|
||||||
| Updated: Monday, December 05, 2005 01:15 PM | ||||||
| فهرس العدد |
|
ما يلاحظ على هذا الجدول: الفواتح
المؤلفة من حرف واحد؛ وذلك في سور ثلاث هي: (سورة ص) وق (سورة ق)، وق (القلم). ـ
الفواتح المؤلفة من حرفين؛ وذلك في تسع سور، هي: طه (سورة طه)، وطس (النمل)، ويس
(سورة يس)، وحم (غافر)، وحم (فصلت)، وحم (الزخرف)، وحم (الدخان)، وحم (الجاثية)،
وحم (الأحقاف). ـ
الفواتح المؤلفة من ثلاثة أحرف؛ وذلك في ثلاث عشرة سورة هي: ألم (البقرة)، وألم
(آل عمران)، وألر (يونس)، وألر (هود)، وألر (يوسف)، وألر (إبراهيم)، وألر (الحجر)،
وطسم (الشعراء)، وطسم (القصص)، وألم (العنكبوت)، وألم (الروم)، وألم (لقمان)، وألم
(السجدة). ـ
الفواتح المؤلفة من أربعة أحرف؛ وذلك في سورتين، هي: كهيعص (مريم)ن وحم عسق
(الشورى). وما
يلاحظ على هذه الحروف مجتمعة بغير المكرر منها؛ إنها تمثل كل الظواهر الصوتية الموجودة
في اللغة العربية ـ اللغة التي اختارها القرآن لساناً له ـ ذلك أننا إذا نظرنا في
هذه الحروف نفسها، نلفيها مشتملة على الحروف المهموسة والمهجورة، والشديدة
والرخوة، والمطبقة والمنفتحة والشفوية. ومهما
يكن من أمر؛ فإن هذه الحروف المقطعة من فواتح بعض السور القرآنية، قد نظمت على هذه
الشاكلة، لتحوي على كل ما من شأنه تحدي على أن يأتوا بسورة من مثله ولو اجتمعت
الجن والإنس على ذلك. الحروف
المقطعة بيانات (موسيقية) يتبعها المرتلون؟! ذكر
الأستاذ زكي مبارك في كتابه: (النثر الفني في القرن الرابع)، أنه تحدث عن فواتح السور
مع صديق وأستاذ له هو "المسيو بلانشو" (Blanchot)؛ فعرض عليه تأويلاً، يقول فيه الأستاذ زكي مبارك إنه جدير بالدرس
والتحقيق، ومفاد هذا التأويل، أن الحروف: (ألم، أ لر، حم، طسم)، هي كالحروف: (A.O.I)، التي توجد في بعض المواطن من (Chansons de geste)، أي: أنشودة الحركة. فهي ليست إلا (Neûmes)، أي: إشارات وبيانات موسيقية يتبعها المرتلون. ويأخذ
الأستاذ مبارك في القول بين التأييد والاحتمال، وبين الشك واليقين والاعتداد بقيمة
هذا الرأي، وإن كان هو قد رأى من أسباب ضعفه، أن المفسرين لم يعطوه ما يستحق من
العناية، مع تطوعهم بعرض كثير من الفروض ولو أنه كان معروفاً في الصدر الأول لما
تعرض لمثل هذا الإغفال([1]). وتعقيباً
على ذلك نقول إن مثل ذلك التأويل، قد يكون له جانب من الصحة، إذا نظرنا إلى تلك
الحروف المقطعة في فواتح بعض السور القرآنية نظرة سطحية تفتقر إلى التعمق، لكن
مجيئها بالشكل الذي هو عليه، هو طابع خاص تفرد به القرآن العظيم دون غيره من
التراتيل الدينية أو الكتب السماوية الأخرى([2]). فهي إذن بإيقاعيتها الخاصة (التقطيع) تهيئ
أذن السامع لما سيتلى عليه من آيات كما تلفت نظر المقرئ لما سيتلوه من آيات أيضاً([3]). اللفظة: إن
اللفظة القرآنية لها جانب كبير في سمو التعبير القرآني، يفوق أشكال وأنماط
التعابير الأخرى من غير النظم القرآني، بحيث تقوم اللفظة القرآنية على اعتبارات تجعلها
تسمو عن غيرها. وعليه،
فالدارس للفظة القرآنية يجد نفسه أمام جوانب مختلفة تستدعي النظر فيها. ونظراً
لطبيعة بحثنا فإننا سنقتصر في مقاربتنا هذه على الجانب الإيقاعي لهذه اللفظة. إن
الألفاظ الموظفة في الخطاب القرآني، يرى فيها الدارس المتمعن؛ بله السامع أو
القارئ المنتبه، الشأن العجيب، إذ يرى من جملة ما يرى أصوات الأحرف والحركات التي
تكون قبل اللفظة قد مهّدت لها طريقاً في اللسان وغمرتها بأنواع من الإيقاعية. يقول
الرافعي في شأن ذلك: "ولو تدبرت ألفاظ القرآن في نظمها لرأيت حركاتها الصرفية
واللغوية تجري في الوضع والتركيب مجرى الحروف أنفسها فيما هي له من أمر الفصاحة
فيهيئ بعضها لبعض ويساند بعضُها بعضاً ولن تجدها إلا مؤتلفة مع أصوات الحروف
مساوقة لها في النظم الموسيقى حتى إن الحركة وربما كانت ثقيلة في نفسها لسبب من
أسباب الثقل أيها كانت فلا تعذب ولا تساغ وربما كانت أوكس النصيبين في حظ الكلام
من الحرف والحركة([4]). وإذا
ما حاولنا تلمس ما ذهبنا إليه بالقول من المتن القرآني؛ فإن الأمر في هذا الموضوع
يتسع، وعليه؛ فإننا نلفي أنفسنا أمام هذا، نتخير ما يفي بما نصبو إليه في مقاربتنا
هذه. يقول
تعالى: )ولقد أنذرهم
بطشتنا فتماروا بالنذر(([5]) فلفظة (النذر) التي هي جمع: نذير، جاءت
الضمة فيها ثقيلة لتواليها على حرف "النون"، وحرف "الذال"
معاً، هذا فضلاً عن ثقل حرف "الذال" نفسه على اللسان وبخاصة إذا ما جاء
فاصلة أي (فونيما للكلام) لكن برجوعنا ثانية إلى الآية السالفة الذكر، ومحاولة
تأمل تركيبها؛ فإن "ضمة" لفظة (النذر) ضمن تركيب الآية، قد أصابت موضعها
ذلك أن مواضع القلقلة ـ قبلها ـ في "دال" (لقد)، وفي حرف
"طاء" (بطشتنا) بالإضافة إلى الحركات ذات الفتحات المتوالية بعد حرف
"الطاء" و"الشين" و"التاء" و"النون"
و"الفاء" و"الثاء" و"الميم" و"الراء"، مع
التعريف والفصل بالمدود (ـ تنا) في لفظة (بطشتنا) و(ـ تما) في لفظة (تماروا)، كل
ذلك كأنه استبطاء وتثقيل لخفة التتابع في الحركات ذات الفتحات، إذا ما هي جرت على
لسان قارئ أو على أذن سامع، ليكون ثقل (الضمة) على اللسان أو الأذن مستخفاً بعد. ثم
إن اللفظة (تماروا) نفسها، ما جاءت إلا لتشد من أزر حرف "الراء" في لفظة
(النذر)، حتى إذا ما انتهى اللسان عند هذه الأخيرة، انتهى إليها من مثلها
(تماروا)، فحينئذ لا تنبو لفظة (النذر)، ولا تغلظ في لسان القارئ أو أذن السامع
هذا ناهيك عما يصدر من إيقاعية في لفظة (أنذرهم)، حيث "النون"
و"الميم" و"النون" ثانية التي سبقت "الذال" في لفظة
(النذر). ومثل
هذا الأمر في القرآن العظيم كثير، فحتى في الألفاظ ذات العدد الملحوظ من الحروف
والمقاطع نجد ذلك، فبمثيل ما ذكر سالفاً، يكون لهذه الألفاظ مواضعها من حيث
الإيقاعية العذبة والتركيب الخفيف. وإذا
ما رمنا تلمس لفظة منتخبة من ذلك الذي ذكرنا؛ فلنتأمل قوله تعالى: )وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات
ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم
وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك
هم الفاسقون(([6])؟ إن
عدد حروف لفظة (ليستخلفنهم) بمفردها في هذه الآية قد بلغ عشرة أحرف، وإذا ما
حاولنا تلمس الإيقاعية فيها، فإننا لا شك نلفيها في تنوع مخارج حروفها، وفي معظم
حركاتها، وبتآلف وتناسق هذه الحركات وتلك الحروف، فكأنما صارت لفظة (ليستخلفنهم)
في النطق أربع كلمات هكذا: (ليس ـ تخل ـ فن ـ هم) وما هي في حقيقة الأمر إلا أربعة
مقاطع. وهناك
لفظة أخرى شبيهة بما أوردناه، متمثلة في قوله تعالى: )فإن آمنوا
بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو
السميع العليم(([7]) إذ أن لفظة (فسيكفيكهم)، قد بلغ عدد حروفها
بمفردها تسعة أحرف غير أن سر جمال هذه اللفظة تمثل في إيقاعيتها التي انبنت من
تكرار حرف "الياء" و"الكاف" فيها، ثم من توسط حرف
"الكاف" الأولى، وحرف "الكاف" الثانية وحرف مد
"الياء"، الذي يعد (المرتكز الإيقاعي) في هذه اللفظة. إن
الخطاب القرآني بتوظيفه اللفظة المختارة، جعلها تسهم في أداء المعنى مصحوبة
بإيقاعيتها، وهو بذلك أضحى شديد العناية بما يسمى: "الأونوماتوبيا" (Onomathopèe)، أي اقتران الإيقاع بالمعنى أو بالصورة التي قد تمثلها هذه
المعنى. ولتوضيح
هذه العناية أكثر، نلاحظ لفظة (لنبوئنهم) في قوله تعالى: )والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة
غرفاً تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين(([8]). إن
لفظة (لنبوئنهم)، هي بمعنى: "لننزلنهم... وقرئ: لنثوينهم، من الثواء وهو
النزول والإقامة"([9]). إذن،
نحن أمام لفظتين: (لننزلنهم)، و(لنثوينهم)، غير أن الخطاب القرآني العظيم استأثر
لفظة (لنبوئنهم) بالاختيار؛ ذلك أن صيغتها وما تضمه من تشديد وتأكيد "باللام
والنون"، وما تحدثه أيضاً من إيقاعية، يؤكد سر استئثاره بهذه اللفظة والذي به
أيضاً تم سر فصاحة هذه اللفظة. ونظر
لما امتازت به اللفظة القرآنية من ميزات خاصة؛ فقد أفرد لها الكتاب من الأدباء
والعلماء من اللغويين بصفة عامة، كما أفرد لها المهتمون بالدراسات القرآنية بصفة
خاصة، العديد من البحوث والمؤلفات؛ فوجدوها ذات خصوصية مميزة وذات طابع فريد. وإذا
ما حاول المرء منا أن يلتمس شبيه ذلك في أي لغة من اللغات فإنه لن يفلح أبداً، بل
حتى لغتنا العربية "إن مفرداتها منها متآلف في حروفه ومتنافر وواضح مستأنس،
وخفي غريب، ورقيق خفيف على الأسماع، وثقيل كريه تمجه الأسماع وموافق لقياس اللغة
ومخالف له، ومن هذه المفردات عام وخاص، ومطلق ومقيد، ومجمل ومبين، ومعرف ومنكر،
وظاهر ومضمر، وحقيقة ومجاز"([10]). أما
اللفظة القرآنية، فقد امتازت بخصائص ومزايا، جعلت لها طابعاً معجزاً في القرآن
وبلاغته، إن للفظة القرآنية مسحة خلابة عجيبة، تتجلى في إيقاعيتها التنغيمية التي
تستهوي النفوس، بحيث "إن من ألقى سمعه إلى هذه المجموعة الصوتية الساذجة ـ أي
حروف الألفاظ ـ يشعر من نفسه ولو كان أعجمياً لا يعرف العربية، بأنه أمام لحن
غريب، وتوقيع عجيب، يفوق في حسنه وجماله كل ما عرف من توقيع الموسيقى وترنيم
الشعر"([11])، وعلى ذلك، فلقد اتفق معظم دارسي اللفظة
القرآنية على تميزها بميزات كثيرة. ولعل أبرز هذه الميزات هو جمال وقعها في
الأسماع، وأداؤها الفني الذي تقوم به بكل ما تكونت به من حروف، ومن صور ترتيب هذه
الحروف. إنها الإيقاعية التي توحي بمعاني هذه اللفظة قبل أن توحي بمدلولاتها
اللغوية عليها، وبيان ذلك من المتن القرآني العظيم، هو لفظة (اثاقلتم) [بتشديد
الثاء] في قوله تعالى: )يا أيها
الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله أثاقلتم إلى الأرض، أرضيتم
بالحياة الدنيا من الآخرة، فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل(([12]). فالمتأمل
في لفظة (اثاقلتم)، بكل ما تكونت به من حروف، ومن صور ترتيب هذه الحروف، ومن حركة
التشديد على حركة اللثوي "الثاء"، وحرف المد "الألف" بعده، ثم
تمثل حرف "القاف" الذي هو من بين حروف القلقلة، ثم مجيء
"التاء" المهموسة، و"الميم" ذات الغنة والمطبقة، كل ذلك يوحي
بالمعنى شعوراً قبل أن توحي به المنظومة المعجمية، بحيث إننا نلاحظ في خيالنا ذلك
الجسم المتثاقل، يرفعه الرافعون بجهد جهيد، ثم ما فتئ أن يسقط من أ يديهم في ثقل. ومن
هنا كانت المشاكلة بين البطء في تلفظ الكلمة (أثاقلتم)، وبين الحركة البطيئة التي
تكونت من المثاقل. والأمر
ينطبق تماماً على لفظة (كبارا)، من قوله تعالى: )قال نوح رب
إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا، ومكروا مكرا كبارا(([13])
فإن أول شيء يستدعي انتباهنا؛ بل أسماعنا، هو تلك الصيغة المبالغة المتمثلة في
لفظة (كبارا)؛ إذ أحدثت هذه اللفظة إيقاعية خاصة ذات جرس يتصل بالنطق والسماع، كما
ولدت نغمة مشوبة بالقوة والعنف، إذ أن صيغة (كبارا)، وهي صفة لمكر قوم نوح ـ عليه
السلام ـ تفيد توضيحاً وبلاغة في المعنى، كما تفيد في الوقت نفسه، وقعاً شديداً
على النفس، الأمر الذي يحدث إيقاعية تشبع الفم وتملؤه انتفاخاً وضغطاً، وفي الوقت
نفسه، تشعر هذه الإيقاعية النفس وكأنها تنحدر إلى الأرض تعبيراً عن شدة مكر
الماكرين. والسيد
قطب، من الذين أجادوا في الوقوف عند اللفظة القرآنية من حيث بنيتها وفاعليتها في
الخطاب القرآني؛ إذ نلفيه ـ على سبيل المثال ـ يعلق على إيقاعية بعض الألفاظ
القرآنية، والتي لها من الوقع ما يجعل القارئ أو السامع يتحسس لها المعنى قبل
معرفته لها في المعاجم اللغوية، فيقول: "ومن الأوصاف التي اشتقها القرآن ليوم
القيامة: "الصاخة" و"الطامة" والصاخة لفظة تكاد تخرق صماخ
الأذن في ثقلها وعنف جرسها، وشقه للهواء شقا، حتى يصل إلى الأذن صاخاً ملحاً.
والطامة لفظة ذات دوي وطنين، يخيل إليك بجرسها المدوي أنها تطم وتعم، كالطوفان
يغمر كل شيء ويطويه"([14]). العبارة:
في حديث له عن أن القرآن لم يخرج عن مهود العرب في لغتهم يقول الزرقاني في كتابه:
(مناهل العرفان في علوم القرآن): "من كلماتهم ـ أي العرب ـ تألفت تراكيبه، وعلى
قواعدهم العامة في صياغة هذه المفردات وتكوين التراكيب جاء تأليفه، ولكن المعجز
والمدهش لأعجب العجب، أنه مع دخوله على العرب من هذا الباب الذي عهدوه، ومع مجيئه
بهذه المفردات والتراكيب التي توافروا على معرفتها... نقول، إن القرآن مع ذلك...
قد أعجزهم بأسلوبه الفذ... ولو دخل عليهم من غير هذا الباب الذي يعرفونه، لأمكن أن
يلتمس لهم عذر أو شبه عذر، وأن يسلم لهم طعن أو شبه طعن"([15]). وبيان
ذلك، أن جمل اللغة من غير القرآن العظيم، منها ما هو حقيقة ومنها ما هو مجاز،
ومنها متآلف الكلمات، ومتنافرها، ومنها واضح المعاني ومعقدها ومنها ما هو موافق
للقياس اللغوي، ومنها ما هو خارج عنها، ومنها الجمل الاسمية والفعلية والخبرية
والإنشائية، ومنها الجمل المنفية والأخرى المثبتة وفيها المتقدمة والمتأخرة
والواصلة والفاصلة، إلى غير ذلك من التراكيب العربية هو ديدن الأدباء والكتاب من
خلال أساليبهم وأغراضهم، وكل مقال من هذا صالح لمقامه؛ ولكن أن يجتمع كل من التآلف
وموافقة القياس والجمع بين الخبر والإنشاء والنفي والإثبات والإيجاز والإطناب
والتقديم والتأخير والفصل والوصل، وما إلى ذلك ما لا يستطيعه البشر، لكن الله
تعالى "هو الذي انتهت إليه الإحاطة بجميع أحوال الخلق وحده، هو القادر على
تضمين كلامه كل المناسبات التي اقتضتها الأحوال الكثيرة التي لم يحط ولن يحيط بها
سواه"([16]). الآية
وصياغتها: إن دراسة الآية في حقيقة أمرها تتصل اتصالاً مباشراً بدراسة الجملة،
بمعنى أن الذي نعنيه بالآية هو نفسه ما نعنيه بالجملة على وجه التقريب. وإذا كان
علماء البلاغة والإعجاز من تراثنا يجعلون البلاغة درجات؛ فإنهم يقرون باطمئنان أن
صياغة العبارة القرآنية أو (الآية)، يأتي في الجانب الأعلى من السمو البلاغي الذي
هو الإعجاز ذاته. وهم لأجل توضيح أمر ذلك، يلجأون لضرب الأمثلة، ومن ذلك نتأمل
قوله تعالى: )عم
يتساءلون، عن النبأ العظيم، الذي هم فيه مختلفون(([17])؛ إذ نلاحظ بين العبارة والأخرى تقابلاً
موسيقياً في عدد الألفاظ، وتقابلاً أيضاً في عدد الحروف والحركات المكونة لهذه
العبارات؛ إنها البنية الفريدة لعبارات القرآن التي شكلت خاصية سمت بها عن كل بنية
قولية منظومة أو منثورة. وإذا
ما حاولنا الوقوف أكثر عند العديد من العبارات القرآنية، لتأمل هندسة إيقاعيتها،
فلا ريب أننا نلاحظ ما لا يتحقق في غير نظم القرآن، ومن جُمَلِهِ ما نلاحظه على
سبيل المثال لا الحصر ما يلي: 1
ـ الجملتان المسجوعتان المتوازيتان في القصر: كما يتضح ذلك جلياً في قوله تعالى: )إذا الشمس كورت، وإذا النجوم انكدرت، وإذا الجبال
سيرت وإذا العشار عطلة..(([18])؛ وفي قوله تعالى
أيضاً: )إذا وقعت
الواقعة، ليس لوقعتها كاذبة، خافضة رافعة..(([19]). 2
ـ الجملتان المتوازيتان في الطول والمرسلتان في غير ما فواصل: والملاحظ في مثل
هاتين الجملتين في إرسالهما، إنهما مخالفتان للنظم من غير القرآن العظيم، وذلك
لوجود الفاصلة المتحدة أو المتماثلة في آخرها. وهذا النوع في القرآن هو الأغلب. إن
التناسق الذي يعطي العبارة القرآنية تلك الجاذبية التي تستهوي الأسماع لهو من بين
بنية وهندسة إيقاعية العبارة في القرآن العظيم؛ ذلك أن العبارة تستمد دلالتها
"من مفردات الدلالات اللغوية للألفاظ، ومن الدلالة المعنوية الناشئة من
اجتماع الألفاظ في نسق معين، ثم الإيقاع الموسيقي الناشئ من مجموعة إيقاعات
الألفاظ، متناغماً مع بعض، ثم من الصور والظلال التي تشعها الألفاظ متناسقة في
العبارة"([20])؛ ذلك أن العبارة ـ باعتبارها مجموعة من
الألفاظ ـ يحكمها النظم والتأليف، وما هذان الأخيران، إلا من مقومات العملية
الإيقاعية. وبيان
ذلك، أن من دلائل وبراهين اهتمام العبارة القرآنية بالإيقاعية هو تكييف بعض
الألفاظ المكونة لهذه العبارة حتى يتم التناسق في الصيغة التعبيرية للعبارة ككل
ضمن السياق، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: )وقيل اليوم
ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين، ذلك بأنكم
اتخذتم آيات الله هزؤاً وغرتكم الحياة الدنيا فاليوم لا يخرجون منها ولا هم
يستعتبون(([21])، فلقد وردت لفظة (ذلكم) جمعاً، إذ كان في
الإمكان مجيئها بصيغة الإفراد هكذا: )ذلك بأنكم
اتخذتم...( لكن الذي خالف هذا الأمر هو تجنب شعور المستمع بالكسر في
الإيقاعية، فكان ورودها بصيغة الجمع قد أدى غرضاً فنياً بتجسيد هذه الإيقاعية في
العبارة ككل. الإيقاعية
بتكرار العبارة القرآنية: لقد
احتوى الخطاب القرآني على تكرار طبيعي خال من التكلف، ويلفيه الدارس في أشكال
وأنماط متعددة، تارة يلفيه في العبارة، وتارة يلفيه في أجزاء العبارة: في ألفاظها
وحروفها، وهو في كل الأحوال يحدث إيقاعية خاصة يساير فيها مقتضيات التعبير الفني
والديني. وإذا
ما رمنا تثمل ذلك من النظم القرآني؛ فإننا نلفيه متجسداً في كثير من المواقع، يقول
تعالى: )أمن خلق
السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن
تنبتوا شجرها أإله مع الله، بل هم قوم يعدلون أمن جعل الأرض قراراً وجعل خلالها
أنهاراً وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزاً أإله مع الله، بل أكثرهم لا
يعلمون، أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله،
قليلاً ما تذكرون، أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشراً بين يدي
رحمته، أإله مع الله تعالى الله عما يشركون، أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم
من السماء والأرض، أإله مع الله، قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين(([22]). إن
المتأمل في عبارة "أإله مع الله" المتكررة في هذه المقاطع خمس مرات
يلفيها تحدث إيقاعية مميزة عن باقي الآيات التي سبقت هذه المقاطع، أو التي تلت هذه
المقاطع؛ ذلك أن عبارة "أإله مع الله"، كانت (المرتكز الإيقاعي) الذي ميز
خطاب هذه المقاطع إيقاعياً. والقول
نفسه ينطبق على تكرار عبارة )ويل يومئذٍ
للمكذبين( في قوله تعالى: )وإذا الرسل
أقتت لأي يوم أجلت، ليوم الفصل، وما أدراك ما يوم الفصل ويل يومئذ للمكذبين، ألم
نهلك الأولين، ثم نتبعهم الآخرين، كذلك نفعل بالمجرمين، ويل يومئذ للمكذبين، ألم
نخلقكم من ماء مهين، فجعلناه في قرار مكين إلى قدر معلوم، فقدرنا فنعم القادرون،
ويل يومئذ للمكذبين، ألم نجعل الأرض كفاتا، أحياء وأمواتا، وجعلنا فيها رواسي
شامخات واستقيناكم ماء فراتا، ويل يومئذ للمكذبين، انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون،
انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب، لا ظليل ولا يغني من اللهب، إنها ترمي بشرر كالقصر،
كأنه جمالات صفر، ويل يومئذ للمكذبين، هذا يوم لا ينطقون، ولا يؤذن لهم فيعتذرون،
ويل يومئذ للمكذبين، هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين، فإن كان لكم كيد فكيدون، ويل
يومئذ للمكذبين، إن المتقين في ظلال وعيون، وفواكه مما يشتهون كلوا واشربوا هنيئا
بما كنتم تعملون، إنا كذلك نجزي المحسنين، ويل يومئذ للمكذبين كلوا وتمتعوا قليلاً
إنكم مجرمون، ويل يومئذ للمكذبين، وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ويل يومئذ
للمكذبين، فبأي حديث بعده يؤمنون(([23]). إن
تكرار عبارة )ويل يومئذ
للمكذبين( عشر مرات، شكلت (المرتكز الإيقاعي) في هذا المقطع المنتخب من سورة
المرسلات، غير أن هذا المرتكز الإيقاعي، نلفيه في ذات الوقت يتنوع بتنوع ما قبله
وما بعده. ولو لم يكن كذلك، لكان ضرباً من التكرار الممل، ذلك أننا وجدناه تارة
يسوده التذكر الذي يحوي التخويف من يوم الفصل في قوله تعالى: )وما أدراك ما يوم الفصل، ويل يومئذ للمكذبين(،
وتارة أخرى يسوده الانتقام بالمجرمين في قوله تعالى: )كذلك نفعل
بالمجرمين، ويل يومئذ للمكذبين(.. إلى غير ذلك من أنواع هذا التكرار الإيقاعي الذي يحدثه تكرار
عبارة )ويل يومئذ
للمكذبين(. لكن
على الرغم من هذا التنوع في الإيقاعية؛ فإن هذا التكرار المتوالي في ذلك المقطع
المنتخب؛ نلفيه يكتسي إيقاعية تكاد تكون ذات طابع واحد، متخذة شكل بنيتها من ذلك
النطق والجرس والصيغة والمعنى؛ ذلك "أنه في بناء الجملة الصوتي هناك تأثير
متبادل بين الصوت والمعنى، ففي الوقت الذي يؤثر فيه السياق والمعنى على إقامة
علاقات وروابط بين التتابع الصوتي للكلمات والجمل ـ ممثلاً في التكرار فإن الأصوات
تؤثر من جهة ما يوفره من إيقاعات وتناغم يزيد من بهاء المعنى ويقربه من قلب المتلقي"([24]). وهذا
الذي ذكرناه، نلفيه يتجلى أكثر في عبارة: )فبأي آلاء
ربكما تكذبان( ضمن سورة الرحمن، فهذه العبارة التي تكررت إحدى وثلاثين مرة،
والتي أحدثت إيقاعية مميزة، نلفيها تتنوع بتنوع السياق المدرجة فيها؛ إذ المتفحص
في عبارة )فبأي آلاء
ربكما تكذبان( يلفي إيقاعيتها يسودها التذكير بنعم الله، وذلك من الآية الأولى
إلى غاية الآية الثلاثين، وتارة يسودها الوعيد والتعجيز من الله تعالى، وذلك من
الآية الواحد والثلاثين إلى غاية الرابعة و الأربعين، ثم تارة أخرى نلفي هذه
الإيقاعية يسودها ذكر ثواب المتقين وجزاء العاملين، وذلك من الآية الخامسة
والأربعين إلى غاية الآية السابعة والسبعين. وإلى جانب هذا الذي ذكرناه، فعلى
الرغم من هذا العدد الكبير الذي تكرر في هذه السورة الواحدة؛ فقد أضفت هذه العبارة
على السورة إيقاعية طبعتها بالجمال المعجز، "فتأمل... لفظ "آلاء"،
تحس سمعاً أن الحروف بإيقاعها المجزأ صاعدة نحو السماء، هابطة تلامس عقول البشر
على الأرض... بقوله تعالى: "ربكما" فـ "ربكما" بالمد في آخرها
تثبت سيطرة الخالق على الكون وما فيه، وكذلك قوله "تكذبان" فـ
"الباء" بمدها هو مد نحو الأعلى في الإيقاع، وهو خطاب للمثنى هما الجن
والإنس اللذان يكذبان ما نزل من الأفق الأعلى و"النون" نزول طبيعي للأرض
بخطاب للبشر والجان... فلو رسمنا هذا الإيقاع رسماً بيانياً لوجدناه كالتالي([25]):
وقبل
أن نبرح الكلام عن الإيقاعية بتكرار العبارة في القرآن، يجب أن نذكر في هذا المقام
أن ما نعني به من لفظة (تكرار) هو في جوهره ليس تكراراً، وما ينبغي لـه أن يكون؛
ذلك أن ارتباط العبارات التي تبدو مكررة في القرآن بوظائف كثيرة ومتنوعة يخرجها من
دائرة التكرار المتعارف عليه. 2
ـ المعمارية الإيقاعية للنص القرآني: من
خلال ما مر بنا من دراسة، نستطيع أن نطمئن إلى أنّ النص القرآني العظيم قام جزء
ملفت للنظر من إعجازه على إيقاعيته التي تحدَّت مع غيرها من أساليب نظم القرآن
فصحاء العرب وبلغاءهم من شعراء وخطباء، وما دام الأمر على هذا الحال، فإن هذا
التحدي بهذا الإعجاز، نلفيه قد تجسد أكثر في معمارية هذه الإيقاعية التي شملت
المتن القرآني بكليته، وذلك بجميع عناصرها الأساسية: من إيقاعية الحروف التي تجتمع
بدورها لتؤلف إيقاعية الكلمات، والتي تجتمع بدورها هي أيضاً لتؤلف إيقاعية الجمل
والعبارات، لتشكل في الأخير بنية معمارية إيقاعية قرآنية، تصب في الخطاب القرآني
ونظمه بشكل عام. وهي بنية على غاية من الروعة والجمال؛ إذ إن هذه البنية المعمارية
الإيقاعية الفريدة في كلماتها وعباراتها وفقراتها وسورها، جعلت النص القرآني يمتاز
بخاصية سما بها فوق كل خطاب([26]). وبيان
ذلك، أن "من ألقى سمعه إلى مجموعة القرآن الصوتية، وهي مرسلة على وجه السذاجة
في الهواء، مجردة من هيكل الحروف والكلمات، كأنْ يكون السامع بعيداً عن القارئ،
يشعر من نفسه ـ ولو كان أعجمياً ـ بأنه أمام لحن غروب توقيع عجيب، يفوق في حسنه
وجماله كل ما عرف من توقيع الموسيقى، وترنيم الشعر"([27]). ومن
هذا الذي ذكرنا، تتجلى المعمارية الجمالية لإيقاعية الخطاب القرآني حين نزل بهذا
البناء الإيقاعي المختلف والمؤتلف والجامع بين اللين والشدة، والجهر والهمس.. كل
ذلك على وجه محكم ودقيق، هذا البناء الإيقاعي بجزئياته ضمن المعمارية الإيقاعية
للنص القرآني ككل كان بحق دليلاً على إعجاز القرآن، كما كان في الوقت نفسه سوراً
منيعاً لحفظ القرآن ذلك "أن من شأن... النظام الصوتي أن يسترعي الأسماع،
ويثير الانتباه ويحرك داعية الإقبال في كل إنسان، إلى هذا القرآن الكريم، وبذلك
يبقى أبد الدهر سائداً على ألسنة الخلق وفي آذانهم، ويعرف بذاته ومزاياه بينهم فلا
يجرؤ أحد على تغييره وتبديله مصداقاً لقوله سبحانه: )إنا نحن
نزلنا الذكر وإنا له لحافظون( بحيث لو دخله شيء من كلام الناس لاعتل مذاقه، واختل نظامه"([28]). وإذا
ما حاولنا أن نتمثل بعض ما مرّ بنا بشأن المعمارية الإيقاعية للنص القرآني فإننا
تنتخب سورة من سور القرآن لتكون أنموذجاً للنص القرآني، ولتكن سورة
"العاديات"، يقول فيها تعالى: )والعاديات
ضبحاً، فالموريات قدحاً، فالمغيرات صبحاً فأثرن به نقعاً، فوسطن به جمعاً إن
الإنسان لربّه لنكود، وإنه على ذلك لشهيد وإنه لحب الخير لشديد، أفلا يعلم إذا
بعثر ما في القبور، وحصل ما في الصدور إن ربّهم بهم يومئذ لخبير(([29]). إن
كلا من المتأمل والمرتل والسامع لهذا النص القرآني، يشعر أن لها إيقاعية موسيقية
جلية، تبدو في تواتر إيقاعيتها منقسمة إلى ثلاث نغمات متناسبة مع أقسام هذا النص
فكرياً ولغوياً. ـ
القسم الأول: يبدأ من الآية الأولى إلى الآية الخامسة. ـ
القسم الثاني: يبدأ من الآية السادسة إلى الآية الثامنة. ـ
القسم الثالث: يبدأ من الآية التاسعة إلى الآية الحادية عشر، وهي الآية الأخيرة.
بحيث نجد في هذه الأقسام الثلاثة ما يلي: *
ـ هناك خمس إيقاعات موسيقية في القسم الأول، ومنه تولدت لدى القارئ أو السامع
إيقاعية ذات نغمة واحدة، احتوت على فواصل مكونة من كلمات ممدودة الآخر وهي (ضبحاً
ـ قدحاً ـ صبحاً ـ نقعاً ـ جمعاً). *
ـ وهنا ثلاث إيقاعات موسيقية في القسم الثاني، ومنه تولدت أيضاً إيقاعية ذات نغمة
واحدة، غير أنها أطول نفساً من الإيقاعية الأولى. وقد احتوت هذه النغمة على فواصل
مكونة من ثلاث كلمات انتهت بـ (فونيم) واحد هو حرف "الدال" في كل من
(كنود ـ شهيد ـ شديد). *
ـ وهنا ثلاث إيقاعات موسيقية أيضاً في القسم الثالث، والذي به أختمت السورة ومنه
كذلك تولدت إيقاعية ذات نغمة واحدة، احتوت على فواصل مكونة هي الأخرى من ثلاث
كلمات، انتهت بـ (فونيم واحد)، وهو حرف "الراء" في كل من (القبور ـ
الصدور ـ لخبير) ويمكن توضيح كل ذلك من خلال الوحدة الخطية الإيقاعية الآتية:
ونتيجة
ما ذكر إن الإيقاعية الموسيقية في هذا النص قد تمثلت في معماريته ككل، فوجدناها في
جرس ألفاظها وفي نغمة عبراتها وفي فواصل آياتها وبالتالي في السورة ككل، كما
ألفيناها في ذات الوقت متشاكلة مع مضامينها و مشاهدها، إذ تنوعت إيقاعيتها بتنوع
مواقفها وانسجمت بانسجامها. وعليه، وشبيه بذلك، فـ "إن المرء ليحار إذا قرأ
مثلاً سورة "الرحمان" فيتساءل: هل انبعث إيقاعها الرخي المناسب من
مطلعها أم من ختامها أم من خلال آياتها؟ وإذا هو يقطع بأن النغم يسري فيها كلها:
في فواصلها ومقاطعها وفي ألفاظها وحروفها وفي انسياقها وانسيابها"([30]). 3
ـ خصوصية الإيقاع في الخطاب القرآني: يختص
الخطاب القرآني بإيقاعية نغمية فريدة من نوعها، ولذلك فإن مسألة الإعجاز
"تتجسد في هذا الجبروت الخارق من النسج والإيقاع الداخلي، والخارجي والذي هو
وارد في إيقاع السورة من جهة، وفي شكل إيقاعات السورة الأخرى الملاحقة المترابطة
من القرآن من جهة أخرى"([31]). إن
الإيقاعية القرآنية التي تستأثر بميزات لا تلتمس إلا في نظمه البديع ونسجه القشيب؛
هو المر الذي دفع بأحد المستشرقين الاعتراف بهذه الميزة إذ يقول: "إن وحدة
القرآن الفنية، يضمها نسق شعري، غير مألوف في الأدب العربي، فهناك قافية تربط
الكلمات التي تختم الآية، وهذه الآية ليست محددة بمعيار، بل ينسج شكلها من خلال
الحاجة التي يقتضيها مضمونها"([32]). وصدق
هذا المستشرق، من حيث قصد أو لم يقصد، بأن هذه الإيقاعية ليست عملاً فنياً مقصوداً
لذاته؛ بل هي مجرد وسيلة سخرها القرآن العظيم للحاجة التي يقتضيها المضمون المتمثل
في الجانب الديني. ولا شك أن هذا المستشرق كان يركز بقصده هذا على الفاصلة
القرآنية، باعتبارها نسيجاً صوتياً إيقاعياً يسترعي الأسماع، ويثير الانتباه،
ويحرك داعية الإقبال إلى هذا القرآن العظيم؛ ذلك "أن للفاصلة القرآنية وظيفة
إيقاعية لا مماراة فيها، وفضلاً عن ذلك، فإنها تؤدي دوراً بنائياً تشكيلياً للنص
وهذا يتبدى في الصورة النمطية الطاغية على شكل الخطاب الذي يتحرك به النص"([33]). إن
الخطاب القرآني في إيقاعيته، يشعرنا بوزن ليس على أعاريض الشعر في رجزه ولا في
قصيده، وليس أيضاً على سنن النثر المرسل ومنه ولا المسجوع كما تشعرنا تراكيب حروفه
على تناسق عجيب بين الجهر والهمس، وبين الشدة واللين وبين المقطوع والممدود، بحيث
تشكل مجتمعة معمارية إيقاعية ذات لحن طروب على الرغم من تنقل أساليب القرآن بين
موضوعات مختلفة من مواعظ ووعد ووعيد وتشريع وقصص.. ذلك ما لا يلتمس إلا في نظمه
المعجز، ونسجه القشيب، وبذاك بدا حجة على العرب، والعرب بدورهم حجة على سائر
الناس. إنها
المزية التي جعلت النص القرآني يتسامى في كل عصر ومصر على التبديل والتغيير
تحقيقاً لقوله تعالى: )إنا نحن
نزلنا الذكر وإنا له لحافظون(([34]). المصادر
والمراجع 1
ـ القرآن الكريم: رواية ورش عن الإمام نافع. 2
ـ الإتقان في علوم القرآن: جلال الدين السيوطي. تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم.
المكتبة العصرية. صيدا ـ بيروت. 1418هـ ـ 1997م. المجلد: 3. 3
ـ أثر القرآن في تطور النقد العربي إلى آخر القرن الرابع الهجري: د. محمد زغلول
سلام. دار المعارف بمصر. الطبعة الثانية 1961. 4
ـ أدبيّة الخطاب القرآني ـ مقاربة تحليلية توصيفية لفاعلية التبليغ الإعجازي ـ د.
سليمان عشراتي. جامعة وهران ـ الجزائر. دكتوراه (مخطوط) سنة 1991 ـ 1992م. 5
ـ الأصول المعرفية لنظرية التلقي: ناضم عودة خضر. دار الشروق عمان ـ الأردن.
الطبعة الأولى. 1997. 6
ـ الأسس الجمالية في النقد العربي ـ عرض وتفسير ومقارنة ـ د. عز الدين إسماعيل. در
الفكر العربي، القاهرة. 1412هـ ـ 1992م. 7
ـ الإعجاز الفني في القرآن: عمر السلامي. مؤسسات عبد الكريم بن عبد الله. تونس.
1980م. 8
ـ إعجاز القرآن والبلاغة النبوية: مصطفى صادق الرافعي. دار الكتاب العربي. بيروت
لبنان. 9
ـ إيقاعات الموسيقى العربية وأشكالها: صالح المهدي. بيت الحكمة، قرطاج. تونس.
1990. 10
ـ الإيقاع في الشعر العربي: محمود المسعدي. مؤسسات عبد الكريم بن عبد الله. تونس.
1986. 11
ـ البرهان في علوم القرآن: بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي. تحقيق: محمد أبو
الفضل إبراهيم. دار الجيل. بيروت ـ لبنان 1408هـ ـ 1988م. المجلد: 1. 12
ـ التصوير الفني في القرآن: سيد قطب. دار الشروق. الطبعة الرابعة عشرة. 1413هـ ـ
1993م. 13
ـ التعبير الفني في القرآن. د. بكري شيخ أمين. دار الشروق. الطبعة الرابعة. 1980. 14
ـ الخطاب القرآني ـ مقاربة توصيفية لجمالية السرد الإعجازي ـ د. سليمان عشراتي.
ديوان المطبوعات الجامعية. الجزائر. 1998. 15
ـ خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية: د. عبد العظيم إبراهيم محمد المطعني.
مكتبة وهبة. القاهرة. الطبعة الأولى. 1413هـ ـ 1992م. المجلد: 1. 16
ـ الكتاب: سيبويه، أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر. تحقيق وشرح: عبد السلام محمد
هارون. دار الجيل ـ بيروت. الطبعة الأولى (د.تا). المجلد: 4. 17
ـ الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل: أبو القاسم جار الله
محمود بن عمر الزمخشري. مكتبة مصر ـ الفجالة. المجلد: 3. 18
ـ لاروس ـ المعجم العربي الحديث ـ د. خليل الجر. مكتبة باريس"6. 1973. 19
ـ لسان العرب: ابن منظور، جمال الدين بن مكرم الأنصاري. طبعة مصورة عن طبقة بولاق.
الدار المصرية للتأليف والترجمة. المجلد: 10. 20
ـ مباحث في علوم القرآن: د. صبحي الصالح. دار العلم للملايين. بيروت ـ لبنان.
الطبعة الثالثة عشرة 1981. 21
ـ مناهل العرفان في علوم القرآن: محمد عبد العظيم الزرقاني. دار المعرفة ـ بيروت ـ
لبنان. الطبعة الثانية. 1422هـ ـ 2001 م الجزء: 2. 22
ـ معجزة حروف القرآن: حليمة مدرس بوداود. دار الغرب للنشر والتوزيع ـ الجزائر (د.تا). 23
ـ النثر الفني في القرن الرابع: زكي مبارك. دار الجيل. بيروت (د.تا) الجزء: 1. 24
ـ نظام الخطاب القرآني ـ تحليل سيمائي مركب لسورة الرحمن ـ د. عبد الملك مرتاض.
دار هومه للطباعة والنشر ـ الجزائر. 2001. 25
ـ نظرية إيقاع الشعر العربي: محمد العياشي. الطبعة العصرية. تونس. 1976. 26
ـ نظرية القراءة ـ تأسيس للنظرية العامة للقراءة الأدبية ـ د. عبد الملك مرتاض.
دار الغرب للنشر والتوزيع. الجزائر 2003. 27
ـ النقد الأدبي ـ أصوله ومنهجه ـ سيد قطب. دار الكتب العربية. بيروت ـ لبنان
(د.تا). 28
ـ فلسفة وفن: زكي نجيب محمود. مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر. القاهرة. 1963. 29
ـ في البنية الإيقاعية للشعر العربي. د. كمال أبو ديب. دار العلم للملايين. بيروت
ـ لبنان. الطبعة الثانية. 1981. المراجع
الأجنبية: 1 – Jean Cohen، Structure du
langage poètique، flammation، 2 – Octave peste، le Coran. Maisonneuve، 5ème
edition 1980. 3 – Paul Robert، Le Robert، dictionnaire alphabètique et analogique de la langue Française، sociètè du nouveau
Littrè le Robert، ([2]) من باب التأكيد على هذا الأمر، فلقد وقفت عند مطلع كل سفر من
أسفار (العهد القديم) بجميع إصحاحاته كما أني وقفت بعد ذلك عند مطالع كل الأناجيل
من (العهد الجديد) أيضاً بما في ذلك أعمال الرسل وكل رسائل الرسل بجميع إصحاحاتها
ورؤيا يوحنا اللاهوتي وبجميع إصحاحاتها كذلك فما وجدت فيها ولا في غيرها هذه
الميزة التي تفرد بها القرآن العظيم بشأن تلك (الحروف المقطعة) وإنها لميزة اختص
بها وحده. ([3]) وهو المعنى نفسه الذي ذكره الزركشي في كتابه: (البرهان في علوم
القرآن) حينما أورد ما ذكره الناس من أقوال في شأن هذه الحروف المقطعة إذ ذكر من
جملة ما ذكر على لسانهم قوله: "أن العرب كانوا إذا سمعوا القرآن لغوا فيه
وقال بعضهم: )لا تسمعوا
لهذا القرآن والغوا فيه( ـ سورة فصلت، من الآية: 25 ـ فأنزل الله هذا النظم البديع ليعجبوا
منه، ويكون تعجبهم سبباً لاستماعهم واستماعهم له سبباً لاستمتاع ما بعده فترق
القلوب وتلين الأفئدة"؛ كما أضاف بالقول على لسانهم أيضاً في موضع آخر:
"إنها كالمهيجة ـ يقصد الحروف المقطعة ـ لمن سمعها من الفصحاء والموقظة للهمم
الراقدة من البلغاء لطلب التساجيل والأخذ في التفاضل وهي بمنزلة زمجرة الرعد قبل
الناظر في الأعلام لتعرف الأرض فضل الغمام وتحفظ ما أفيض عليها من الإنعام وما هذا
شأنه خليق بالنظر فيه، والوقوف على معانيه بعد حفظ مبانيه"؛ ينظر، البرهان في
علوم القرآن: محمد بن عبد الله الزركشي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم دار الجيل
بيروت ـ لبنان 1408هـ ـ 1988م، ج1 ص: 175 ـ 176. ([9]) الكشاف عن حقائق التنزيل
وعيون الأقاويل في وجوه التأويل: أبو القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري.
مكتبة مصر ـ الفجالة، ج 3 ـ ص: 494. ([24]) الأصول المعرفية لنظرية
التلقي: ناضم عودة خضر. دار الشروق. عمان ـ الأردن. الطبعة الأولى 1997 ـ ص: 85. ([25]) نقلاً عن: معجزة حروف
القرآن: حليمة مدرس بوداود. دار الغرب للنشر والتوزيع. الجزائر. (دلتا). ص: 146. ([26]) ينظر: خصائص التعبير
القرآني وسماته البلاغية: د. عبد العظيم إبراهيم محمد المطعني. مكتبة وهبة.
القاهرة، الطبعة الأولى. 1413هـ ـ 1992م. ج1 ـ ص: 297. ([27]) التعبير الفني في القرآن: د.
بكري شيخ أمين ـ ص: 185 ـ 186؛ كما ينظر: مناهل العرفان في علوم القرآن. محمد عبد
العظيم الزرقاني. ج2 ـ ص: 191 ـ 192. ([30]) مباحث في علوم القرآن: د.
صبحي الصالح دار العلم للملايين. بيروت ـ لبنان الطبعة الثالثة عشر 1981. ص: 336. |