|
||||||
| Updated: Monday, December 05, 2005 01:09 PM | ||||||
| فهرس العدد |
|
العاذلة في شعر الجاهلية وصدر الإسلام دراسة في التشكيل الفني ـــ د.محمد فؤاد نعناع(*) يرتبط مفهوم العاذلة باللوم والعتاب والملاحاة، وترد صيغ كثيرة مشتقة من مادة (عذل)، وتطلق تسميات متعددة، مثل اللائم واللاحي والزاجر. وترمز هذه الصيغ والتسميات كلها إلى الصوت ـ الطرف الآخر الذي يصارعه الشاعر لتجسيد رؤيته في الحياة. ويتعلق موضوع العاذلة بموقفها من بعض القضايا الاجتماعية العامة، مثل الإفراط في الجود والمغامرات الحربية والحياة اللاهية، أو بعض القضايا الحياتية الخاصة المتعلقة بالشيب والشيخوخة والفقر وبعض المشكلات الأسرية، أو ببعض مسائل الوجود الإنساني. وهذا البحث يقف عند العاذلة وبنية القصيدة ليؤكد أن الأمر لا يتعلق بمقدمة القصيدة فقط، وإنما عالج الشعراء هذا الموضوع في قصائد كاملة، أسميناها "القصائد العذلية". ويحدد البحث أبرز الظواهر الأسلوبية السائدة في الأشعار التي عالجت موضوع العاذلة في الجاهلية وصدر الإسلام. أولاً ـ العاذلة وبنية القصيدة: تبين أشعار الجاهلية وصدر الإسلام أن موضوع العاذلة قد تستقل القصيدة به أو يرتسم في مواقع مختلفة على خارطة القصيدة العربية، ذلك أنه قد ينفرد في مقدمة القصيدة، أو يلحق بمقدمة القصيدة الطللية أو الغزلية، أو يرد وحدة مستقلة إلى جانب الوحدات الأخرى في القصيدة، أو تختتم به القصيدة: أ ـ استقلال العاذلة بالقصيدة: إن القصائد التي تستقل بموضوع العاذلة، والتي يحق خيال العاذلة في سمائها، تعود أكثر ما تعود إلى الشعراء الأجواد والفرسان والصعاليك، ويمكن تسميتها بالقصائد العذلية([1]). وهذا يعني أن تناول الشعراء لهذا الموضوع لا ينحصر في مقدمات القصائد التي أطلق عليها يوسف خليف([2]) اسم مقدمة الفروسية أو المقدمات النسائية. ونكتفي بالوقوف عند قصيدة تُعد من أشهر قصائد العذل للشاعر الجواد لَبيد بن رَبيعة، فقد كان مشهوراً بجوده في الجاهلية والإسلام([3])، وكان يُذكر بين الأجواد الذين يُضرب المثل بجودهم، كما يظهر المثل: "أقرى من مطاعيم الريح"([4]). يقول لَبيد([5]):
فالشاعر يوضح ألا فائدة من لوم العاذلة، لأنه ثابت على موقفه في الجود، ولن يقصر عنه، وإن كفّت عن لومها. فالمرء لن تُكتب له السلامة، ولن يُعطى الخلود، ولن ينجو من الهلاك، إذا ما حافظ على أمواله وثَّمرها. إن بذل المال هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق الخلود المتمثل في حمد الناس وثنائهم، وفي حسن الأحدوثة بعد مماته في الحضر والبدو، وفي وقاية العرض. ولذا فهو يفاخر ببذله فيما يترتب عليه من واجبات، ويأتي في مقدمة ذلك قِرى الأضياف والأفعال الصالحة. وينتقل الشاعر بعد تقريع العاذلة إلى إضافة عناصر جديدة في القصيدة العاذلية، وعمادها النظرة الحكمية إلى الماضي وضرب الأمثلة لتأييد موقفه، فهو إنسان سيموت كغيره من الرجالات العظام الذين كانوا سادة في أقوامهم، أجواداً في مجتمعاتهم، أبطالاً في ميادين القتال، حكماء في عصورهم، ويبين أنهم الأجدر بالبكاء والندب، ويفصّل هذه الفكرة في 29 بيتاً، منها قوله:
فهو لن يكون أطول عمراً من كلاب وجعفر ولا من أبيه الذي كان يُطلق عليه اسم ربيع المقترين لجوده وسخائه، ولهذا فهو يطلب من العاذلة الصبر والمحافظة على كرامتها، وإن كان لابد من الحزن فليكن على أمثال هؤلاء، وأمثال أبي حازم كنانة بن عبيدة الذي واكب الحمدُ والثناء وطيب الذكر مواكبَ مماتهم، فكانت قبورهم رياضاً مزهرة. ولا يكتفي الشاعر بهذا، وإنما ينتقل إلى ضرب أمثلة من سادة الدول والممالك والقبائل الذين رحلوا، وكانوا ذوي سلطان وبأس، فيشير إلى بني المنذر بن ماء السماء والحارث بن عمرو ابن حجر الكندي، وحجر أبي امرئ القيس وملك معد حذيفة بن بدر، وقس بن ساعدة ولقمان الحكيم، الذين كانوا هدفاً لسهام المنايا القاتلة، وينهي الشاعر قصيدته بقوله:
إنّ بناء القصيدة يشير إشارة واضحة إلى ما يشغل هاجس لَبيد وتفكيره، حيث بدأت القصيدة وانتهت بمخاطبة العاذلة في تسعة أبيات، وخصّت الحديث عن رجالات مشهورين راحلين من سادة وملوك وأجواد وفرسان وحكماء في تسعة وعشرين بيتاً. فهل كان لَبيد يقوم برثائهم والبكاء عليهم، وبعد ذلك رثاء نفسه والبكاء عليها؟ ألم يخاطب عاذلته بقوله: (أولئك فابكي لا أبا لك واندبي)؟ إن شاعرنا مشغول بمأساة المصير الإنساني وحتمية الفناء والموت، فهو ليس بأحيا من هؤلاء الأقوياء، ولعل سبب شقاء الشاعر وانشغاله يعود إلى معرفته بهذا المصير المأساوي الذي ينتظر جميع البشر. ولاشك في أنه يزداد فجعاً وألماً عندما يسلّم بضعف الجنس البشري (العصافير)، فالناس مشغولون بالطعام والشراب، وهم يسعون إلى الخلود والبقاء في هذه البلاد التي حلوا فيها، ألا يذكرون ما حل بعاد وحمير؟ إنها الحقيقة المرة التي يجب أن يقبلها البشر، فهم ليسوا إلا فريقين منهم القادم ومنهم الرائح، وهل النفس البشرية إلا شيء مستعار تعود إلى خالقها بعد حين؟ ولاشك في أن البيت الأخير يرتبط ارتباطاً واضحاً ببداية القصيدة، أو لأقل إنه يلقي الضوء على القصيدة كاملة، فالشاعر مشغول بطلب الخلود، أو السلامة على حد قوله، وهو لا يجد ذلك في جمع المال وتثميره كما تزين له العاذلة، وإنما بوقاية عرضه من كل ذم، وبنيل الأحاديث الحسنة والصيت الحسن، وهذا ما أكده الشاعر في البيتين الثاني والثالث بجمل متتالية (أقي العرض بالمال، وأشتري به الحمد، وإن الطالب الحمد مشتري، وكم مشتر من ماله حسن صيته). صحيح أن الشاعر يقر بعجز الإنسان وضعفه أمام حتمية الموت المادي من ناحية، ولكنه من ناحية أخرى يبرز مقدرته على خلود معنوي بما يناله من حمد وثناء إذا ما قذفوا الحجارة فوق قبره، وهاهو ذا يوضح هذه الرؤية، ويؤكدها في مكان آخر أيضاً، حيث يقول:
ب ـ تفرد العاذلة بمقدمة القصيدة ذات الوحدات المتعددة: ترد العاذلة في مقدمة بعض القصائد التي تتنوع موضوعاتها الأساس، ولعلها ترد أكثر ما ترد في القصائد التي ينشدها الفرسان والصعاليك. وهذا عَمرو بن معد يكرب يذكر العاذلة في مطلع قصيدة يرد فيها على فارس كان توعده، فتهيأ للقائه، فيقول:
فالعاذلة تقف بالمرصاد للشاعر الذي يقدم لها ما يجعلها تطمئن عليه، وهو سائر في طريقه لملاقاة خصمه، وكيف لا وقد استعد أحسن استعداد، وكيف يخاف وهو يملك هذه الخيول والأسلحة من درع وسيف أحدثت حمائله جروحاً وندوباً فيما بين منكبيه وعنقه؟ لقد أمضى زهرة شبابه في ساحات القتال، وما عليها إلا أن تهدأ وتثق بنصره. ومثل هذه الوحدات نجدها ق تطورت في صدر الإسلام من حيث هدف الشاعر في القتال، أما المرأة فهي تبقى من حيث المبدأ كما كانت من قبل. يقول النَّابغةُ الجَعْديُّ في مقدمة إحدى قصائده:
إنها تناشده البقاء إلى جانبها، وتتوسل إليه بدموعها المنهمرة، ولكن العقيدة تدفع الفارس للجهاد في سبيل الله، وهل هناك خيار للإنسان المسلم صحيح البدن في هذه المسألة إلا أن ينضم إلى المجاهدين؟ فهو ليس أعرج أو أعمى أو مريضاً ليعتذر. وإن كان الشاعر الجاهلي يبغي الخلود من خلال أعماله المجيدة من فروسية وجود أو عناية بالضيوف والمحتاجين أو سعي لرفعة شأن قومه، فإن الشاعر المسلم هنا يضع نصب عينيه هدفاً أيضاً، إنه يبتغي الدار الآخرة بدلاً من الدنيا. ثم يتابع الشاعر بعد هذه البداية، فيسلي همومه على ناقة أمون يتبعها ذئب، ثم يصف صائداً وكلابه، وبقرة وحشية. وتتصدر العاذلة مقدمات بعض القصائد الرثائية، وهذا ما يشكل استثناء، وإن كان منطقياً، لما ذهب إليه يوسف خليف عندما وزع القصيدة على قسمين؛ قسم ذاتي وقسم غيري، ورأى أن المقدمات في القسم الذاتي تحتوي على ثلاثة دوافع هي المرأة والخمر والفروسية، وهي نفسها متع الحياة الجاهلية التي حلّ الجاهليون مشكلة الفراغ في حياتهم بها، وهي مشكلة لم يجدوا حلاً لها إلا عن طريق هذه المتع التي لم يجدوا مكاناً للتعبير عنها في زحمة الالتزامات القبيلة إلا في مقدمات القصائد([11]). ولذا قال: "ومن هنا كان طبيعياً جداً أن تخلو قصائد الرثاء من هذه المقدمات لأن مقامها ليس مقام لهو أو متعة، ولأن الموقف الذي يتحدث عنه الشاعر قد وضع حلاً نهائياً لمشكلة الفراغ"([12]). ونقول إنه استثناء منطقي، ولاسيما في القصائد الرثائية التي تخصص للفرسان والسادة، بحيث إن الشاعر على ما يبدو كان يغالي في حزنه وبعده عن الحياة، مما يجعل العاذلة تتصدى له مطالبة بالتوقف عن الحزن، والالتفات إلى مواجهة مشاغل الحياة. ومن ذلك نموذج لدريد بن الصَّمَّة الذي حالف أحد أصدقائه وتواثقاً إن هلك أحدهما أن يرثيه الباقي بعده، وإن قتل يطلب بثأره، فقتل هذا الصديق فرثاه دريد بقصيدة افتتحها بقوله:
إنها حكاية العاذلة التي تستيقظ مبكرة لائمة معترضة طريق الفارس الذي ينوي القتال، وأي لوم إنها تبالغ في لومها الفارس، وتهجم عليه في خلوته حتى تستثيره، فيصفها بالسفه، وينذرها بأنها ستندم على موقفها اللائم هذا زمناً طويلاً، ويجنح إلى محاجتها، ويتساءل إن كانت ترضى أن يعيش ذليلاً مكتوف اليدين أمام دهر قاطع يأتيه بالنوائب، ولذا يرسم أمامها طريقين لا ثالث لهما، فإما أن تجزع جزعاً لا فائدة منه، وإما أن تتجمل بالصبر، وهو أجدى. وواضح إيمان الشاعر بما يفعله الدهر القاطع الذي يتصرف كما يحلو له، فيجلب الرزء، ويلحق الضرر بالإنسان فلماذا لا يجابه بما عرف عنه من فروسية وإقدام، بحيث يقود حركة مضادة تقاوم هذا الدهر المتسلط؟ ثم ينتقل الشاعر إلى رثاء صديقه (الأبيات 6 ـ 16). ونجد في شعر صدر الإسلام متابعة لما فعله دريد بن الصِّمَّة من حيث افتتاح القصيدة الرثائية بذكر العاذلة كما صنع أبو الأسود الدُّؤلي، فهو يفتتح قصيدة في رثاء الحسين بن علي رضي الله عنهما بذكر العاذلة، فيقول:
وواضح أن الشاعر يطالب العاذلة بالتوقف عن اللوم والعودة إلى ما كانت عليه من ود ثابت، وإن لم تفعل فما عليها إلا الرحيل، ذلك أن مصابه كبير بهؤلاء الأئمة والصحابة، فهم أهل لكل حزن ودفاع، وهذا ما عبر عنه قائلاً في القصيدة نفسها:
والحقيقة أن افتتاح القصيدة بالعاذلة لم يقتصر على الشعراء الفرسان أو الصعاليك، ذلك أننا نجد بعض الشعراء المحترفين وغيرهم قد خصوا مقدمات قصائدهم متنوعة الأغراض بالحديث عن العاذلة، وهذا يدل على أن موضوع العاذلة بوصفه مقدمة القصيدة لم يبق في دائرة الفرسان والأجواد، وإنما يتحول إلى رمز يطرقه شعراء ذوو اتجاهات متباينة. وهذا الحديث إما أن يكون حديثاً صريحاً موجهاً إلى العاذلة، وإما أن يكون حديثاً غير مباشر.ونمثل للنوع الأول بنموذجين للحُطيئة وكَعْب بن زُهَيْر([15]) فالحُطَيْئة الذي لم يُعرف عنه جود ولا فروسية، وإنما كان "جشعاً سؤولاً ملحفاً دنيء النفس كثير الشر قليل الخير بخيلاً"([16]) يتناول موضوع العاذلة في مقدمات بعض القصائد. يقول في مطلع قصيدة مدحية:
إنها عاذلته أمامة التي استيقظت من نومها بعد هدأة من الليل لتلومه ولم تكن فرغت من نومها بعد، ويطالبها الشاعر بالكف عن العتاب، ذلك أن النفس تظهر ما فيها من الخير، لأن أحداث الدهر لابد أن ترميها عن كثب، ويسألها إن كانت خبرت أن نفساً أتتها منيتها في كل ما تحب. ويصور مدى أثر عتابها في جسمه، فقد أصابته الهموم، ووخزت عظامه، وبات كأنه لسيع لا تنجع فيه الرُّقى. ويبدأ الشاعر بعد ذلك مديحه (الأبيات 7 ـ 21). وأما كَعبُ بن زُهير فيفتتح إحدى أشهر قصائده في تصويره الطبيعة بحديث عن عاذلته، فيقول:
إنها الزوجة العاذلة التي تبدي جفاءها وتنكرها لزوجها وتبرمها بأخلاقه، ويُذكر هنا أن كعب بن زهير كان رجلاً شرساً محارباً مملاقاً لا ينمي له مال، ويتساءل إن كان موقفها هذا إعلاناً لا مراجعة فيه أم أنه قطيعة وعدم وفاء، كما يتساءل عن معنى الحياة وصلاحها بعد قطيعة الكبير للكبير، ولذا ينصحها بالصبر على كبره كما صبر على كبرها، ويذكرها بعدم جدوى القطيعة بعد تقدمها في العمر فدبّ على عصاه، كما دبت على عصاها. إنها القصة نفسها التي تدور أحداثها بينهما منذ زمن، فاتهامات العاذلة مكررة وردود الشاعر معادة. فالعاذلة تلوم بسبب الخمر ونحر الجزور، وأم الشاعر فيطالب بتوقف العذل، وقد يستوعب الموقف، فيحاول إرضاء العاذلة بأنه سيفكر التفكير الصالح، ولكنه في حقيقة الأمر يتابع سلوكه الذي عذل بسببه من شرب الخمر وإتلاف المال. ثم ينتقل (الأبيات 11 ـ 57) إلى وصف رحلاته واصفاً الطبيعة والطريق وما يشاهده من ذئب وثور وحشي وقانص وكلابه. وأما الحديث غير المباشر الموجه إلى العاذلة في مقدمة القصيدة فنمثل له بمقدمة إحدى قصائد ابن مقبل التي أنشدها مفتخراً بنفسه وقومه، حيث واجه بها جفاء فتاتين واستهزاءهما به بأنه هرم أعور. ولاشك في أن مثل هذا الحديث يدخل أيضاً في موضوع الشيب والشباب الذي كان يُعد دافعاً قوياً من دوافع العذل. لقد بلغت هذه المقدمة 18 بيتاً، منها قوله:
إنه إقرار واضح بما فعله الزمن به، فأمسى شيخاً ضعف بصره وهزل جسمه، وهو قانع بهذه الحقيقة لا ينكرها، ومعترف بالكبر الذي جعله عزوفاً عن اللهو واللعب، ولم يترك فيه بقية للغزل. لقد كان حاد النظر في شبابه يرشد الآخرين، أما اليوم فهو يحتاج إلى من يرشده، ولا عجب من ذلك فقد أمضى ستين سنة من عمره في صراع مع الشيب، حيث كان يقوم بخضبه ويداوي أمراض جسمه حتى تكاثرت عليه فلم ينفع دواء معها، وعندما تؤكد العاذلة الأخرى سليمى أذى الشيب وإفساده للحياة، ينبري الشاعر للرد عليهما، وقد عابتا عوره، ولكنه رد الإنسان الحليم المتمسك بالحياء وبالدين، فقد تعجب من حديثهما القصير، ووصفهما بالإنسان الضال الذي يمشي بلا هدى، وأقر بما كان بينه وبين الدهر من صراع وسجال، ولكن إن استطاع الدهر أن يبلي قوته، ولا عجب في ذلك فالدهر مستبد ذو حوادث تغير الأحوال، فإنه استطاع أن يسجل جولات كثيرة تخلده على مر الأيام، وتتمثل هذه بما اقتنصه من خيار حاجاته ولذاته. إن الشاعر يركز في وحدة العذل هذه على فاعلية الزمن التي طالت الإنسان، وأثبت فيه تأثيراً سلبياً، حيث غزاه الشيب، وأصابته الشيخوخة والضعف، وهو أمر خارج عن إرادته، ولا يستطيع الوقوف بوجهه، ويلاحظ أن الشاعر قبل أن يقوم بحركة مضادة لهذه الفاعلية، بين عدم استسلامه للزمن، ويعبر عن روح المقاومة التي كانت تدفعه لمصارعة الدهر وما يأتي به، ولكنه وجد أنه لابد من تنمية هذه الحركة المضادة التي تجسدت في أعمال عدة استحضرها من ماضيه وشبابه الزاخر والمتفجر حيوية ونشاطاً، وبهذا حقق توازناً بين الحاضر المتفتت الذي يجسد آثار لازمن وبين الماضي المشرق والمفعم بأعماله الحميدة من وجود ونحر للجزور واجتياز الفلوات وإكرام للموالي ومصارعة للخطوب، وأعمال قومه من بطولة ومنعة وجود ولعب بالميسر. ج ـ إلحاق العاذلة بمقدمة غزلية أو طللية: نجد أن بعض الشعراء يلحقون الحديث عن العاذلة بمقدمة غزلية أو طللية تقليدية، وكأن الشاعر يقدم لغرضه الأساسي بمقدمة ثانية أخرى. وهذا ما يضيف للمقدمة طابعاً جديداً متنوعاً. ومن هذا القبيل ما قاله حسان بن ثابت في إحدى قصائد التي افتخر فيها بيوم بدر، وعَيَّر الحارث بن هشام بفراره، فهو يبدؤها بالنسيب (الأبيات 1 ـ 47) حيث يشير إلى امرأة ذهبت بعقله، ويصف نعومتها وريقها وأعضاءها وحسن أخلاقها ومشيتها، ويؤكد أنه سيبقى يذكرها حتى موته، ثم يلتفت إلى عاذلته (8 ـ 10) قائلاً:
فهل يعلن عصيانه لتلك التي جاءت في السحر تلوم سفاهة، ويسترسل في هواه، ويمضي لا يلوي على شيء، وينقل رأيها بأن الفقر يقرب أجل الرجل، ولذا تنصحه بالإمساك والبخل. وكذلك نجد دُريْد بن الصَّمَّة في قصيدته التي رثى فيها أخاه عبد الله، فقد بدأ القصيدة بالنسيب (الأبيات 1 ـ 8) تحدث فيها عن أم معبد وعدم وفائها بمواعيدها وقطيعتها وهجرها، ثم التفت إليها بوصفها عاذلة بقوله:
فالشاعر يخاطب أم معبد التي عاتبته وصغَّرت شأن أخيه، وهنا يطالبها بالتمهل والتقليل من حدة لومها، كما يطالبها بالرشد إن كانت عالمة بالغيب، ويبين لها أن المصيبة لا تكمن في البذل والإنفاق، وإنما في فقدانه للفرسان من أمثال خالد، ثم يتحدث (الأبيات 12 ـ 46) عن المعارك التي خاضها مع قومه، وفقدانه لأخيه ورثائه. ويبدأ عَمرو بن الأهتم إحدى قصائده بموضوع تقليدي، إنه خيال الحبيبة الذي يطرق النائمين ليلاً، ثم يلتفت إلى عاذلته معارضاً بقوله:
فهو يخاطب عاذلته أم هيثم التي تلومه بسبب جوده بأن تتركه وشأنه، فالبخل الذي تدعوه إليه يضر بأخلاق الرجال، وينصحها بأن تتبعه في سلوكه وتذهب مذهبه، ولا تعصي أمره، فهو ذو حسب رفيع وجواد كريم تحزنه مصائب الدهر التي تقع على الناس، كما تقلقه الحقوق والواجبات حتى يؤديها. ثم يبدأ الشاعر بعد ذلك بتصوير ضيف يطرقه ليلاً في الشتاء، واستقباله له والعناية به، كما يتغنى بأصله وطيب محتده (الأبيات 7 ـ 23). ونجد الحديث عن العاذلة يرتبط بالمقدمة الطللية أيضاً، كما فعل النَّابغة الجَعْدي في إحدى قصائده، فهو يقف بالديار الدارسة بسبب هطل الأمطار ومرور السنين ليحدثنا عن عاذلته، فيقول:
فالعاذلة تسرع في عتابها ولومها، ويتمنى أن يكون قد ردها رداً حاسماً بالأمس، عندما كانت الإبل تسرح غدة وكأنها أشجار المقل، وقد حملت الثمار اليانعة، ويتساءل الشاعر عن جدوى احتفاظه بالمال بعد موته، فهل ستقوم الإبل بضرب وجوهها أو نحورها بمنديل عند موته. إنها دعوة إلى الجود بما يملكه الإنسان من المال الذي يجزع على فقدان صاحبه. د ـالعاذلة وحدة مستقلة في القصيدة: أشرنا فيما سبق إلى أن بعض الشعراء كان يخصص قصيدة كاملة أو مقطوعة قصيرة لموضوعة العاذلة. ونجد أن بعضهم الآخر كان يعالج هذا الموضوع بوصفه وحدة مستقلة تُبنى القصيدة عليها، أو يعالجه في سياق وحدات أخرى، ومن الاتجاه الأول ما نجده عند عَبِيد بن الأَبْرَص خاصة، حيث بدأ إحدى قصائده بذكر الأطلال ورحلة الأحبة ثم انتقل إلى العاذلة التي تشكل وحدة مستقلة في بناء القصيدة:
وواضح أن الشاعر هنا يشير إلى عتاب زوجته التي هبت ليلاً لتقرعه وتلومه، وقد أشهرت في وجهه حججها، إذ أصبح هرماً وهذا ما لا ينفيه، ثم يبين سلوكها نحوه، فقد أعرضت عنه وأغلظت قولها بعد أن كان ليناً، وقطبت حاجبيها. وهنا يطالبها الشاعر بالتوقف عن هذه التصرفات، وبالرفق في عتابها، وعدم الاستخفاف به، وإلا فما عليها إلا أن تبتعد وتختفي من حياته. فالشاعر يبرز هنا أيضاً أثر السنوات في الديار التي تغيرت وعفت، وما نتج عن هذا الأثر من رحلة الحمول، ويقر بفاعلية الزمن فيه، إذ أصبح كبيراً وأمسى رأسه كاللجين، وهذا ما شكل الحركة الأولى في القصيدة التي وإن كانت تسير في طريقين هما: الديار والإنسان فإنه يواجهها بحركة ضدية نقيضة، فإن يك شبابه فاته الآن، فعزاؤه أنه كان حافلاً بالغرام والحرب والأسفار في الفلوات (الأبيات 11 ـ 18)، ولهذا كله كان منطقياً أن يعرض الشاعر على عاذلته اقتراحين لا ثالث لهما، فإما أن تعيش معه عيشة رضى وقناعة، وإما أن تفارقه وترحل عنه كما رحلت الحمول. * باحث من سورية. ([1]) انظر: ديوان شعر حاتم الطائي، ص 191 ـ 194 ـ 199 ـ 203، 217 ـ 219، 221 ـ 227، وشعر عروة بن الورد، ص 41 ـ 45. ونجد مثل هذه القصيدة عند بعض الشعراء المحترفين، مثل شعر زهير بن أبي سُلمى، ص 238 ـ 240. ([2]) دراسات في الشعر الجاهلي: ص 161 ـ 162، والشعراء الصعاليك: ص 262. وينظر: مقدمة القصيدة العربية في العصر الجاهلي: ص 157 ـ 158. ([9]) شعر: ص 91. والشكة: السلاح، والبدن: الدرع، وفرس مقلص: طويل المنكبين، وأقرح: أحدث فيه قروحاً، والعاتق: ما بين المنكبين والعنق، والنجاد: حمائل السيف. ([13]) ديوانه: ص 109 ـ 110. والقدر: المقدار، وأحفيتني: استقصيت في منازعتي، ودخلت ستري: أي هجمت عليَّ في خلوتي وبالغت في لومي، وأي عصر: كناية عن دهر طويل، والهذ: سرعة القطع، وكذبتك نفسك: منتك نفسك بالأماني. ([15]) ينظر في ذلك أيضاً: شرح ديوان حسان بن ثابت: ص 348 ـ 349، وشعر زهير بن أبي سُلمى: ص 279 ـ 286، وديوان شعر حاتم الطائي: ص 191 ـ 192، وشعر بني تميم: ص 219. حيث اُفتتحت القصائد بالعاذلة، وتوزعت أغراضها وموضوعاتها على الفخر والقضايا القبلية والذاتية والمديح. ([17]) ديوانه، ص 115. ونثاها: خبرها، ونجي هم: أي ما خفي منه ولم يظهره، وذات سم: حية، ونقيع: ناقع. وانظر افتتاح قصيدة اعتذارية بالعاذلة للحطيئة أيضاً: المصدر نفسه، ص 349، حيث خص العاذلة بأربعة أبيات وغرضه الأساسي (الأبيات 5 ـ 11). ([18]) ديوانه: ص 122 ـ 138. وآذنتني: أعلمتني، ولم تعرج: لم تعطف، ولم تؤامر: لم تشاور.، ورجيعاً: مكرراً، وتهر هريراً: أصل الهرير الكلاب، ويكون بين ذلك معاتبة، وتكوس: تمشي على ثلاث قد ضرب وادة منها فعقرها، وذات نفس منها: أي ناقة م الإبل، ومواردها: القرى، وزورا: معوجة. وانظر نموذجاً آخر في الديوان نفسه، ص 157 ـ 165، حيث يبدأ الشاعر إحدى قصائده بالعاذلة، ينتقل إلى وصف الفلاة والناقة والثور الوحشي. ([19]) ديوانه، ص 69 ـ 86. حُرَّ: ترخيم حُرَّة، التاث: اختلط، ويوم الوعد: يوم القيامة، والتليات: جمع تلية، وهي البقية، لأنها تتلو ما تقدم منها، والمقادة: القادة في السير، والفقر: جمع فُقْرة، وهي الإمكان بالقرب، وفاليتي: المرأة التي تفلي رأسه، وسُرُح: موضع، وسلمى: إحدى ابنتي عَصَر العقليلي اللتين هزئتا به، ومِرة: قوة الخلق وشدته، والدهر أرود: لين المعاملة غالب على أمره، وذو غير: ذو حوادث تغير الأحوال، وتقمأت الشيء: إذا أخذت خياره، وطري: أي حاجتي. ([20]) شرح ديوانه: ص 363. والمعتكر: الإبل التي ترجع بعضها على بعض، فلا يمكن عدها لكثرتها، والأصرام: جمع صرم، وصرم جمع صرمة: القطعة من الإبل. ([23]) شعره: ص 226. وكللتها: عصيتها، وغدية: تصغير غدوة، والدوم: الشجر، والأوقال: الثمر، والمآلي: جمع مئلاة، وهي خرقة تمسكها المرأة عند النوح. وانظر نموذجاً آخر عند عوف بن عطية: المفضليات ـ، ص 413، حيث بدأ القصيدة بالأطلال ثم انتقل إلى عاذلته بطريقة غير مباشرة (الأبيات 1 ـ 10)، وإلى ذكر فرسه وفخره بقومه (11 ـ 17). ([24]) ديوانه: ص 133. وأخلفت: أمضيت، وفظت: غلظت، والقرون: الذوائب أو خصلات الشعر، وتزدهيني: تستخفي بي، ويغنيك: يرضيك، وتنأى: تبعدي، فبيني: ففارقيني. وانظر نموذجاً آخر عند عَبيد بن الأبرص: المصدر نفسه، 106 ـ 108. ويُنظر ديوان شعر حاتم الطائي: ص 221 ـ 227 حيث يبدأ إحدى قصائده بالأطلال والنسيب (الأبيات 1 ـ 11)، ثم ينتقل إلى العاذلة (12 ـ 16)، ومن ثم يفتخر فخراً ذاتياً، ومن ثم يفتخر فخراً ذاتياً، ويرسم صورتين متناقضتين لأحد الصعاليك (17 ـ 42). |