ـ أحمد بن علي الدَّلجي ـ مطبعة الشعب ـ مصر 1322 هجرية ـ الصفحة: 129. وللأخفش ترجمة فيه 135. | |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||