|
||||||
| Updated: Monday, December 05, 2005 01:15 PM | ||||||
| فهرس العدد |
|
البنيـــــة الإيقاعيـــــة و جماليتها في القرآن ـــ أ.محمد حرير(*) ملخص البحث: إن القرآن العظيم في تجليه، نلفيه يتجه اتجاهاً إعجازياً. وعليه، فخطابه ليس بالعمل الفني المقصود لذاته؛ بل هو وسيلة لا غير، سخرها القرآن العظيم بغية تأدية الغرض الديني. ومن بين تلك الوسائل التي سخرها، نجد الإيقاع الذي تجسَّد فيه بشكل جلي وواضح، فكان أن جعل منه أداة للتمكين والتأثير قصد الاستجابة والإذعان. وهو بهذا، آل إيقاعاً قرآنياً مميزاً في رصف حروفه، وترتيب كلماته وبديع نظامه، دون كل ترتيب وكل نظام تعاطاه الناس في كلامهم المنظوم أو المنثور. إنها الميزة التي جعلت منه خطاباً يتعالى على التبديل والتغيير. توطئة: مصطلح الإيقاع وإشكالية مفهومه. إن مصطلح الإيقاع في جوهره يشكل صوراً كثيرة ومتعددة، تشمل معظم جوانب الحياة، متمثلة فيما يصدر من الإنسان من قولٍ منظوم أو منثور، وما يطاله من حركات جسمية، كنبضات قلبه، وحركات أطرافه، وسريان دمه في جوف شريانه. وإنه على حد تعبير أحدهم: "ظاهرة مألوفة في طبيعة الإنسان نفسه: فبين ضربات القلب انتظام وبين وحدات النفس انتظام، وبين النوم واليقظة انتظام، وهكذا"([1]). وهو بتعبير أحد آخر: "يمثل في جملة من المظاهر، بحيث كان كل شيء في نفسه ومع غيره أيضاً إيقاعاً: إذا تكرر على سيبل الانسجام والائتلاف؛ بل إذا تكرر على سبيل التناقض والاختلاف كتعاقب الفصول مثلاًُ"([2]). إنه في الطبيعة ناموس من نواميس المظاهر الحياتية، كتوالي الليل والنهار، والشمس والقمر ومدار الأيام والشهور والسنوات؛ كما يمثل في تلاطم أمواج البحار وفي جريان الأنهار، فهنا خرير المياه وهناك صفير الرياح، وهنالك زمجرة الرعود. إذن، الإيقاع مظهر يتجلى في مختلف نواحي الحياة، وإذا كان الأمر كذلك فمن الصعوبة بمكان أن نعثر على تعريف يحيط بجوهره، وبالتالي يقف عند حدود ملامحه، ذلك أنه "منذ عهد اليونان الذين كانوا أول من اجتهدوا في تحديده، لا يزال مفهوم الإيقاع محل نزاع في الرأي بين الباحثين قدامى ومحدثين"([3]). وقبل الولوج في محاولة معرفة المفاهيم التي اكتنفت هذا المصطلح، يجدر بنا المقام، أن نقف عند دلالة هذا المصطلح من وجهة دلالته المعجمية، لنسترفد منها ما قد يعين الدارس في الإمساك بخيط يجعله قادراً على ممارسة حقه في مقاربته لهذا المصطلح (الإيقاع). إن جل الدارسين يتفقون على أن الإيقاع (Rythme) هو مصطلح ينحدر من اللفظ الإغريقي (Ruthmos)، هذا عند قدامى الإغريق([4]). أما في معاجمنا العربية، فهو عندها مستمد من "وقع المطر، وهو شدة ضربه الأرض إذا وبل"([5])؛ كما أنه "من إيقاع اللحن والغناء، وهو أن يوقع الألحان ويبينها، وسمى الخليل رحمه الله كتاباً من كتبه في ذلك المعنى كتاب الإيقاع"([6]). وهو بعبارة أخرى: "اتفاق الأصوات والألحان وتوقيعها في الغناء أو العزف"([7]). فالواضح من كل ما مر ذكره، أن (الإيقاع) يقوم على الانسجام والتوافق الحركي والنغمي، والذي من شأنه أن يولد حركة منتظمة يوفرها الإيقاع للغة التي يتخللها. ونحن إذا ما أردنا أن نلامس تعريفات تقترب مِمّا ما نصبو إليه. فنجدها كثيرة فهو "الفاعلية التي تنتقل إلى المتلقي ذي الحساسية المرهفة الشعور بوجود حركة داخلية. تمنح التتابع الحركي وحدة نغمية عميقة.. الإيقاع بلغة الموسيقى، هو الفاعلية التي تمنح الحياة للعلامات الموسيقية المتغايرة التي تؤلف بتتابعها العبارة الموسيقية"([8]). فهذا التعريف باستخدامه للغة الموسيقى، يجعل الإيقاع لا يخرج عن دائرة الموسيقى بشكل عام، وفي هذا الصدد نلفي تعريفاً آخر يذهب المذهب نفسه، إنه كما أقر بذلك الفارابي: "النقلة على النغم في أزمنة محدودة المقادير والنسب"([9]). وهنا لا مانع من الإشارة إلى التفريق بين الوزن والإيقاع، إذ طالما يختلط الأمر بينهما؛ ذلك أن الوزن عندما يتمثل لدى بداية تركيب ما، فإنه "يفتأ قائماً دون أن يصيبه تغيير إلى نهايته مثله مثل الشكل الميكانيكي، في حين نجد الإيقاع كأنه خلق جمالي محض"([10]). وإذا ما اكتفينا بالبحث عن دلالة الإيقاع معجمياً، محاولين استجلاء ملامحه وتحديدها أكثر، فإننا نجد أنفسنا أمام مصطلح هلامي، لا ينفك أن يستقر على وتيرة. إنه تتغير أشكاله بتغير الخطاب الذي يؤطره، وهو بذلك "تفاعل للنبر والكم على اختلاف في الدرجة بين لغة وأخرى"([11]). ولا شك إن الإيقاع بهذه الصفة، ينبئ بأهميته، وبدوره الفعال الذي يجسده. لقد سبق أن ذكرنا، بأن معاجمنا العربية ترجمت للإيقاع، بأنه الانسجام والتوافق الحركي والموسيقي الذي يولد حركة منتظمة يوفرها الإيقاع للخطاب الذي يتخلله؛ لكن المتفحص لهذا الأمر، لا يجده يتحقق هكذا عفوياً؛ بل لا بد من شروط، أقلها أن تتضافر عناصر أخرى تعمل على ظهور تلك الحركة المنتظمة، تلك الشروط أو بالأخرى العناصر تعمل على ظهور تلك الحركة المنتظمة، تلك الشروط أو بالأخرى العناصر لخصت من طرف بعضهم في نقاط ثلاث: "النسبة في الكميات والتناسب في الكيفيات، والنظام والمعاودة في الدورية"([12]). وهي لعمري عناصر يتشكل منها الإيقاع. ومن الذين جعلوا الإيقاع لا يخرج عن دائرة الموسيقى، وكونه يسهل اكتشافه في الموسيقى بيسر؛ نلفي الباحث والنقاد عز الدين إسماعيل. فهو يقول في شأن ذلك: "والواقع أنه ربما كان من السهل دراسة الإيقاع في الموسيقى وكشف هذه القوانين بسهولة فيها، لأنها فن زماني تتضح فيه الصورة الأولى ولا تختلط بشيء"([13]). وإذا ما آلينا بالبحث في منظومة العرب الأدبية التراثية، فإننا نجدها متوقفة في معظمها على إبداعات فنية يكتنفها الإيقاع المنغم بالموسيقى والألحان، وقد تمثل هذا بداية "بالحداء"، ونهاية "بجميل قصائدهم الطوال". إذ "عبرت الفاعلية الشعرية عند العرب عن نفسها بغنى إيقاعي مدهش... لقد حفل إيقاع الشعر بحيوية وتنوع هما نقيض الرتابة المباشر؛ بل ربما كانت الحيوية المنبعثة من تنوع الإيقاع صورة لحنين لا واع لرفض الرتابة بالغناء، الغناء المرهف، المنسرب، المائج، الراقص، الصاخب أحياناً، الهامس أحياناً، والهازج الراجز أحياناً"([14]). هذا ما حاولنا الوقوف عنده في منظومتنا العربية، المعجمية منها والأدبية والتي حاولت تحديد ملامحه وتبيان جوهره قدر الإمكان. أما إذا ما أردنا أن نلتمس ملامحه في مفكرة التنظير الغربي، فنلفي أنفسنا أمام تعريفات متعددة ومختلفة هي الأخرى، على نظير ما مر بنا. فهو في معجم "روبير" (Robert) على سبيل المثال: عبارة عن تكرار منتظم لأصوات موسيقية هي بدورها تتولد عن تشاكل العناصر مقطعياً عبر سلسلة عناصر الكلام"([15]). وهو في معاجم غربية أخرى شبيه بهذا التعريف أو قريب منه. ومن كل ذلك، نستطيع أن نستخلص أن الإيقاع بمفاهيمه ودلالاته قد لامس مفهوم الإيقاع الذي نبتغيه في مقاربتنا هذه. الإيقاع في القرآن تحتّم علينا طبيعة وخصوصية هذه الدراسة في ميدان الإيقاع في القرآن باعتباره نصاً مقدساً، أن نشير أن القرآن العظيم في تجليه نراه ينحو منحى إعجازياً فهو ليس بالعمل الفني المقصود لذاته؛ إنه وسيلة لا غير، يسخرها الخطاب القرآني بغية تأدية الغرض الديني المنشود. ونحن إن رأينا الإيقاع قد تجسد في القرآن ماثلاً، فما ذلك إلا من باب الحميمية بين الغرض الديني والغرض الفني، فيجعل منه وسيلة للتأثير والتمكين قصد الاستجابة والإذعان؛ ذلك أن للإنسان جانباً وجدانياً، فلا مناص من مخاطبة هذا الجانب بلغة النظم الفني وجماله. وهو بهذا، آل إيقاعاً قرآنياً مميزاً إنه "تلك الظاهرة العجيبة التي امتاز بها القرآن في وصف حروفه وترتيب كلماته ترتيباً دونه كل ترتيب ونظام تعاطاه الناس في كلامهم"([16]). إن المتأمل في لفظة (نظام) المتمثلة في رصف الحروف، وهي ترتيب الكلمات، توحي بلا ريب إلى المعطى الإيقاعي في الخطاب القرآني؛ ذلك أن تلك العناصر لا تنفك تأتلف إلا بوجود عنصر الإيقاع فيها. إن الذي دفع بالاهتمام، وجعله يتزايد نحو مكونات المتن القرآني بصفة عامة، وإيقاعيته بصفة خاصة، هو خروج هذه الإيقاعية ـ التي أمدت القرآن العظيم مكانته الخالدة ـ عن منظومة أشعار العرب، وما ألفوه فيها. ولذلك فالإيقاع القرآني هو تلك الظاهرة المتمثلة في "اتساق القرآن وائتلاف حركاته وسكناته، ومداته وغناته، واتصالاته، وسكتاته، ذلك ما يسترعي الأسماع، ويستهوي النفوس بطريقة لا يمكن أن يصل إليها أي كلام آخر من منظوم أو منثور"([17]). ولا يوجد شك يكتنف المتفحص للمتن القرآني، في أن نظم القرآن يقوم جمال نسجه على الإيقاع، الأمر الذي جعل الجاحظ ينتبه إلى أهمية دراسة القرآن من حيث أسلوبه وعجيب نظمه. وفي هذا الشأن نلفي الدكتور محمد زغلول سلام في كتابه: (أثر القرآن في تطور النقد العربي إلى آخر القرن الرابع الهجري) يقول: "قامت في آخر القرن الثالث وطوال القرن الرابع دراسة جامعة شاملة مستقلة لإعجاز القرآن، من ناحية نظمه، وعلى أساس الدرس البياني لأسلوب القرآن، وطرق تعبيره المختلفة، وكانت أصول هذه الدراسات قد نجمت من قبل في دراسات القرآن وسبقت الإشارة إليها من مثل كتاب "نظم القرآن" "للجاحظ"([18]). البنية الإيقاعية في القرآن: من خلال ما مر بنا، نجد أنفسنا مطمئنين إلى وجود إيقاعية جمالية اختص بها الخطاب القرآني، بيد أن تلك الإيقاعية لم نجدها على وتيرة واحدة؛ بل المتأمل فيها يلفيها مجسدة على ضرب من تشكيلات متنوعة ولدتها طبيعة النص القرآني في جماليته الإعجازية؛ ذلك أن الخطاب القرآني قد ابتنى في كليته بنية إيقاعية متفردة، ما فتئ أن طبع بها، فميزته عن غيرها من البنى، وهو ما نلفيه واضحاً بشكل جلي في الخطاب القرآني المكي على وجه الخصوص، فهو إذن "يتشكل تحت أشكال إيقاعية متنوعة، غنية، متجددة، متفاوتة النفس، متمايزة النغم"([19])؛ بل إننا نجد كلما اختلفت ضروب الإيقاع في القرآن، فإن الأمر يترتب عليه اختلاف في البنية نفسها. وقد تجسد ذلك جلياً في السور القصار حيث يأتي إيقاعها قصيراً مزدحماً في فواصله، وذلك في مثل سور كثيرة، كسورة "المدثر". وهذا خلاف بعض السور الطوال، حيث تلجأ الفواصل إلى التباعد. وهذا الضرب في الإيقاع نجده مجسداً في الكثير من السور كسورة "الفرقان" والأمر في الخطاب القرآني من حيث الإيقاع، لم تتجسد بنيته في تشكلاته الإيقاعية المتنوعة فقط، والتي أتيناها بعجالة؛ بل نجده يتجلّى أيضاً في عناصر أخرى غير التي ذكرنا. ولعل أبرز تلك العناصر هي: الحرف، واللفظة، والعبارة أو الجملة. 1 ـ عناصر الإيقاع في الخطاب القرآني: الحرف: لا يخفى على أي باحث في الخطاب القرآني؛ بله، على أي قارئ لكتاب الله تعالى بتدبر. أن القرآن العظيم تداعت حروفه خلال تعابيره، توفيراً لجمال الجرس وتآلف النظم إيقاعاً ومعنى، على طريقة ملفتة للنظر، فهي "طريقة يتوخى بها إلى أنواع من المنطق وصفات من اللهجة لم تكن على هذا الوجه من كلام العرب ولكنها ظهرت فيه أول شيء على لسان النبي e؛ فجعلت المسامع لا تنبو عن شيء من القرآن"([20]). ذلك أن العرب قبل نزول القرآن العظيم، كانوا يترسلون أو يسرعون في منطقهم، كيفما انعقد لهم، لا يراعيهم شيء أكثر من تكييف الصوت، دون تكييف الحروف التي منها يكون الصوت([21]) إذ إن مادة الصوت هي مظهر الانفعال النفسي وأن هذا الأخير بطبيعته، إنما هو سبب في تنوع الصوت، بما يخرجه فيه من المد أو الغنة أو اللين أو الشدة، وبما يهيئ له من الحركات المختلفة على مقادير تناسب ما في خلجات النفس. وقد ظلوا على هذه الحال ردها من الزمان؛ فلما أنزل القرآن وتلي عليهم، رأوا في حروفه المؤتلفة والمتناسقة والمترتبة، باعتبار من أصواتها ومخارجها، ومناسبة بعض ذلك لبعضه مناسبة طبيعية في الهمس والجهر والشدة والرخاوة والتفخيم فكان منهم إلا أن رأوا أيضاً أن لا قبل لهم به، فكان ذلك بين في عجزهم. وإذا ما حاولنا أن نتمثل هذا الأمر باستقرائنا لمقاطع منتخبة من النظم القرآني؛ فإننا نلفي أنفسنا أمام حروف متداعية من خلال تعبيره، ما فتئت توفر حسن وجمال الجرس، وتألف النظم إيقاعاً ومعنى على شاكله تلفت النظر. لنقرأ المقاطع القرآنية الآتية، ولنحاول تأملها من حيث حروفها المعادة على أبعاد تتجاوب أصواتها في النفس، دون أن نتفطن إليها إلا عند القصد يقول تعالى: )والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا، لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا، إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل، إن الله نعما يعظكم به، إن الله كان سميعا بصيرا، يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلا، ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به، ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا(([22]). وبعد تأملنا لهذه المقاطع، نثني التأمل في المقطع الآتي، يقول تعالى: )وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله، ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيما، فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما"([23]). فلنتأمل عدد (الميمات) في المقطع أو النص الأول، ونلاحظ مواقعها من النظم. ولنتأمل كذلك عدد حرف (النونات) في المقطع نفسه، ونلاحظ كذلك مواقعها في النظم. ثم نتأمل أيضاً عدد حرف (التاء) و(الكاف) ومواقعها في النظم. ثم بعد كل ذلك، نأتي للمقطع الثاني، ولنتأمل أيضاً عدد (السينات) ونلاحظ مواقعها في النظم، ثم نتأمل أخيراً حرف (اللام)، وحرف (الميم)، وحرف (النون) في المقطع الثاني نفسه. ولتوضيح ذلك أكثر، نجسد ما تأملناه في الجدول الآتي:
فلا ريب أن المتأمل ثانية في هذا الجدول البياني، يلمس هذا اللون من تكرار الحرف في القرآن العظيم على أبعاد تكسب النظم إيقاعية تزيده جمالاً وحسناً؛ ذلك أنه ما من أحد يشك في أن الجمالية الإيقاعية، تنشأ عن تكرار الحرف في الكلمات على أبعاد مناسبة لسلامة الجرس، وصحة النغم في بناء اللفظة أو الجملة أو النسق بصفة عامة. هذا عن تكرار الحروف المبتاعدة من خلال تعبير القرآن، وإذا ما حاولنا ثانية تتبع ظاهرة تكرار المدود؛ فإننا نجدها هي الأخرى تحدث إيقاعية ذات قيمة سمعية عند تكرارها، ويتجلى هذا الأمر بشكل واضح وأوفر في حروف المد الثلاثة: (الألف، والواو، والياء)، وخاصة عندما تجانسها حركة ما قبلها. وهي عند التكرار تتمخض عنها إيقاعية تطريبية تطيب بها النفس ويأنس إليها السمع. وقد تنبه اللغويون والإعجازيون إلى هذه الخصيصة اللغوية المتعلقة بالإيقاعية، فقال السيوطي في شأن ذلك: "كثر في القرآن ختم الفواصل بحروف المد واللين وإلحاق النون، وحكمته وجود التمكن مع التطريب بذلك، كما قال سيبويه: إنهم إذا ترنموا يلحقون الألف والياء والنون لأنهم أردوا مد الصوت، ويتركون ذلك إذا لم يترمنوا، وجاء في القرآن على أسهل موقف وأعذب مقطع"([24]). وهذه المدود أو (الفونيمات) أكثر ما تلاحظ في الفواصل القرآنية، كما أقر بذلك السيوطي، فهي بذلك تتجسد في نهاية الدفقات الصوتية للجمل، محدثة عند الوقف من الإيقاعية الأخاذة. وهذه المدود، هي إما مدود مطلقة يوقف عليها بصوتها، وإما ملحقة بحرف (صائت) تسبقه. وقد تتكرر هذه (الفونيمات) في كل فاصلة فتضاعف حركة التكرار من قيمتها الإيقاعية بما لا يخفى جماله على القارئ أو السامع. ونحن إذا ما رمنا أن نتثبت من ذلك، فعلينا بقراءة مقاطع سورة "الشمس" قال تعالى: )والشمس وضحاها، والقمر إذا تلاها، والنهار إذا جلاها، والليل إذا يغشاها، والسماء وما بناها، والأرض وما طحاها، ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها، كذبت ثمود بطغواها، إذ انبعث أشقاها، فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها، فكذبوه فعقروها، فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها، فلا يخاف عقباها(([25]). لا شك أن المتأمل لهذه السورة ـ كاملة؛ بله المرتل لها، واقفاً عند كل فاصلة، ليجد تجاوباً في نفسه من جراء هذه الإيقاعية التي ما فتئت تحدث نغما موسيقياً جذاباً ومؤثراً كلما ازدادت فاصلة بعد فاصلة. وما دام القرآن العظيم في تجسيده لهذه المدود يساير طبيعة العرب في ترنمهم وإنشادهم([26]) فـ "إن ما نسلمه في القرآن من تلون وتنوع في آخر حروف الفواصل يحدث هو أيضاً تنوعاً في الإيقاع، يتم في وحدة من التناسق، ويعبر عن الصورة الفنية لإيقاع القرآن"([27]). ودليلنا على ذلك أن سورة مثل سورة "المائدة" تحتوي على مئة واثنين وعشرين آية، انتهت فواصلها كلها بستة حروف مكررة فقط وهي: حرف النون، وحرف الميم، وحرف الراء، وحرف الباء، وحرف الدال وحرف اللام؛ بحيث كان لحرف النون: 80 آية. ولحرف الميم: 24 آية. ولحرف الراء: 08 آيات. ولحرف الباء: 04 آيات. ولحرف الدال: 03 آيات. ولحرف اللام: 03 آيات. وبذلك، يكون مجموع حروف (فونيمات) الفواصل، اثنين وعشرين ومئة وهو عدد آيات السورة كاملة. وإذا حاولنا تثبيت النسبة المئوية من هذا الإحصاء؛ فإننا نجد أن حرف (النون) استحوذ على نسبة (65.57%) من (فونيمات) الفواصل؛ فكان بذلك أكثر من غيره، ليأتي بعده حرف (الميم) بنسبة (19.67%) من (فونيمات) الفواصل كذلك، ثم يتبعه حرف (الراء) بنسبة (06.55%)، ثم يتبعه حرف (الباء) بنسبة (03.27%)، ليأتي في الأخير كل من حرف (الدال) بنسبة (02.45%) وحرف (اللام) بنسبة (02.45%) كذلك. وتأسيساً على ذلك الإحصاء، وهذه النسب المئوية، يتضح لنا أن حرف (النون) في هذه السورة، هو أعلى نسبة مئوية وأكبر عدد عول عليه في اتخاذ (فونيم) الفواصل؛ وعليه آل هو المرتكز (Prominence) الأكثر إيقاعية في السورة كاملة وهذا المرتكز الإيقاعي (فونيم النون)، هو ما قرره السيوطي على لسان سيبويه في قوله ـ السالف الذكر ـ بأن العرب إذا أرادت أن تترنم تلحق من بين ما تلحق في كلامها حرف (النون). وهذا الأمر يمكن أن نقيسه على معظم السور القرآنية الطويلة منها والقصيرة. لكن هذه النتيجة المستخلصة من هذه الإحصائيات والنسب بشأن هذه الحروف لا يجب أن تنسينا بأن مدار الأمر يكمن في أن نوع الموضوع والتعبير هما اللذان يتحكمان في الإيقاع، وهي ميزة من مميزات الإيقاعية القرآنية. والمدود المكررة في القرآن العظيم، نلفيها على هيئة وحدات إيقاعية (Unitès Rythmique) متنوعة، إذ منها تكرار المديد الصوتي ذي (الفونيم الواحد)، ومنها تكرار المديد الصوتي ذي الإيقاع الثنائي المتشكل من (حرف+ فونيم). فمن أمثلة الوحدة الإيقاعية الأولى، ما نوضحه في الجدول الآتي:
ومن أمثلة الوحدة الإيقاعية الثانية، ما نوضحه أيضاً في الجدول الآتي:
الحروف المقطعة تمثل كل الظواهر الصوتية إن المتأمل في الحروف المقطعة المتمثلة في بعض فواتح السور القرآنية يلفيها تمثل كل الظواهر الصوتية الموجودة في اللسان العربية المبين "نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين"([28])؛ حيث الحروف المهموسة والمجهورة، والشديدة والرخوة، والمطبقة والمنفتحة، والحلقية والشفوية وأحرف القلقلة. ولكن يتضح لنا الأمر جلياً، تفرض علينا المقاربة، أن نرجع إلى هذه السورة المستهلة بهذه الحروف المقطعة، والتي هي على حسب ترتيب السور في المصحف الشريفة: تسع وعشرون سورة، كما هي موضحة في الجدول الآتي:
|