|
||||||
| Updated: Monday, December 05, 2005 01:16 PM | ||||||
| فهرس العدد |
|
المنهــج التَّكاملـيُّ عند الخطيب التِّبْريزيِّ في شرحه ديوانَ الحماسة ـــ عدنان عمر الخطيب(*) فردٌ لا يُشَقُّ لـه غبارٌ، حاز قَصَب السَّبْق علماً في الأمصار، أناف رتبةً على العلماء وزينةً للسمَّاء، إنَّه الخطيب التِّبريزيُّ، الإمام المُحقِّق، المّدقِّق العلاَّمة باللُّغة والأدب والنَّحو.. الآخذ في الارتحال والتَّنَقُّل من حال إلى حال، حتَّى استقرَّت له حَنادس الظَّلماء، وسما سُمُوَّ حُباب الماء([1]). آثاره كثيرة جليلة، والذي يعنينا منها الآن شرحه لحماسة أبي تمَّام، هذا الشرَّح الذي طارت شُهرته في الآفاق على كثرة الشُّروح قبله وبعده، فماذا عن هذا الشَّرح ومنهج صاحبه فيه؟ إنَّ أسدَّ طريق يمكن لنا أن نسلكها للحديث عمَّا سبق هي أن نبدأ بالخطيب التِّبْريزيّ: حياته، وأثاره أوّلاً، ثمَّ الحماسة عينها من حيثُ مادَّتها ومنهجها وشُرَّاحها ثانياً، مُعَرِّجينَ بعدُ على شرح التِّبريزيّ لها دراسةً وافيةً مُدَلَّلةً بالشَّواهد والبراهين. 1 ـ الخطيب التِّبريزيّ: حياته، وآثاره([2]): كثر القول في الخطيب التِّبريزيّ قديماً وحديثاً؛ فما أكثر المصادر التي ترجمت له! وهذا يعني أنَّ حديثنا عنه لن يكون إلاّ مُعاداً أو مكروراً، فآثرنا ـ والحالة هذه ـ الإيجاز غير المُخِلّ في ترجمته، ولا سيَّما أنَّ الذي يعنينا في مقالنا هذا هو منهجه التَّكامليّ في شرح الحماسة، فنقول: هو أبو زكريَّاءَ يحيى بن عليّ بن محمدَّ بن الحسن([3]) بن موسى بن بسْطام الخطيب التَّبريزيّ([4]). ولد في تبريز سنة 421هـ ، ونشأ فيها وترعرع، ولما أيفع واشتدَّ عوده، آثر الرِّحلة إلى الأمصار طلباً للعلم بعد أن جذبته أصداء المجالس العلميَّة في زمنه؛ فسافر إلى غير مصر: البصرة، وبغداد، وجُرْجان، والمَعَرَّة، وصور، ومصر، وفيها حصَّل التِّبريزيّ من المعارف والعلوم ما أهَّله لأنَّ يصبح في نهاية المطاف الإمام في اللُّغة والأدب والنَّحو والتَّفسير والحديث والعَروض والقوافي؛ كيف لا؟ وقد تلقَّى العلم عن أجلاَّء عصره من أمثال: إمام البلاغة والأدب عبد القاهر الجُرجانيّ، وشيخ المَعَرَّة أبي العلاء المَعَرِّيّ، والإمام الحافظ المعروف بالخطيب البغداديّ، وابن بَرْهان العُكْبَريّ، والفضل بن محمَّد القَصَبانيّ النَّحويّ البصريّ، وسُلَيم بن أيُّوب الرَّازيّ الفقيه الشَّافعيّ المعروف، وغيرهم كثير. ولعلْ أروع رحلات التِّبريزيّ العلميِّة هي تلك الرِّحلة التي سجَّلها المُؤرِّخون له بإعجاب مُنقطع النَّظير؛ إنَّها رحلته سَيْراً على الأقدام من تبريز إلى المَعَرَّة، حاملاً على كتفه نسخة من تهذيب اللُّغة للأزهريّ في عدَّة مُجلَّدات لطاف؛ ليقرأها على المَعَرِّيّ، وقد دُلَّ عليه، فأثَّر فيها البلل من عرقه، فمن رآها ـ ولا يعرف صورة الحال ـ ظنَّ أنَّها غريقة. إنَّه قصَّة تكشف لنا النَّقاب عن جدّ التِّبريزيّ واجتهاده في تحصيل العلم وإدراكه أنَّ سبيل العلا هو الصَّبر والكدّ، وكأنّي به أخذ قول الشَّاعر المعروف:
وحوَّله إلى درس عمليّ حقيقيّ. نعم إنَّه الخطيب التِّبريزيّ الذي بذل الجهد، فبلغ الآفاق شُهرةً بعلمه وآثاره الجليلة التي شهد لها العلماء بدقَّة الرِّواية والأمانة والثِّقة في النَّقل، عاضده في ذلك تدريسه الأدب واللُّغة في المدرسة النِّظاميِّة ببغداد، وهي من أجلّ المدارس وأشهرها في ذلك الوقت وولايته خزانة كتبها، ممَّا أتاح له باب الاطّلاع الواسع. ولا عجبّ بعدُ أن يأتيه طلبة العلم من كُلِّ حَدَب وصَوْب لينهلوا من مَعين معرفته الذي لا ينضُب، وحسبنا أن نذكر منهم أعلاماً مشهورة كانت لها بصمات واضحة في العلم والحفظ والتَّأليف: كالجَوَاليقيّ صاحب المُعَرَّب، والحافظ السِّلَفيّ، وابن العربيّ الصُّوفيّ المعروف، وابن الشَّجَريّ إمام النَّحو واللُّغة والأدب، وغيرهم. أمَّا آثاره ـ وهي كثيرة على كلّ حال ـ فقد سارت في أعمِّها الأغلب في اتّجاهين واضحين، هما: الشَّرح والتَّهذيب، ونذكر من هذه الآثار: تهذيب إصلاح المنطق([5])، وشرح ديوان أبي تمام([6])، وشرح ديوان الحماسة([7])، وشرح القصائد العشر([8])ن وشرح اختيارات المُفَضَّل([9])، ومُقدّمة في النَّحو، والوافي في العَروض والقوافي([10])... الخ، مات التِّبريزيّ بعد حياة حافلة بالعلم والتَّأليف والتَّدريس في أوائل القرن السَّادس الهجريّ، وذل في سنة 502هـ عن إحدى وثمانين سنة. رحمه الله. وعفا عنه. 2 ـ ديوان الحماسة لأبي تَّمام ( ت: 231هـ([11])): أبو تمَّام حبيب بن أوس الطَّائيّ شاعر عبَّاسيّ مُفْلِق، طبَّقت شهرته الآفاق، تألَّق في ديباجة لفظه ونصاعة شعره وحُسن أسلوبه. ذكره أبو الفرج، فقال: شاعرٌ مطبوع، لطيف الفطنة، دقيق المعاني غَوَّاص على ما يُسْتَصعب منها ويعسر مُتناوله على غيره، وله مذهب في المُطَابَق، هو كالسَّابق إليه جميع الشُّعراء، وإن كانوا قد فتحوه قبله، وقالوا القليل منه، فإنَّ له فضل الإكثار فيه والسُّلوك في جميع طُرُقه، والسَّليمُ من شعره النَّادر شيءٌ لا يتعلَّق به أحد، وله أشياء متوسّطة ورديئة رَذْلَة جداً". وقال ابن الأثير: "أمَّا أبو تَّمام فربُّ معانٍ وصَيْقَل ألباب وأذهان، وقد شُهد له بكلّ معنىً مُبتكر لم يمشِ فيه على أثر، فهو غير مُدافَع عن مَقام الإغراب الذي يبرز فيه على الأضراب". وقد اختلف النَّاس في أمره؛ فمنهم من تعصَّب له فأفرط حتَّى فضَّله على كلّ سالف وخالف، ومنهم من تعمَّد الرَّديء من شعره فنشره طاوياً محاسنه، ومنهم من أنصفه ذاكراً ما له وما عليه. أقول: هذا الشَّاعر الذي رَوَت عنه الأخبار أنَّه حفظ أربعة آلاف أرجوزة، وقيل: أربعةَ عَشَرَ ألفَ أرجوزة غير القصائد والمقاطيع جاب البلاد، مادحاً الخلفاء والأمراء والقادة، نائلاً جوائزهم، ومن بين تلك البلاد خُراسان، يريد عبد الله بن طاهر الذي مدحه، ثمَّ خرج قافلاً إلى العراق "فلمَّا دخل هَمَذان، اغتنمه أبو الوفاء بن سَلَمة، فأنزله، وأكرمه، فأصبح ذات يوم، وقد وقع ثلج عظيم قطع الطُّرق، ومنع السَّابلَة، فغمَّ أبا تمَّام ذلك، وسرَّ أبا الوفاء، فقال له: وطّن نفسك على المُقام، فإنَّ هذا الثَّلج لا ينحسر إلاَّ بعد زمان، وأحضره خزانة كتبه، فطالعها، واشتغل بها، وصنَّف خمسة كتب في الشِّعر، منها: كتاب الحماسة، والوحشيَّات: وهي قصائد طِوَال، فبقي كتاب الحماسة في خزائن آل سَلَمَة يضنُّون به، ولا يكادون يبرزونه لأحد، حتَّى تغيَّرت أحوالهم، وورد هَمَذان رجل من أهل ديْنَوَرَ يُعرف بأبي العواذل، فظفر به، وحمله إلى أصبهان، فأقبل أدباؤها عليه، ورفضوا ما عدا من الكتب المُصنَّفة في معناه فشُهر فيهم ثمَّ فيمن يليهم([12])". لا شكَّ أَّ هذا الخبر السَّابق الذي ذكره التِّبريزيّ في شرحه للحماسة ليقفنا بجلاء على سبب تأليف هذا الكتاب الجليل، فماذا عن هذا الاختيار الشِّعريّ مادَّةً ومنهجاً؟ سبق أن قلنا: إنَّ أبا تمَّام شاعر مُتألّق في صنعته، وهذا التَّألق دفعه إلى أن يُبدع في اختياراته الشِّعريّة، فجاءت مُوفَّقة مادَّةً وأبواباً، حتَّى قيل: "إنَّ أبا تمَّام في اختياره الحماسة أشعر منه في شعره([13])". وقد أقام اختياره هذا على أبواب، هي: باب الحماسة: وهو الباب الذي سُمَّي به الكتاب كلّه، باب المراثي، باب الأدب، باب النَّسيب، باب الهجاء، باب الأضياف والمديح، باب الصِّفات، باب السَّيْر والنُّعاس، باب المُلَح، باب مَذَمَّة النِّساء. وقد ضمَّ إلى هذه الأبواب الأشعار التي تناسبها بذوق رفيع وموهبة مصقولة، مُكثراً من أشعار طيِّئ، وهذه الأشعار بعضها يوافق مذهبه، وبعضها الآخر لا يُوافقه، ولا عجبَ أن يذكر أبو تمَّام في حماسته مالا يوافق مذهبه؛ لأنَّه يعلم ـ وهو الخبير بالشِّعر ـ أنَّه شعر مُحكم جيِّد لا غبُار عليه، فلا ضَيْرَ إذاً في اختياره. أضف إلى ذلك أنَّ ما اختاره كان من أشعار الجاهليِّين والمُخضرمين والإسلاميِّين والمُولَّدين، ولم يعمد في هذه الأشعار إلى المشهور منها، وقد سار على كلِّ لسان، بل اعتسف في دواوين الشُّعراء، مُختاراً منها أجود ما فيها، ولم يجد بأساً في أن يُغيِّر أحياناً في الشِّعر المُختار، ليربط بين الأبيات التي تفكَّكت، أو ليستر نقيصة بدت له في هذه المُقطَّعة دون تلك، ولكنَّ هذا التَّغيير لم يقدح في القيمة العلميَّة للأشعار المُختارة ولا في مُختارها أيضاً، بل بقيت النُّصوص التي يُستشهد بها في علوم العربيَّة وآدابها. قال المَرزوقي في مُقدّمته النَّقديَّة الهامَّة التي أقامها لشرح الحماسة يُوضّح ما سلف ذكره: "وهذا الرَّجل لم يعمد من الشُّعراء إلى المُشتهرين منهم دون الإغفال، ولا من الشِّعر إلى المُتردِّد في الأفواه المُجيب لكلّ داع، فكان أمره أقرب، بل اعتسف في دواوين الشُّعراء جاهليِّهم ومُخضرمهم وإسلاميِّهم ومُولَّدهم، واختطف منه الأرواح دون الأشباح، واخترف الأثمار دون الأكمام، وجمع ما يُوافق نظمه ويُخالفه؛ لأنَّ ضروب الاختيار لم تخفَ عليه، وطُرق الإحسان والاستحسان لم تستتر عنه، حتَّى إنَّك تراه ينتهي إلى البيت الجيِّد فيه لفظة تشينه، فيجبر نقيصته من عنده، ويُبدِّل الكلمة بأختها من نقده، وهذا يبين إلى من رجع إلى دواوينهم، فقابل ما في اختياره بها([14])". إنَّ هذا الاختيار المُوفَّق تفرَّد به أبو تمَّام، فلم يُسبق إليه؛ ذلك أنَّ الاختيارات قبله لم تكن تقوم على الأبواب، بل على اصطفاء عيون الشِّعر للجاهليين والإسلامييّن وغيرهم من أئمة الشِّعر أرباب البيان العربيّ دون منهج مخصوص يضبط معالم هذا الاختيار سوى الذَّوق الرَّفيع المصحوب بالخبرة والدِّراية للعالم المُختار للشِّعر: كالمُفَضَّليَّات، والأصمعيَّات، وما إليها ـ أقول: إنَّ ما تفرَّد به أبو تمَّام دفع العلماء من بعده إلى أن يقفوا من حماسته موقف المُعجب، فعبَّروا عن هذا الإعجاب بسلوك طريقين: التَّقليد، والشَّرح. أمَّا التَّقليد ففتح بابه البُحتريّ الذي عمل حماسة نُسبت إليه، أراد لها أن تُضارع حماسة أبي تمَّام، فلم يُفلح في مُراده، ثمَّ توالت غير حماسة بعدُ، ونذكر من هذه الحماسات: حماسة أبي هلال العسكريّ، وحماسة ابن الشَّجَريّ، والحماسة البصريَّة، وحماسة الظُّرفاء، وحماسة القُرشيّ، وما إلى ذلك. أمَّا الشَّرح فقد اتَّسعت مادَّته وتنوَّعت مراميه وأهدافه، ولا غرابةَ في هذا؛ فما أكثر شُرّاح الحماسة! ولا حاجة بنا في هذا المُقام إلى ذكر هؤلاء الشُّرّاح جميعاً؛ ففي هذا إطالة أغنانا عنها حاجي خليفة في كشف الظُّنون، وقد تعقَّب هؤلاء الشُّرّاح، فذكر ما يُقارب العشرين منهم([15])، وزاد عليه مُحققّ شرح ديوان الحماسة للمرزوقيّ ما زاد([16])، وإنَّما حسبنا أن نذكر أعلاماً مشهورة منهم: كأبي بكر الصُّوليّ، وابن جنّي، والآمديّ، وأبي هلال العسكريّ، والمرزوقيّ، والخطيب الإسكافيّ، وابن سيْدَه، والأعلم الشَّنْتَمريّ، والخطيب التِّبريزيّ... ولا سيمَّا أنّ الذي يعنينا من هؤلاء الأعلام برُمَّتهم الخطيب التِّبريزيّ ليس إلاّ. وإليك بعدُ منهجه في شرح الحماسة. 3 ـ منهج الخطيب التِّبريزيّ في شرحه حماسةَ أبي تمام: تحسن الإشارة بادئ ذي بدء إلى أنّ التَّبريزيّ أقام على حماسة أبي تمَّام ثلاثة شروح: أوَّلها صغير، وثانيها وسط، وثالثها كبير. أمّا الكبير فلا نعرف عنه شيئاً، وأمّا الصَّغير فقد أوضح التِّبريزيّ منهجه فيه إيجاز عندما قال: "وأنا كنت قد شرحته شرحاً مُستوفىً، غير أنّي كنت أوردت كلّ قطعة من الشِّعر جميعها، ثمَّ شرحتها مُجملاً، ولم أُفصل بين أبياتها بالتَّفاسير([17])". وهذا الشرَّح مفقود أيضاً، وإنَّما عرفنا منهجه العامّ فيه من خلال مُقدّمته التي أقامها لشرح الحماسة الأوسط، وهو الشَّرح الذي بقي في أيدي النَّاس إلى أّيامنا هذه، المطبوع غير طبعة كما ألمعنا قبلُ. وهذا يعني أنّ دراستنا المُفَصَّلة لمنهج التِّبريزيّ في شرحه حماسةَ أبي تمَّام سنُعَوِّل فيها على الشَّرح الأوسط ليس إلاّ. إنّ النَّاظر في مُقدّمة هذا الشرَّح يستطيع أن يتبيّن للوهلة الأولى الخطوط العريضة لمنهج التِّبريزيّ في شرحه، وهي خطوط سنزيد عليها ما تجب زيادته إيضاحاً وتكاملاً في المادّة المبسوطة، فها هو يقفنا على منهجه قائلاً: "وعزمتُ على شرحه من أوَّله إلى آخره شرحاً شافياً بيتاً بيتاً على الولاء، وتبيين اشتقاق أسامي شعراء الحماسة وغيرهم ممن يجري ذكره في الكتاب، وتفسير ما في كلّ بيت من الغريب والإعراب والمعنى، وذكر ما اختلف فيه العلماء في المواضع التي اختلفوا فيها، وإيراد الأخبار في أماكنها إن شاء الله([18])". إنَّه بلا شكّ منهج تكامليّ حقّقه التِّبريزيّ في شرحه بعد أن وقف على شُرّاح الحماسة السَّالفين، فرأى في شروحهم قصوراً أراد أن يستدركه في منهجه الجديد العائد بالنَّفع على قُرّاء العربيَّة أوّلاً وأخراً، فقال كاشفاً النِّقاب عن حقيقة هذا القصور: "وقد فسّره جماعة، فمنهم من قصّر فيه، ومنهم من عُني بذكر إعراب مواضع منه دون إيراد المعاني ومنهم من أورد الأخبار التي تتعلّق به وأعرض عن ذكر المعاني ومنهم من ذكر المعاني دون الإعراب والأخبار([19])". وقال أيضاً في خاتمة شرحه يُوضّح تعمُّده تحقيق هذا المنهج التَّكامليّ وغايته النَّفعيَّة منه: "هذا آخر شرح الحماسة لأبي تمَّام الطّائيّ، وإنَّما ذكرت ما ذكر مَنْ تقدّم من العلماء، غير أنّي قد جمعت بين اشتقاق أسامي الشُّعراء والإعراب والمعاني والأخبار، ولا يشمل كتاب من كتبهم في الحماسة على ما جمعته فيه، وإنّما توجد هذه الأشياء مُتفرّقة في كتبهم، فجمعت بينها ليكون الكتاب مُستقلاًّ بنفسه، والنّاظر فيه والقارئ منه مُستغنياً عن غيره من الكتب التي صُنِّفت في الحماسة([20])". ولا غرابةَ بعدُ أن يقفنا التِّبريزيّ على منهج تكامليّ في شرحه الحماسة؛ ذلك أنّ جهده أتى ثمرة جهود سابقة استوعبتها غير طبقة من طبقات الشُّرّاح قبله، وقد بلغت هذه الطبقات عند بعض الدَّارسين ثمانية([21])، مرّت خلالها الشُّروح الأدبيّة للحماسة وغيرها بتطوّرات دائمة، بحيث كلّ طبقة من الشُّرّاح تتلو سابقتها تزيد عليها في المنهج الشَّرحيّ ما ترتئي زيادته، فإذا ما كان عهد التِّبريزيّ، أصبحنا نشهد الشُّروح الواسعة للآثار الأدبيَّة، ولاسيَّما الحماسة، وقد تميّزت بعض هذه الشُّروح بالاتّجاه اللُّغوي المُسهب، وبعضها بالاتّجاه النَّقديّ، وبعضها بالاتّجاه التَّاريخيّ، وهكذا. فأراد التِّبريزيّ أن يستدرك هذا كلّه وَفْقَ منهج تكامليّ يستوعب من خلال أبعاده الاتجاهات السَّالفة الذِّكر، فكيف تهيَّأت له أسباب ذلك؟ لنعد من جديد إلى منهجه في مُقدّمته وخاتمته نُبرز معالم تلك الخطوط العريضة التي وقفنا عليها، ثّم نزيد عليه ما أغفل ذكره من الخطوط التي ربّما رآها التِّبريزيّ ليست بالعريضة، فأحجم عن ذكرها على تقدير أنّ القارئ البصير والنَّاقد الحاذق يستطيع أن يتبيّن معالمها بالقراءة الفاحصة المُتأنّية، ولنشفعها بالأدلّة الدّامغة من شرحه، مُقدّمين بذلك للقارئ منهج التِّبريزيّ جليّاً واضحاً: أ ـ إنّ أوّل ما يسترعي النَّظر في منهج التِّبريزيّ في شرحه الحماسة هو هذا الشَّرح المُستفيض للحماسيَّات الأولى، فإذا ما مضى في ديوان الحماسة شارحاً، نجد جذوة هذا الشَّرح تخبو شيئاً فشيئاً، فإذا بالبيت من أبيات الحماسة يُشرح بالسَّطر والسَّطرين في كثير من الأحيان. ففي الحماسيَّة 632، وهي لجَوَّاس بن القَعْطَل الكلبيّ يشرح البيت الأوّل:
قائلاً: "يخاطب عبد الملك بن مروان، يقول: ما شكرت نعمتنا في الذَبّ عنك والنُّصرة لك وتوطيدنا ملكك". فإذا كان البيت الثَّاني، عاد إلى شيء من الاستفاضة في الشَّرح، فإذا كان الثَّالث فالرّابع فالخامس:
عاد إلى الإيجاز الواضح، فقال في الثَّالث: "يعني: لمّا تمَّ سلطانك وعلا أمرك. والباذخ: العالي". وفي الرّابع: "أي: عاديتنا. والنَّفْح: الإصابة اليسيرة؛ نَفَحْتُهُ بالسَّيف، أي: ضربته بطائفة منه. والسَّجْل: الدَّلْو، إذا كان فيها ماء. كأنَّك مما أحدث الدَّهر جاهل: أي كأنَّك من أجل ما أحدث الدَّهر لك جاهل بما يكون". وفي الخامس: "تضاءَلتَ، أي: تصاغرْتَ خوفاً([22])". وهاأنت ترى كيف آل الشَّرح في البيت الخامس إلى مُفردة ومعناها ليس إلاّ. وكذا القول في الحماسيَّة 595،وهي لقُراد بن حَنَش الصَّارديّ، فبيته الأوّل والثَّاني يُشرح باليسير من المعنى، فإذا كان الثَّالث، وهو:
يقول في شرحه: "الحاصبُ: الرِّيحُ تجيءُ بالحَصْبَاء([23])". فإذا أمعنَّا النَّظر أكثر في شرح التَّبريزيّ، فإنَّنا نقف على غير حماسيَّة لم تنل حظَّها من الشَّرح لا بقليل ولا بكثير كما في الحماسيَّات: 398 ، 399 ، 400، وهكذا. ولهذه الظَّاهرة في الشَّرح تعليلها، فحين شرع التبريزيّ في شرح الحماسة، كان المنهج العلميّ يقتضي منه بدايةً أن يستفيض في الشَّرح كي يُوَطِّد أركانه بدعائم الإيضاح الذي يُبعد الغموض عن أبيات الحماسة، فلمّا قطع شوطاً، تخفَّف من أعباء الشَّرح المُستفيض، لأنَّ الغموض الذي اعترى الكثير من الأبيات التَّالية في الحماسة، قد نال حظَّه من الشًَّرح قبلُ، فلا حاجةَ إلى التَّكرار والإفاضة من جديد. أضف إلى ذلك أنَّ التَّبريزيّ لو استمرَّ في منهجه الاستفاضيّ، لخرج عن طبيعة الشَّرح الذي أراده للحماسة، وإنَّما أجَّل هذه الاستفاضة بالكُلِّيَّة إلى شرح آخر كبير أقامه للحماسة كما أشرنا قبلُ. ولا شكّ بعدُ أنَّ التَّبريزيّ بمنهجه هذا أخلَّ نسبيّاً بخطوة من خطوات منهجه الذي أشار إليه في المُقدّمة أو الخاتمة، وهي الاستيفاء في شرح أبيات الحماسة بتمامها، ولكنّ هذا لا يعني أنَّ ما أغفل شرحه من الأبيات يجعل قارئها في غموض لا قَرارَ له، بل هي في الجملة أبيات واضحة، ولولا إدراك التِّبريزيّ هذه الحقيقة، لما أغفل شرح شيء منها. ب ـ أتى شرحه في كلّ حماسيَّة بيتاً بيتاً على الولاء باستثناء القليل الذي أهمل شرحه، ولا حاجة بنا إلى التَّدليل على ذلك بالأمثلة المناسبة، فالنَّاظر أدنى نظر في شرحه للحماسة يتبيّن هذه الحقيقة جليَّة فيه. ت ـ قام هذا الشَّرح كما وقفنا التِّبريزيّ نفسه في المقدّمة والخاتمة على ثلاث دعائم أساسيِّة، هي: الغريب (اللُّغة)، والإعراب (النَّحو والصَّرف)، والمعنى (المعنى الإجماليّ للبيت). ونضيف إلى ذلك أموراً فرعيَّة سنأتي على ذكرها بعدُ. أمَّا الشَّرح اللُّغويّ فيُطالعنا به التَّبريزيّ منذ البداية حين يقفنا على عنوان الباب الأوّل الموسوم بالحماسة، فيهمّ بشرح الحماسة لغةً وهي الشِّدَّة في الأمر، ثمّ يلتفت إلى الجانب التَّاريخيّ، فيعرض لمفهوم الحُمْس في الجاهليَّة تعضده شواهد من القرآن والشِّعر، فالتَّطوّر اللُّغويّ لمفهوم الحماسة، وقد أصبحت بمعنى الشَّجاعة، وعلى أساس هذا المعنى انعقد الباب الأوّل في الكتاب([24]). ولا غرابةَ أن يتوسّع التِّبريزيّ في شرح مدلول الباب الأوّل في الكتاب لغةً وتاريخاً؛ فهو الباب الأكبر، وبه سُمِّي الكتاب كلُّه، ولكنّ الحال لم يستمرَّ كذلك في حقّ عنوانات أبواب ديوان الحماسة الأخرى، وإنَّما امتدَّ الشَّرح اللُّغويّ مُوجزاً بأسطر يسيرة إلى بابَي النَّسيب والهجاء ليس إلاّ، أمَّا الأبواب السَّبعة المُتَبقِّية فلم ينله حظّ من الشَّرح والإيضاح. فإذا ما دخلنا في الاختيارات الشِّعريَّة للحماسة نفسها، نجد الشَّرح اللٌّغويّ يعود باسطاً نفوذه من جديد عند كلّ بيت من أبيات الحماس تقريباً، وهذا النُّفوذ اختلفت صَوْلتَه وجَوْلَته من بيت إلى آخر بحكم ما فرضته طبيعة البيت نفسه؛ فبعض الأبيات اقتضت شرحاً لغويّاً مُوجزاً، وبعضها اقتضى الإسهاب الذي دفع التِّبريزيّ إلى شيْ من الاستطراد الذي كان يمكن التَّخلّي عنه. ففي الحماسَّية 592، وهي لجميل بُثينةَ يجتزئ في البيت الأوّل منها، وهو:
بشرح المُفردة الغربية بمدلولها في البيت دون الخروج إلى المعاني الأخرى التي لا تُوافق البيت، فقال: "تُبُصِّرَتْ: استُقْصي النَّظر إليها. وأَشْبٌ: من قولك: أَشَبْتُ الشَّيءَ، إذا عِبْتَهُ. وأصلُ الأَشْب الخلطُ، كأنَّ العائب خلطه بما ليس فيه([25])". وفي الحماسيَّة الأولى، وهي لقُرَيْط بن أُنَيْف، وفي البيتين الأوّل والثّاني منها، وهما:
يستفيض التَّبْريزيّ في شرح بعض المفردات الغريبة في البيتين استفاضة تدفعه إلى شيء من الاستطراد اللُّغويّ الذي يمكن تجنّبه، ولعلّ حبّ التِّبريزيّ لبسط الفائدة العلميَّة في أوسع أبوابها في حقّ من يتلقّى عنه العلم دفعه إلى هذا الاستطراد. ففي المازن قال: "المازنُ في اللُّغة: بَيْض النَّمل، وقد يكون الذّاهب في الأرض من غير أن يُعرفَ له أثرٌ. ومزن الرَّجلُ مُزُوناً: إذا ضاء وجهه. ومَزَّنْتُ فلاناً: فضَّلْتُهُ، وفلانٌ يتمزَّنُ على أصحابه، أي: يتفضَّلُ عليهم. والموازنُ في العرب...". وفي تفسيره لمعنى اللُّوثَة، بالضَّمّ تدفعه الاستفاضة في الشَّرح اللُّغويّ إلى أن يأتي بضوابط أخرى للكلمة، ثمّ يشرحها بالضَّابط الجديد لها، مُدَعَّماً بالشَّاهد الشِّعري الذي يُؤيِّدها، بل لا يتورَّع عن أن يشرح الغريب في الشَّاهد نفسه، فقال: "واللُّوثَةُ: الضَّعفُ، وقيل: اللِّينُ والاسترخاءُ، ومنه يُقال: هو مُلْتاثٌ، ورجلٌ أَلْوَثُ: مُسْتَرْخٍ، وامرأةٌ لَوْثاءُ. وأمَّا اللَّوْثُ فالقّوَّةٌ والغِلَطُ، يُقال: ناقةٌ ذاتُ لَوْثٍ. قال الأعشى:
عَفَرْناةٌ: شديدةٌ. ومن ثَمَّ سُمِّي الأسد ليثاً لقوَّته وغلَظه، وأصله: لَيّثٌ، فخُفِّف، كما يُقال: طَيْفُ الخيال، وأصله طَيّف، وهو من الواو: طافَ يطوفُ. وأصل اللَّوْث من تَرَكَّبَ الشَّيءُ بعضُهُ على بعض، ومنه لَوْثُ العِمَامَة([27])". ثمّ إنَّ الدّارس لطبيعة البنية الدَّاخليَّة لهذا الشَّرح اللُّغويّ يجد التَّبريزيّ يقف فيه على ظاهرتين هامَّتين، هما: 1. العناية بالأصل اللُّغويّ للكلمة والتَّطوّر المعنويّ الذي آلتْ إليه. 2. تعليل المعنى اللُّغويّ للكلمة. فمن أمثلة الحالة الأولى ـ وما أكثر الأمثلة في هذا المِضمار! ـ قوله في شرح الاستباحة في الحماسيَّة الأولى: "الاستباحةُ: هي في معنى الإباحة، وقيل: الاستباحةُ: أخذُ الشَّيءِ مُباحاً. والإباحةُ: التَّخلية بينه وبين من يريد، يُقال: أبحتُهُ لك، فاستبحتَهُ... وكان الأصل في الإباحة إظهار الشِّيء للمَنَاظر ليتناوله من شاء، ومنه باح بسرِّه بَوْحاً وبُؤوْحاً". وقوله في شرح (يندبهم) في البيت الرَّابع من الحماسيَّة نفسها:
"قولـه: يندُبُهم، أي: يدعوهم، وأصل النُّدبة الدُّعاء، وإن اشتُهرت ببكاء الأموات، وقولهم عند البكاء: "وافُلاناه" وتوسَّعوا فيه، فقالوا: نُدِبَ فلانٌ لكذا، أي: نُصب ورُشِّح للقيام به، وندبته للأمر فانتدب له، ورجلٌ نَدْبٌ: يَنْتَدِبُ للأمور، إذا نُدِب إليها، ويقولون: تكلَّم فلانٌ، وانتدب له فلانٌ، إذا عارضه([28])"..... وهكذا. وإذا بقينا مع الحماسيَّة نفسها، نجد فيها ما يقفنا على الحالة الثَّانية بجلاء؛ ففي البيت الأوّل المارّ ذكره فسَّر التَّبريزيّ الذُّهْل بقوله: "الذُّهْل في اللُّغة: قطعة من اللَّيل، وإنَّما سُمِّي به؛ لأنَّ النَّوم يُذْهِل النَّاسَ فيه". ومن أمثلة ذلك أيضاً مما ورد في البيت الثَّاني من الحماسيَّة 112، وهي لرجل من حمْيَر:
فقال التِّبريزيّ في شرح الحَيْزوم: "الحَيْزوم: الصَّدر؛ لأنَّه مَوضع الحَزْم والعزم لاشتماله على القلب الذي هو موضعهما... والحِزام: من الحَزْم أيضاً([29])". أمَّا الجانب الإعرابيّ مُمَثَّلاً بالنَّحو والصَّرف فيأتي ثانياً في التَّرتيب بعد الغريب وشرحه وفي الكمّ أيضاً؛ ذلك أنّ الكثير من أبيات الحماسة نالها الشَّرح اللُّغويّ دون التَّعرّض للجانب النَّحويّ والصَّرفيّ فيها لعدم اقتضاء الأمر ذلك. أدرك الخطيب التَّبريزيّ ـ وهو العالم بالنَّحو واللُّغة ـ أنَّ إقحام الجانب الإعرابيّ في شرح الأبيات يكشف النِّقاب عمَّا استُغلق فيها، ولا سيَّما إذا تعدَّدت روايات البيت، وكان لكلّ رواية وجهها النَّحويّ الخاصّ بها. ففي الحماسيَّة 155، وهي لغَلاَّق بن مروان بن الحكم بن زِنْباع يقفنا التِّبريزيّ على الجانب الإعرابيّ بجلاء في بيتها السَّادس، وهو:
فيقول "أنّث الفعل، لأنَّه أراد بذكر "زهير" القبيلة بأسرها. ومعنى يُدعَونَ: يُسَمَّونَ... يريد: أُسَمِّي، ولذلك تعدَّى إلى مفعولين... وقوله: "في السِّنين" يجوز أن يكون ظرفاً لقوله: لا يُدعَون. وقوله: وما بعدُ يُراد به فيما بعدُ، فيكون "ما" معطوفاً على "السِّنين"، ويجوز أن يكون موضع "ما" نصباً على أن يكون معطوفاً على موضع "في السِّنين" لا على لفظه؛ لأنَّ موضعه نصب لكونه ظرفاً، ويجوز أن تكون ما صلة، كأنَّه في السِّنين الماضية وبعدها. ويجوز أن يُروى: ومن بعدُ لا يُدعَونَ، وهو حسن([30])". ويتابع التِّبريزيّ، فيعرض لرأي المرزوقيّ في إعراب: "وما بعد" القائم على نقد ما ذكره ابن جنِّي في إعرابها، ثمّ يردّ على المرزوقيّ ردّاً علميّاً واضحاً. من خلال ما تقدّم نلحظ أنَّ التِّبريزيّ صبّ جُلّ اهتمامه في البيت على الجانب الإعرابيّ، ولا غَرْوَ؛ فالبيت من حيث المعنى العامّ لا إغرابَ فيه، وإنَّما فيه ما يدعو النُّحاة إلى أن يبسطوا القول فيه، عارضين غير وجه إعرابيّ للكلمة، ولكلّ وجه تسويغه الذي لا يُردّ. ومن أمثلة ذلك أيضاً ما ورد في شرح الأبيات الأولى من الحماسيَّة 795، وهي لخَلَف بن خليفة:"
قولـه: والهوى إليهم مبتدأ وخبر قد اعترض بين عَجُز البيت وصدره. والواو واو الحال. والمعنى: وهوايَ معهم... ويجوز أن يُعطف والهوى على فخر العشيرة، فيكون المُراد: عدلت إلى الافتخار بهم وإلى الهوى معهم....
... والأُلاء: في معنى الذين، وما بعده من صلته، ويُمَدُ ويُقْصَر. وأراد بالبيض الكرامَ النَّقيِّي الأحساب. وقوله: كأنَّهم صفائح يوم الرَّوْع: إنْ شئتَ، أضفتَ الصَّفائح إلى يوم الرَّوْع، وإنْ شئتَ نصبتَ اليوم على الظَّرف، وعلى الوجهين يكون أخلصها الصَّقْل من صفة الصَّفائح.. وقوله: والنَّدى: لك أن تجرَّه معطوفاً على العِزّ، ويصير هناك مُكَرَّراً، والفضل مبتدأ، وهناك خبره، وقد كرَّر الخبر تفخيماً، وكما يُكَرَّر الخبر، يُكَرَّر المبتدأ، تقول: زيدٌ زيدٌ عاقلٌ، وزيدٌ زيدٌ عاقلٌ. ولك أن تجعل و"النَّدى" مبتدأً، ويكون "هناك" الأول خبره، والواو واو الحال، ويكون "هناك الفضل" مُستأنفاً...
انجزم "يخلو" لأنَّه جواب الشَّرط، وهو "متى يظعنوا"، والواو للإطلاق لا التي كانت لام الفعل([31])". أمَّا المعنى العامّ للبيت فإنَّ التِّبريزيّ أقامه في نهاية شرح البيت أحياناً، وهذا ما يقتضيه المنهج العلميّ بطبيعة الحال؛ إذْ لابدَّ بعد الخوض في إيضاح غريب البيت ووجهه النَّحويّ و أوجهه إن وجدت أن يُختم هذا كلُّه بالمعنى العامّ لـه. والنَّاظر في شرح التِّبريزيّ يقف على هذه الظَّاهرة بيسر وسهولة. ففي البيت الثَّالث من الحماسِّية الأولى المارّ ذكرها:
أتى التِّبريزيّ على الغريب والنَّحو بما فيه المَقْنَع والكفاية، ثمّ أتبع قائلاً "ومعنى البيت: أنَّهم لحرصهم على القتال لا ينتظر بعضهم بعضاً؛ لأنَّ كُلاَّ منهم يعتقد أنّ الإجابة تعيَّنت عليه، فإذا سمعوا بذكر الحرب، أسرعوا إليها مُجتمعين ومُتفرِّقين([32])". ولكنَّ هذه السُّنَّة لم تكن دَيْدَنه دوماً، فأحياناً يأتي بالبيت ثمّ بمعناه العامّ مُباشرةً دون أن يُقدِّم له بتفسير للغريب أو إعراب. ففي البيت الثَّاني من الحماسيَّة 510:
قال: "معناه أنَّه كان بين أهل الغَضَى وبين قومه عداوة أو حالة مانعة من المواصلة؛ فلذلك قال ما قال([33])". ث ـ سبق أن ذكر التِّبريزيّ أنَّ شرحه للبيت قام على ثلاثة أركان رئيسيَّة، هي الغريب والإعراب، والمعنى. ولكنَّ النَّاظر المُتَفحِّص يلمس جانباً آخر داخَلَ الأبيات وعاضدها إيضاحاً، ألا وهو الجانب التَّاريخيّ. فلقد أدرك التِّبريزيّ ببصيرته العلميِّة النَّافذة أنَّ كثيراً من الحماسيِّات التي أودعها أبو تمَّام في كتابه ارتبطت بحوادث تاريخيَّة هامَّة، بحيث لا يمكن فهم أبيات الحماسيِّة على الوجه المطلوب بمَعْزِل عن هذه الحوادث التي ارتبطت بها، وهذا الجانب عالجه التِّبريزيّ في موضعين: 1. في ثنايا الشَّرح نفسه حيث اللُّغة والإعراب والمعنى. 2. في نهاية الحماسيِّة تحت عنوان: خبر هذه الأبيات. وقد أشار التِّبريزيّ إلى هذا الاتّجاه التَّاريخيّ في شرحه عندما قال في المُقدّمة، وقد مرّ ذلك: "وإيراد الأخبار في أماكنها". ففي البيت الأول من الحماسيَّة الأولى مثلاً:
يعرضُ لتفسير اللَّقيطة لُغةً، ثمّ يلتفتُ إلى الجانب التَّاريخيّ، فيقول: "وزعم أبو محمَّد الأعرابيّ أنَّ الرِّواية:
قال: الشَّقيقة: هي بنتُ عبَّاد بن زيد بن عمرو بن ذُهْل بن شيبان، وهي أمّ سَيَّار وسُمَيْر وعبد الله وعمرو بني أسعد بن هَمَّام بن مُرَّة بن ذُهل بن شيبان، وهم سَيَّارَةٌ مَرَدَةٌ، ليس يأتون على شيء إلاَّ أفسدوه. قال: وأمّا اللَّقيطة... فهي أمّ حِصن بن حُذيفة وإخوته، وهم خمسة، واسمها نُضَيْرَة بنت عُصَيْم بن مروان بن وَهبْ بن بَغيض بن مالك بن سعد بن عَديّ بن فَزارَةَ، وإنّما ألحقَ بها هذا الاسم أنَّ أباها لم يكن له ولد غيرها، والعرب ذلك الدَّهرَ كانت تئد الجواري، فلمّا رآها، انتشرت نفسه عليها، ورقَّ لها، وقال لأمّها: استرضعيها، وأخفيها من النَّاس، فكان أوّلَ من نَدسَ أمرها وفَطِنَ لها حَمَلُ بن بدر، فقال لأخيه من أبيه حُذيفة، وتحته الُذريَّة، ليس له ولدٌ إلاّ منها، وهو مُسْهِرٌ، وبه كان يكتني: مالك لا تتزوّج وتجمع النِّساءَ، ونُرْزَق منك عَضُداً؟ قال: ومن لي بالنِّساء التي تُلائمني وتُشبهني؟ قد علمتَ ما لقيتُ في العُذريَّة وطلبها. قال: قد التقطتُ لك امرأة ترضاها وتُشبهك، قال: ومن هي؟ قال: بنتٌ لعُصَيْم بن مروان بن وَهْب، قال: وإنَّ له لبنتاً؟ قال: نعم، قال: فما لي لم أسمع بها؟ قال: كانت مُخْفاةً، وقد خُبِّرْتُ خبرها، قال فأنتَ رسولي إلى عُصَيْم فيها، قال: فأتاه، فزوَّجه إيَّاها، وبهذا سُمِّيت اللَّقيطة، وهي أمّ حِصْن ومالك...([34])". فإذا ما فرغ التِّبريزيّ من شرح الأبيات بتمامها لغةً وإعراباً ومعنىً وتاريخاً أحياناً في ثنايا الشَّرح نفسه كما مرَّ، ختم ذلك بخبر هذه الأبيات. فها هو يقول في خبر الحماسيَّة الأولى: "قال أبو عُبيدةَ مَعْمَر بن المُثَنَّى التَّيْميّ من تَيْم قُريش مولى لهم: أغار ناسٌ من بني شيبان على رجل من بَلْعَنْبَر يُقال له قُرَيْط بن أُنَيْف، فأخذوا له ثلاثين بعيراً، فاستنجد أصحابه، فلم يُنجدوه، فأتى بني مازن، فركب معه نفرٌ، فاطَّردوا لبني شيبان مئة بعير، ودفعوها إلى قُرَيْط، وخرجوا معه حتَّى صار إلى قومه، فقال قُرَيْط هذه الأبيات، والخبر يدلّ على أنَّه يمدح بني مازن، ويهجو قومه([35])". وقد تتَّفق غير حماسيَّة في الخبر التَّاريخيّ عينه، فلا يعمد التِّبريزيّ ـ والحالة هذه ـ إلى تكرار الخبر، بل يُؤَجِّل ذكره في الحماسَّية إلى حماسيَّة أخرى ارتبطت بالخبر التَّاريخيّ نفسه، وقد تجلَّى هذا في الحماسيَّة الثَّانية، وهي للفِنْد الزِّمَّانيّ، إذ قال في نهاية شرحها: "وخبر هذه الأبيات مع غيرها يجيء فيما بعد إن شاء الله([36])". ثمّ إنَّ البيت من أبيات الحماسة قد ترد فيه الإشارة التَّاريخيّة عابرةً، ولكنَّ إيضاحها يحتاج إلى الحديث المُطَوَّل، فلا يُقيمه التِّبريزيّ ضمن شرح البيت كما في الحالات السَّابقة، بل يُقيم له عنواناً مُستقلاً في نهاية شرح الأبيات، ثمّ يتحدَّث تحت لواء هذا العنوان ما شاء أن يتحدَّث؛ وغايته من ذلك إيضاح البيت بطريقة لا يطول فيها الشَّرح مع المُحافظة على ذكر الخبر التَّاريخيّ لأهميَّته. ففي البيت الخامس من الحماسيِّة الثَّالثة، وهي لأبي الغول الطُّهَويّ:
يشرح الغريب في البيت، ولاسيَّما الوَقَبَى، ثمّ يُعلِّق قائلاً: "وخبر الوَقَبَى نذكره بعد الفراغ من شرح هذه الأبيات إن شاء الله". فإذا ما مضينا في شرح التِّبريزيّ للأبيات، نراه يُقيم في نهاية هذا الشَّرح عنواناً مُستقلاًّ، هو خبر الوَقَبَى، ويسرد تحت لوائه ما كان من أمرها مُطَوَّلاً بما يزيد على ثلاث صفحات([37])، وكأننا لسنا أمام شرح للحماسة بقدر ما نحن أمام كتاب في التَّاريخ، يُحدِّثنا عن الوَقَبَى ما شاء أن يُحدَّثنا... وهكذا، فالأمثلة كثيرة في المجال التَّاريخيّ. ج ـ يبدو أنّ إقامة التِّبريزيّ شرحه على اللُّغة والإعراب والمعنى والتَّاريخ جعله يُغفل نسبّياً الجانب البلاغيّ والنَّقديّ في شرحه بخلاف المرزوقيّ الأديب النَّاقد الذَّّوَّاقة الذي عُني في شرحه بالمجال النّقديّ الجماليّ للأبيات؛ وقد بدت تباشير هذا المجال منذ البداية حيث مُقدِّمته المشهورة التي تُعدّ من عيون التُّراث النَّقديّ في أدبنا العربيّ القديم. ففي المجال البلاغيّ عند التِّبريزيّ نجد إشارات عابرةً إلى الطباق والمقابلة والكناية وما إلى ذلك، وهي إشارات صدرت عن التِّبريزيّ عفواً لا قصداً. فمن ذلك قوله في البيت الثاني من الحماسَّية الأولى:
" وقد طابق الخشونة باللّين". وقوله في البيت الخامس من الحماسَّية نفسها:
"وقد قابل الشَّرط بالشرط في الصَّدر والعَجُز، وطابق العدد والكثرة بالهُون والخِفًَّة([38])". وفي الحماسية الثانية، وهي للفِنْد الزِّمَّانيّ قال:
.... ومعناه: مشينا إليهم مشيةَ الأسد ابتكر، وهو جائعٌ، وكنَّى عن الجوع بالغضب؛ لأنَّه يصحبه([39])". وفي الحماسيَّة 54، وهي لعنترةَ بن الأخرس قال: "
الرِّواية الجيدة: "حملَ الشَّناءَةِ" بالميم، ويُروى: "حَبلَ الشَّناءَةِ" بالباء، وهو استعارة حسنة أيضاً، جعل للشَّناءة حبلاً([40])". وفي الحماسيِّة 732 قال: "وقال آخر:
... والشَّمَرْدَل: الطَّويل. والشَّمَم: كناية عن الكَرَم، وأصله ارتفاع الأنف([41])". أمَّا المجال النَّقديّ عند التِّبريزيّ فتجلَّى أكثر ما تجلَّى في الرِّواية الشِّعريَّة لأبيات الحماسة، فالتِّبريزيّ عُني بالرِّوايات المختلفة للبيت الواحد إنْ وجدت، ولكنَّه كثيراً ما كان كثيراً يُعَقِّب على هذه الرِّوايات بأحكام نقديَّة تحمل بيت طيَّاتها مستوى الرِّواية من حيث جَودتُها أو ضعفها أو... فمن ذلك قوله في الحماسيَّة الأولى: "
قوله: من ظُلْم: يُروى بفتح الظَّاء وضمِّها، والفتح أحسن؛ لأنَّ الظَّلْمَ بالفتح المصدر، والظُّلْم بالضَّمّ الاسم([42])". وكذا الثانية: "
... ومن روى: عدا، بالعين غيرَ مُعجمة على أن يكون من العُدوان، فليست روايته بحسنة؛ لأنَّ اللّّيث عادته العُدوان". وفي الحماسيَّة 435، وهي لمالك بن حَرِيم الهَمْدانيّ قال: "
... "ويَثني عليه الحمدَ"، بفتح الياء، أي: يعطفُ الحمدَ عليه، وهو مُذَمَّم. ويُروى: "ويُثني عليه الحمدُ"، أي: الحمدُ يُثني على المال من الثَّناء. ويُروى: "ويُثْنَى عليه الحمدُ" على ما لم يُسَمَّ فاعله. و: "يُبْنَى عليه الحمدُ" من البناء. وهذه الرِّوايات كلُّها مذكورة، والرِّواية الأولى أجودها([43])". ومن صور الأحكام النَّقديّة التي لم ترتبط بالرِّواية الشِّعريّة للبيت، وإنّما ارتبطت ببنية البيت نفسه قول التِّبريزيّ في الحماسيِّة 216، وهي لعمرو بن مِخْلاة الكلابّي: ".....
... والمُشَايِع: المُقَوِّي لأصحابه المُتابع لهم، وجعله طُوالاً؛ لأنّهم يستحبُّون تمامَ الخَلْق وامتداد القامة. ووضع طُوال مع مُشَايع رديءٌ في صنعة الكلام؛ لأنَّ الطُُّوال ليس من المُشايعة بقريب([44])". على أنَّه قد يقول قائلٌ بعدُ: ألا يغضُّ ضعف الجانب البلاغيّ والنَّقديّ عند التِّبريزيّ من منهجه التَّكامليّ؟ قيل له: قد يغضُّ بعض الشَّيء، ولكنَّه ليس بذي خطر؛ ذلك أنَّ التِّبريزيّ أدرك بشرحه البيت لغةً وإعراباً ومعنىً بالإضافة إلى التّاريخ أحياناً أنَّه استوفى إيضاح البيت بالكُليّة، حتى لو أهمل الجانب البلاغيّ والنَّقديّ فيه، ومع ذلك فالأحسن لو توسَّع التِّبريزيّ بهذا الجانب كما فعل المرزوقيّ؛ لأنَّه ـ والحالة هذه ـ سيكون شرحه الشَّرح الذي لا يُضارع في كُلّيته وتمامه. ح ـ هذا الشّرح الذي أقامه التِّبريزيّ لديوان الحماسة لم يكن ليمرّ عنده مرور الكرام دون أن يعضده بالرِّوايات والشَّواهد وأقوال العلماء وما اختلفوا فيه؛ شأنه في هذا شأن كلّ عالم مُحقّق لا يُثبت أقواله دون توثيقها وتأييده بما يُقَوِّيها. أمّا الرّوايات المختلفة لأبيات ديوان الحماسة ـ وما أكثرها في هذا الشَّرح! ـ فمنشؤها هذا الكمّ الهائل من الشُّروح للدّيوان، وقد صنعته غير طبقة من طبقات الشُّرّاح قبل التِّبريزيّ، فما على التِّبريزيّ ـ وقد تهيأ له ما تهيّأ ـ إلاّ أن يجمع هذه الرِّوايات المُختلفة، ويُبوِّبها، ويُوَفق فيما بينها، فاصلاً بين رديئها وجيّدها وَفْقَ أحكام نقديّة ثاقبة، وقد عرضنا لجانب من هذه الرِّوايات بما فيه الكفاية، فلا حاجة بنا إلى ذكر أمثلة جديدة دفعاً لإطالة. أما الشَّواهد فقد توزَّعت عند التِّبريزيّ بين القرآن والحديث النّبويّ والمثل وأقوال العرب والشّعر الذي امتدّت رقعته الزّمنيّة من العصر الجاهليّ إلى العصر العبّاسيّ؛ وقد انضوى تحت لوائه فحول الشُّعراء الأفذاذ الموثوق بعربيّتهم وبيانهم من أمثال: امرئ القيس، وطَرَفة، وعنترة، والنَّابغة الذُّبيانيّ، وحسَّان بن ثابت، والنَّابغة الجعديّ، وجرير، والفرزدق، وبشَّار بن بُرْد، وأبي العتاهية، وأضرابهم، ومن الرُّجَّاز أساطينه: كالعَجَّاج، ورُؤْبة، وأبي النَّجم، ومن إليهم. والنَّاظر بعدُ أدنى نظر في شرح الحماسة يتبيّن هذه الشَّواهد بيسر وسهولة، فهي غزيرة متنوّعة للغاية، جعلت الشَّرح على رتبة عالية من الوثوق والصِّحَّة العلميّة. وحسبنا بعدُ أن نُدَلّل على ذلك بحماسيَّة واحدة نجتزئ بها، تكون وافية الشَّواهد؛ كي يتبيّن النّاظر بنفسه دون تعليق منّا منهج التِّبريزيّ في إيراد هذه الشَّواهد. ففي الحماسيَّة 68 ورد ما نصُّه: "وقال آخر:
... قديماً انتصب على الظَّرف؛ لقوله: خُلَّتي، والمراد: أبلغا خليلي قديماً راشداً وصِنْوي، إذا ما انتسب. والصِّنوانِ: الفََرْعانِ يخرجانِ من أصلٍ واحد، ويقال للأخوين: هما صِنْوانِ تشبيهاً بذلك..... وقوله: اتّصل، أي: انتسب، وهذا يدلُّ على أنًّ راشداً من أهله، وإذا كان هكذا، كان قوله؛ قديماً عيباً، لأنَّه لا يقال: إنّ زيداً من أهلي أو من بني أعمامي قديماً، والصَّواب أنَّ معنى اتَّصل قال: يا لفلان، وفي حديث النَّبيّ صلّى الله علي وسلم: "مَنِ اتَّصل، فأعضُّوه"، أي: من قال: يا لفلان. وقال الأعشى:
وقال أبو عُبيدةَ: من ذلك قوله تعال: "إلاَّ الذين يَصلُونَ إلى قومٍ بينكم وبينهم ميثاقٌ". وإنّما أراد: أبلغْهُ، إذا اتَّصل، ولم يُرد أنَّه صنوي، إذا اتَّصل، أو أنَّه صِنْوي قديماً، وإنَّما أراد: خُلَّتي قديماً، ويجوز أن يكون صِنْوي إذا اتّصل، أي: انتسب، لأن نسبي مثل نسبه في الشَّرف، فهو مثلي، إذا انتسب.
... يقول: أبلغاهُ أنَّ صغير الأمور يجني الكبير، وأنّ العزيز من الرَّجال متى أراد، عاد ذليلاً بأن يعدوَ طَوْرَه، ويستعمل ما لا يَهمُّهُ ولا يعنيه، ومثله: الشَّرُّ يبدؤه صغاره، والحربُ أوَّل ما تكون فتيَّةً، وكمْ مطرٍ بَدؤهُ مُطَيرْ، أي: إن لم تتدارَكِ الصَّغير، صار جليلاً([45])". وأمَّا إفادة التِّبريزيّ في شرحه الحماسةَ من أقوال العلماء قبله وذكر ما اختلفوا فيه أحياناً فهو أمر لا يُمكن لعالم مثله أن يتجاوزه، ولاسيما أنّه وقف على كثير من شروح الحماسة قبله، وقد كفانا هنا الدُّكتور فخر الدّين قباوة مَؤونَة البحث في طبيعة هذه الإفادة، فقال ما نصُّه: "وقد تتبَّعتُ شروح التبريزيّ أتلمَّس مصادره التي نقل عنها أو اقتبس منها، وبذلتُ في سبيل ذلك جهداً كبيراً، فتبيَّن لي من معارضة النُّصوص وتصنيفها أنَّه في شرح الحماسة ينقل بعض اللُّغة والنَّحو والاشتقاق عن ابن جنّي، وبعضها الآخر مع العروض والقوافي عن المَعَرِّيّ، وتوجيه المعاني وتحليل البيان والبديع وبعض النَّحو عن المرزوقيّ، والأخبار التَّاريخيّة عن أبي رياش والعسكريّ وأبي محمّد الأعرابيّ، والنَّقد عن العسكريّ وأبي محمد الأعرابيّ والمرزوقيّ([46])". وهذه النُّقول: بعضها مَعْزُوٌّ عند التِّبريزيّ إلى أصحابه صراحةً، وبعضها مُثبت دون عَزْو، وما أُثبتَ دون عَزْو لا يُشكّل مَطْعناً على التبريزيّ؛ ذلك أنَّه لم يكن بدعاً في هذا العمل "فقد التزم شُرَّاح الطبقة الثالثة: كابن السّكّيت، وأبي عكرمة الضّبيّ عزو ما يوردون من نصوص إلى أصحابها، وتابعهم في ذلك من بعدهم: كالسُّكَّريّ، والأحول، وثعلب، والأنباريّ، وابنه، ثمّ خلف من بعدهم من بَرِم بهذا العزو وما فيه من أثقال وأسانيد، فاكتفى بنقل النُّصوص دون أن يعزو منها إلاّ ما ندر، وقد بدا ذلك في مؤلفات: نفطَويه، والنَّحَّاس... والمعَرّيّ، وابن سيدَه، والواحديّ، والشَّمْنتَمَريّ، والزُّوْزَنيّ، فكان أن تابعهم الخطيب التِّبريزيّ، ولم يجد في ذلك ما يجرح علمه وعمله([47])". وسواء أكان هذا النّقل معزوّاً إلى أصحابه أم غير مَعْزوّ، فإنَّه يجب ألاّ يحطّ أيضاً من شخصيَّة التِّبريزيّ العلميّة، على تقدير أنّه في شرحه الحماسةَ مجرَّد ناقل ليس إلاّ، فهذا الظَّنّ يدفعه أمران أوضحهما الدّكتور قباوة بقوله: " أولهما: أنّ التِّبريزيّ لم يكن مجرّد ناقل فحسب وإنّما كان عالماً في اللُّغة والأدب، يختار بعلمه وخبرته من مؤلّفات أسلافه زُبدتها ومُفيدها، مُعرضاً عن الشَّوائب، ثمّ يُنَسِّق تلك النُّصوص ليُقيم منها كتاباً مُوَحّداً... * باحث ومحقق في التراث من سورية. ([2]) انظر التِّبريزيّ في: دُمية القصر 1/ 261 ـ 271، والأنساب 1/ 446 ـ 447، وتاريخ ابن عساكر 64/ 347 ـ 350، وفهرسة ابن خَيْر 2/ 543، ونُزهة الألبّاء/ 218 ـ 220، والمُنتظم 17/ 114 ـ 117، ومعجم البلدان 2/ 13، ومعجم الأدباء 5/ 628 ـ 630، والاستدراك/ و: 69 ب ـ و: 70 أن واللُّباب في تهذيب الأنساب 1/ 206 ـ 207، والكامل في التَّاريخ 8/ 576، وإنباه الرُّواة 4/ 28 ـ 30، ووفيات الأعيان 6/ 191 ـ 196، وأثار البلاد/ 148، ومختصر تاريخ دمشق 27/ 287 ـ 288، والمختصر في أخبار البشر 4/ 142، وإشارة التَّعيين/ 382 ـ 383، والعِبَر 4/ 5 وسيرة أعلام النُّبلاء 19/ 269 ـ 271، والإعلام بوفيات الأعلام 1/ 334، وتاريخ الإسلام (وفيات: 503هـ) / 73 ـ 76ن ودول الإسلام 2/8، والمُستفاد من ذيل تاريخ بغداد 19/ 257 ـ 259، وتتمَّة المختصر 2/ 33، ومسالك الأبصار 7/ و:36 ـ و37، وعيون التَّواريخ 13/ و: 121 ب ـ و: 123 ب، ومرْآة الجِنَان 3/ 131 ـ 132، والبداية والنّهاية 12/ 152ن والبُلْغمة/ 239 ـ 240، والفلاحة والمفلوكون/ 89ن وتوضيح المُشْتَبه 1/ 508، والنُّجوم الزَّاهرة (وفيات: 501هـ) 5/ 193 ـ 194، والصَّواب أن يذكر ابن تغري بَرْدي الخطيب في وفيات: 502 كما في مصادر ترجمته قاطبةً، وطبقات النُّحاة واللُّغويين/ و: 530 ـ و: 531، وغربال الزَّمان/ 398، والبُغية 2/ 338، وطبقات المفسّرين للسيّوطيّ/ 91، وللدَّواديّ 2/ 372 ـ 373، ومفتاح السَّعادة/ 532 ـ 533، وكشف الظُّنون 1/ 108 و 123 و 446 و 692 و 770 ـ 771 و 821 ـ 2/ 992 و 1043 و 1327 و 1377 و 1563 و 1740 ـ 1714 و 1808، وشذرات الذّهب 6/ 9 ـ 10، وديوان الإسلام 2/ 15، ودائرة المعارف لبطرس البُستانيّ 7/ 414، وأبجد العلوم 3/ 61، والتَّاج المُكَلل/ 148، وتاريخ آداب اللُّغة العربيَّة ـ مج: 14/ ج: 3/ 275 ـ 276، وهديَّة العارفين 2/ 519ن ومعجم المطبوعات العربيَّة 1/ 625 ـ 626، والكُنى والألقاب 2/ 214 ـ 215 ، وتاريخ بروكلمان 5/ 162 ـ 163ن ودائرة المعارف الإسلاميّة 4/ 567 ـ 570 "الخطيب التِّبريزيّ بقلم بلسنر"، والأعلام 8/ 157 ـ 158، ومعجم المولّفين 4 / 106، والمُستدرك عليه/ 839، والجامع في أخبر أبي العلاء 1/ 471 ـ 472، وتاريخ الأدب العربيّ للدّكتور فرّوخ 3/ 221 ـ 214، ومعالم وأعلام 1/ 172 ـ 173، والموسوعة العربيّة الميسّرة 1/ 489، والموسوعة الإسلاميّة المُيسّرة 3/ 605، وموسوعة المورد العربيّة، مج: 1/ ق: 1/ 297، ودائرة المعارف الشِّيعيَّة 9/ 134 و 18/ 504، وتهذيب سير أعلام النُّبلاء 2/ 481، ومعجم المفسّرين 2/ 732، ومنهج التِّبريزيّ في شروحه للدّكتور فخر الدِّين قباوة، و: "ما تبقى من المُلَخَّص للتِّبريزيّ: تعريف بالخطوط، ومنهج مؤلّفها "للدكتور محمَّد عبد المجيد الطّويل في: مجلّة معهد المخطوطات العربيّة بالقاهرة ـ مج: 43/ ج: 1/ 7 ـ 49. وانظر كذلك: مقدّمات بعض كتبه المُحقّقة، ولا سيّما: شرح اختيارات المُفَضَّل 1/ 6 ـ 41، وتهذيب إصلاح المنطق 1/ 7 ـ 22 (ط: القاهرة).....الخ. ([3]) في: عيون التَّواريخ، وطبقات ابن قاضي شُهبة: "الحسن بن محمّد". والرَّاجع ما أثبتنا كما في أغلب مصادر ترجمته. ([4]) ذهب ياقوت في معجم الأدباء إلى القول: "إنّه ابن الخطيب، وربَّما يُقال له الخطيب، وهو وهم". وقد شايعه في هذا غير عالم: كالقِفْطِيّ في إنباه الرُّواة، والقِنَّوْجيّ في أبجد العلوم، وبروكلمان في تاريخه.. والحقّ جواز الوجهين، فانظر: منهج التِّبريزيّ في شروحه/ 12. ([5]) صدرت له طبعتان: الأولى بتحقيق الدكتور فخر الدّين قباوة في دار الآفاق الجديدة ـ بيروت 1983م، والثّانية في جزأين بتحقيق فوزي عبد العزيز ومراجعة متولّي خليل عوض الله وتصحيحه في الهيئة المصريّة العامّة للكتاب ـ القاهرة 1986م. ([6]) طُبع هذا الشّرح في 4 أجزاء بتحقيق الدكتور محمّد عبد عزّام في دار المعارف ـ القاهرة 1987م ( ط: 5 ). كما طُبع بعناية راجي الأسمر في جزأين في دار الكتاب العربي ـ بيروت 1992م ( ط: 1 ) و 1994م ( ط: 2 ). وفي 2001م أصدر دار الفكر العربيّ في بيروت هذا الشّرح في مجلَّدين كبيرين. ([7]) أٌقام التبريزيّ ثلاثة شروح لديوان الحماسة: الأوّل صغير، والثّاني وسط، والثّالث كبير، والمتداول المطبوع من هذه الشُّروح الوسط، وقد طُبع غير طبعة: أولها في بون باعتناء فريتاغ عام 1828م ( ج:2 ). وثانيها في بولاق ـ القاهرة 1296هـ/ 1878م ( 4 ج في مجلّدين). وثالثها في المطبعة الجماليَّة ـ القاهرة 1916م. ورابعها في المكتبة التّجاريّة الكبرى ـ القاهرة 1938م (4 ج) بتحقيق الشّيخ العلامة محمد محيي الدين عبد الحميد. وخامسها في عالم الكتب ـ بيروت ، ومكتبة المتنبيّ ـ القاهرة 1980م ( ج 4 في مجلّدين). وسادسها في دار الكتب العلميّة ـ بيروت 1421هـ/ 2000م باعتناء غريد الشَّيخ وفهرسة أحمد شمس الدّين. ([8]) طُبع هذا الشَّرح غير مرَّة، وأجود هذه الطّبعات على كثرتها طبعة دار الفكر ـ دمشق 1997م بتحقيق الدكتور فخر الدِّين قباوة ( ط: 4). ([9]) طُبع شرح التِّبريزيّ لاختيارات المُفَضَّل طبعة أولى في مجمع اللُّغة العربيَّة ـ دمشق 1971م في 4 أجزاء بتحقيق الدّكتور فخر الدِّين قباوة، وطبعة ثانية في دار الكتب العلميَّة ـ بيروت 1987م. كما حقّق الكتاب علي محمد البجاويّ في 3 مجلَّدات، وأصدره في دار النهضة مصر ـ القاهرة: 1980م. ([10]) حقق الحساني حسن عبد الله هذا الكتاب تحت عنوان: "الكافي في العَروض والقوافي"، ونشره على صفحات مجلّة معهد المخطوطات العربيَّة بالقاهرة ـ مج: 12/ ج: 1/ 1966م. ثمَّ أُعيد طبع هذا المجلّد في المعهد نفسه سنة 1997م. كما حقق الكتاب أيضاً الدُّكتور فخر الدين قباوة، ونشره في دار الفكر، دمشق 1986م ( ط: 4 ) تحت عنوان الوافي لا الكافي. ([11]) انظر أبا تّمام في طبقات الشُّعراء/ 283 ـ 286، والأغاني 16/ 383 ـ 399، ووفيات الأعيان 2 / 11 ـ 26، وشذرات الذّهب 3/ 143 ـ 148... وانظر من الكتب المؤلّفة عنه: أخبار أبي تّمام للصوليّ، والموازنة للآمديّ، وغيرهما. ([12]) شرح ديوان الحماسة للتَّبريزيّ 1/ 11 ( ط: دار الكتب العلميَّة، وهي المرادة عند الإطلاق). وانظر كذلك: كشف الظُّنون 1/ 691. |